العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التطور التأريخي للتدقيق- منظور اقتصادي سياسي

د. عمر علي كامل الدوري

أستاذ المحاسبة والتدقيق ورئيس قسم إقتصاديات إدارة المصارف في كلية إقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين - بغداد – العراق

الحلقة 3

 

ثالثاً: شركات التدقيق الكبرى – نظرة تحليلية:

يمثل نمو شركات ومكاتب التدقيق استجابة واضحة للنمو والذي شهدته الشركات المساهمة في حجم ونطاق نشاطها، إذ إن هذه الشركات والمكاتب التدقيقية تعمل على تقديم خدمات متنوعة إلى شركات واسعة ومعقدة النشاط، فيكون لزاماً وجود شركات ومكاتب تدقيق تمتلك كادراً وظيفياً مؤهلاً وكافياً لإنجاز تدقيق الأنشطة الضخمة والواسعة والمتشعبة لتلك الشركات المساهمة فضلاً عن امتلاكها للموارد اللازمة لذلك. وإن شركات التدقيق تقدم لزبائنها العديد من الخدمات إلى جانب التدقيق، ومن هذه الخدمات مثلاً: الخدمات الضريبية والمحاسبية والاستشارية. وتتفاوت شركات التدقيق هذه في أحجامها وأنشطتها ومدى تأثيرها في المهنة، فمثلاً في الولايات المتحدة نجد بأن هنالك أربعة تصنيفات أو فئات من هذه الشركات تبدأ من أكبرها حجماً وهي الشركات الدولية ومن ثم الوطنية والإقليمية وصولاً إلى المحلية التي تكون أصغرها حجماً. وفي العقود الخمس الأخيرة من القرن المنصرم ظهرت ثمانية شركات تدقيق - وصفت بأنها دولية- طغت على الشركات الأخرى فيما يتعلق بنطاق أنشطتها ونطاقها الجغرافي وتأثيرها على المهنة ككل، وقد أصبحت هذه الشركات الثمانية فيما بعد تعرف بالثمانية الكبار (Big Eight). (Carmichael& Willingham: 1987: 15 - 16)

تقوم شركات التدقيق الثمانية الكبار(Big8)بتدقيق الغالبية العظمى من الشركات المساهمة الكبرى، وعلى الرغم من أن هذه الشركات الثمانية تقدم مدى واسعاً من الخدمات إلا أن التدقيق يمثل نصيب الأسد من مجمل أعمالها، وإن إيراداتها السنوية تبلغ مليارات الدولارات. وفيما يلي أسماء هذه الشركات التدقيقية الثمانية الكبار وحسب التسلسل الأبجدي: (Meigs etal.:1985: 14)

1. شركة Arthur Andersen.

2. شركة Arthur Young &Co..

3. شركة Coopers & Lybrand.

4. شركة Deloitte Haskins & Sells.

5. شركة Ernst & Whinney.

6. شركة Peat Marwick Mitchell.

7. شركةPrice Waterhouse.

8. شركة Touche Ross.

لقد كان هنالك احتمال لحدوث سلسلة اندماجات بين الشركات الثمانية الكبار آنفة الذكر، وقد أثبتت السنوات الأخيرة من القرن العشرين صحة هذا الاحتمال، إذ حَّول عام 1989م الثمانية الكبار إلى الستة الكبار (Big 6)عندما اندمجتفي شهر حزيران شركة Ernst &Whinneyمع شركة Arthur Young & Coلتشكل شركة Ernst & Young، تبعه في شهر آب من العام نفسهاندماج شركة Deloitte Haskins & Sellsمع شركةTouche Rossلتصبح شركةDeloitte &Touche.  وقد تلا ذلك عام 1998م وفي شهر تموز تحديداً اندماج شركة Coopers & Lybrandمع شركة Price Waterhouseلتشكلان شركة Price Waterhouse Coopersالتي حولتالستة الكبارإلى الخمسة الكبار(Big 5). وفي عام 1999تغير اسم شركة Peat Marwick Mitchellإلى KPMG، وأخيرا تحولت الخمسة الكبار إلى الأربعة الكبار (Big 4) عندما أغلقت، وصفيت شركة Arthur Andersenفي عام 2002على إثر مشكلة شركة Enronالأمريكية للطاقة، وقد بيعت أنشطتها وأعمالها كافة في البلدان العاملة فيها على الصعيد العالمي إلى الشركات الأربعة الكبار الباقية. هذا وقد حدثت اندماجات أخرى مشابهة ولكن بين شركات أصغر حجماً. وإن السبب في كل هذه الاندماجات هو المنافسة المتزايدة تجاه الزبائن وحاجتهم المتزايدة للخدمات المهنية الدولية والعالمية لاسيما أنهم مستفيدون من عملية التسوق لمرة واحدة (One-Stop Shopping)للخدمات المهنية أو بمعنى آخر الحصول على الخدمات المهنية من مكان واحد فقط ذو خبرة مهنية عالية. ولذا يكون من الملائم لهذه الشركات أن تدخل في أسواق ناشئة كالصين وجنوب آسيا والاتحاد السوفيتي السابق وأوربا الشرقية*. والشكل الآتي يوضح التطور التأريخي المرحلي لشركات التدقيق الكبرى وفقا لاندماجاتها المتعاقبة منذ ظهور الشركات الثمانية الكبرى ولغاية تكون وهيمنة الشركات الأربعة الكبار في الوقت الحالي:

الشكل (2)-التطور التأريخي المرحلي لشركات التدقيق الكبرى وفقا لاندماجاتها- الشكل من إعداد الباحث

 

لقد أفرزت الاندماجات الآنفة الذكر وكما أسلفنا عن ظهور شركات تدقيق كبرى أربع تسمى بالأربعة الكبار (Big Four)، وقد أخذت هذه الشركات البعد الدولي أي أنها أصبحت شركات دولية بحق من خلال عملها المنتشر في العديد من بلدان العالم عن طريق فروعها ومكاتبها الموزعة في المدن الرئيسة في العالم فضلاً عن مكاتبها الموجودة في المدن الرئيسة في الولايات المتحدة الأمريكية، والجدول التالي يوضح البلدان الرئيسة التي نشأت فيها هذه الشركات الأربعة الكبار:

(بتصرف:(Parker: 2000: 6

الجدول (1)–البلدان الرئيسة لنشوء الشركات الأربع الكبار

الشركة

البلدان

1. شركة Deloitte &Touche

المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، كندا، اليابان

2. شركة Ernst & Young

الولايات المتحدة، المملكة المتحدة

3. شركة KPMG

هولندا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، ألمانيا

4. شركة Price Waterhouse Coopers

المملكة المتحدة، الولايات المتحدة

 

 

ملاحظة:أسماء الشركات أعلاه تخص الشركات الدولية، وقد تختلف المسميات للشركات الوطنية.

 

ولبيان أهمية شركات التدقيق الخمسة الكبار ودورها من خلال استعراض حجم إيراداتها وعدد المشاركين فيها وموظفيها، نلاحظ الجدول التالي الذي يتضمن بيانات هذه الشركات لسنة 2000م،: (بتصرف: Boynton et al: 2001: 25)

 

الجدول (2)–بيانات الشركات الخمس الكبار لعام 2000م

الترتيب حسب

حجم الإيراد

الشركة

الإيراد للولايات المتحدة

(بالمليون دولار)

عدد الشركاء

عدد الموظفين أو المهنيين

1

Andersen World wide

7,824.0$

2,117

43,434

2

Price Waterhouse Coopers

6,750.0

2,938

34,067

3

Ernst & Young

6,375.0

2,546

21,880

4

Deloitte &Touche

5,330.0

1,913

21,710

5

KPMG

4,656.0

1,800

16,000

 

أما الجدول التالي فيبين حجم إيرادات الشركات الأربعة الكبار بعد انتهاء شركة Arthur Andersenمن الوجود فضلا عن عدد المستخدمين أو الموظفين في كل شركه منها ونصيب كل مستخدم من إيرادات الشركة التي يعمل فيها ومقر كل شركه من الكبار الأربع للسنة المالية (2013):*

الجدول(3)- بيانات الشركات الأربع الكبار لعام 2013م

الشركة

الإيرادات

عدد المستخدمين

الإيراد لكل مستخدم

السنة المالية

مقر الشركة

Deloitte & Touche

 

$32.4bn

 

200,000

$162,000

2013

United States

Price Waterhouse Coopers

$32.1bn

184,000

$174,456

2013

United Kingdom

Ernst & Young

$25.8bn

175,000

$147,428

2013

United Kingdom

KPMG

 

$23.4bn

155,000

$150,968

2013

Netherlands

 

نلاحظ من المقارنة بين الجدولين (2)و(3)بأن إيرادات الشركات الأربع الكبار قد ازدادت بشكل ملحوظ في سنة 2013م عما كانت عليه في سنة 2000م وكذلك الحال مع عدد الموظفين أو المستخدمين فيها، وهذا يدل على توسع حجمها وأعمالها وزيادة نشاطها واتساعه، وبالتالي زيادة أثرها في المهنة، أي إن هذه الشركات الأربعة الكبار آخذة بالتطور مع تقدم عجلة الزمن وبشكل يجلب الانتباه من جانب وإن الاندماج والتحول الأخير من الخمسة الكبار إلى الأربعة الكبار واستحواذها على أنشطة الشركة المنحلة Arthur Andersenقد انعكس بشكل واضح على تعاظم حجم إيراداتها وعدد مستخدميها إلى ما وصلت إليه عام 2013مقارنة بعام 2000من جانب آخر مما يدل على أن الاندماجات الحاصله هي في مصلحة الشركات الباقية.

 

رابعاً: الشركات عبر الوطنية *وأثرها على التدقيق:

  يمكن تعريف الشركات عبر الوطنية بأنها "تلك الشركات التي تنتج بضاعة أو تقدم خدمة في بلدين أو أكثر" (Parker: 2000: 8)، وتوصف هذه الشركات بأنها تهيمن على الاقتصاد العالمي وإنها مختلفة عن الاحتكارات الكبيرة التي كانت السمة الأساسية في مرحلة الامبريالية، وذلك من ناحية عدم تركز نشاطها في دولة أو امبراطورية معينة، وإنما انتشارها في عدة دول، ومن ناحية عدم ارتباطها بصناعة معينة وإنما تعدد أنشطتها، ومن ناحية اعتمادها على التطور التكنولوجي واتجاهها للتجديد والتطويرالمستمر، وأخيراً من ناحية زيادة نشاطها المالي لأبعاد غير مسبوقة (الحمش: 25 – 24 :1998).

 

 

*استخدم الباحث مصطلح "الشركات عبر الوطنية" لانسجامه بشكل أكبر من المصطلحات الأخرى مع طبيعة وشكل هذه الشركات، كما أن هذا المصطلح هو الأكثر حداثة في أدبيات التدقيق والمحاسبة والاقتصاد والسياسة.

لقد مر مفهوم (الشركات عبر الوطنية) بمرحلتين اختلفت وتغيرت فيهما المسميات لهذه الشركات؛ ففي المرحلة الأولى كان يدور المفهوم حول ما يسمى بلغة الاقتصاديين بـ (المشروعات المتعددة الجنسية –Multinational Enterprises) أو بلغة القانونيين بـ (الشركات المتعددة الجنسية –Multinational Companies)، فقد شاع استخدام مصطلح الشركات أوالمشروعات المتعددة الجنسية في العلاقات الاقتصادية الدولية وفي الأعمال كافة وهولايقصد به أن المساهمين أوالمالكين لهذه الشركات هم من جنسيات متعددة فحسب، وإنما يقصد به أيضاً أن هذه الشركات على الرغم من أن استراتيجيتها وسياستها وخطط عملها تصمم في مركزها الرئيس الموجود في دولة معينة يطلق عليها تسمية الدولة الأم (Home Country)إلا أن نشاطها يمتد إلى دول أخرى تسمى بالدول المضيفة (Host Countries)، فلذلك تعد هذه الشركات ذات نشاط دولي إذ تمتد استثماراتها وإنتاجها ومبيعاتها إلى أكثر من دولة عابرة بذلك حدودها الوطنية أوالاقليمية. أما في المرحلة الثانية فقد ارتأت لجنة العشرين التي شكلها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة في تقريرها الخاص بنشاط هذا النوع من الشركات أن يتم استخدام كلمة (عبر الوطنية-Transnational) عوضاً عن كلمة (متعددة الجنسية- Multinational) واستخدام كلمة (شركة-Corporation) عوضاً عن كلمة (مشروع-Enterprise)، وبذلك أصبحت التسمية الجديدة لهذه الشركات (الشركات عبر الوطنية) أو ما يصطلحه البعض بـ (الشركات عابرة القوميات) كونها تتعدى أو تتخطى القوميات لما تتسم به من حرية في تحريك ونقل مواردها وعناصرالإنتاج فيها إضافة إلى نقلها للتكنولوجيا بين الدول المختلفة، الأمر الذي دفع الاقتصادي شارلز كيند لبرجر Charles Kindelbergerإلى القول بأن: "ليس لهذه الشركات وطن تدين له بالولاء أكثر من بلد أو وطن آخر وإنما وطنها الفعلي حيثما تتحقق الأرباح والأهداف الاقتصادية التي ترمي إلى تحقيقها وتجعلها تزداد نمواً واستمراراً وتوسعاً في دنيا الأعمال" (عبد الحميد: 145 - 143: 1998).

للشركات عبر الوطنية جذوراً تأريخية ممتدة إلى أوائل القرن الرابع عشر مثل شركة جاليراني Gallerani، وفي القرن السادس عشر ظهرت شركات عديدة يمكن تصنيفها كأمثلة قديمة للشركات عبر الوطنية منها شركات الهند الشرقية الإنكليزية والهولندية والفرنسية وقد كانت باحثة عن الموارد (Resource-Seeking)أي أن هدفها الاقتراب من الموارد الطبيعية غير المتاحة في البلد الأم، وقد بقي هذا النوع من الشركات عبر الوطنية (الباحثة عن الموارد) موجوداً لغاية القرن العشرين. إذ تطورت هذه الشركات، وظهرت أنواع أخرى منها وهي الباحثة عن السوق (Market-Seeking)التي تهدف إلى إنشاء شركات تابعة لها (Subsidiaries)وظيفتها الأساسية إنتاج البضائع لعرضها في أسواق بلدان هذه الشركات التابعة، كما ظهرت شركات أخرى عبر وطنية باحثة عن الكفاءة (Efficiency-Seeking)والتي تهدف إلى إنشاء شركات تابعة تكون كل منها متخصصة في جزء معين صغير من إنتاج واسع أو متخصصة في مرحلة مهمة أو حساسة (Discrete)في إنتاج منتوج معين. هذا وقد ظهرت أنواع متطورة أخرى من الشركات عبر الوطنية كشركات التجارة والتأمين والصيرفة والتمويل والتي تقدم خدماتها على أساس عالمي، كما أفضت التطورات التي حصلت في التكنولوجيا إلى نشوء شركات تابعة دولية متخصصة في نقل المعلومات.

لقد مر الاستثمار الأجنبي المباشر (Foreign Direct Investment-FDI)بكل ما يتضمنه من تأثيرات على نمو الشركات عبر الوطنية بعدة تغيرات مضطردة خلال الفترة 1870م -1997 م؛ إذ اتسمت الفترة من 1870م إلى 1914م بحركة تصدير للموارد البشرية الأوربية وللاستثمار الأوربي بحجمه الأكبر إلى بقية أنحاء العالم من جانب وبروز الولايات المتحدة كقوة صناعية من جانب آخر، إذ كان الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم في عشية الحرب العالمية الأولى هو الأضخم في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا. في حين عانت الفترة من 1914إلى1997ولما أفرزته الحربان العالميتان من انخفاض في الأهمية الاقتصادية النسبية للبلدان الأوربية مقابل ازديادها للولايات المتحدة، حيث أصبحت الأخيرة بعد الحرب العالمية الثانية - وكما هي عليه لحد الآن- المصدر الأكبر للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم. أما الفترة الحالية فقد شهدت عودة الشركات عبر الوطنية ذات الأساس أو القاعدة الأوربية لاكتساب بعضاً من أهميتها النسبية التي سبق وأن تنازلت عنها، كما شهدت أيضاً تحدياً واضحاً للشركات عبر الوطنية الأمريكية والأوربية من قبل مثيلاتها في اليابان، علماً بأن كل هذه البلدان تعد مستلمة للاستثمارالأجنبي المباشر فضلاً عن كونها مجهزة له. ويوضح الجدول (4)التالي التغيرات في نسب رأس المال المقرر من الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم للبلدان المذكورة آنفاً على مدى الفترة الزمنية 1914م-1997م: (Parker: 2000: 8-9)

الجدول (4)–الحصص المئوية لرأس المال المقدر من الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم من قبل البلد الأصلي للفترة 1914م –1997م

البلد

%1914

%1938

%1980

1990%

%1997

المملكة المتحدة

45

40

15

13

12

الولايات المتحدة

14

28

40

26

26

ألمانيا

14

1

8

9

9

فرنسا

11

9

4

6

6

هولندا

5

10

8

6

6

بلدان أوربا الغربية الأخرى

5

3

10

16

17

اليابان

__

__

7

12

8

باقي بلدان العالم

6

9

8

12

16

 

100

100

100

100

100

 

إن لنمو الشركات عبر الوطنية أثراً واضحاً ومهماً في الاقتصاد بشكل عام وفي المحاسبة والتدقيق بشكل خاص باعتبارهما آلية عاملة في الاقتصاد، إذ أدى هذا النمو إلى زيادة كبيرة في التجارة العالمية داخل نطاق هذه الشركات من جهة وفيما بين دول العالم من جهة أخرى، حيث تستحوذ هذه الشركات بجملتها على ما يقارب 40% من حجم التجارة الدولية و80% من مبيعات العالم كما تبلغ الأصول السائلة من الذهب والاحتياطيات الدولية المتوفرة لدى هذه الشركات قرابة ضعفي الاحتياطي الدولي منها، وإن أسعار عمليات هذه الشركات هي أسعار تحويل داخلية، وليست أسعار سوق مفتوح بين الدول التي تضم الشركات التابعة للشركات عبر الوطنية. وإن لكل ذلك وبما لا يدع مجالاً للشك مضاميناً وآثاراً مهمة على الضرائب والرقابة الإدارية والمحاسبة والتدقيق لهذه الشركات (Parker: 2000: 10). وبناء على ما تقدم نلاحظ بأن نشوء ونمو وتعاظم الشركات عبر الوطنية أدى إلى توليد شرارة تدويل (Internationalization)التدقيق إن صح التعبير، إذ أن الشركات عبر الوطنية تتعامل بعمليات أجنبية/خارجية وبذلك فإنها تحتاج إلى تدقيقها لاسيما بأن هذه الشركات تعد قوائم مالية موحدة تحتاج إلى التدقيق طبقاً لقواعد البلد الأم للشركة عبر الوطنية (Klasseen&Buisman: 2000: 439).

لقد سبق وأن شكلت الشركات عبر الوطنية قوة ضاغطة نحو تدويل المحاسبة من خلال تشجيع وتحفيز إعداد معايير محاسبية دولية، إذ أنها وبسبب نموها واتساعها واجهت مشكلة مزدوجة في تقديم تقارير مالية تنسجم مع متطلبات البلد المضيف فضلاً عن تقديم معلومات محاسبية على أسس موحدة وملائمة للتخطيط المشترك الشامل ولتوحيد الحسابات، إضافة إلى تعقيد وصعوبة إعداد الحسابات للإدارة الداخلية وتقديم تقرير عن النتائج الكلية بسبب تنوع واختلاف الأسس المحاسبية وتطبيقها في الدول التي تعمل فيها هذه الشركات. إضافة إلى وجود أسواق مالية عديدة ومنتشرة في دول العالم ولكل منها متطلباته الخاصة بالإفصاح أو الإبلاغ المالي، ولأن الشركات عبر الوطنية في حاجة للحصول على الأموال من هذه الأسواق يكون لزاماً عليها الإذعان لمتطلبات هذه الأسواق المختلفة من بلد لآخر. كل ذلك شكل حافزاً قوياً للشركات عبر الوطنية لأن ترمي بكل ثقلها للضغط نحو معايير محاسبية دولية تجنبها كل تلك المشاكل والمعوقات (Mc Comb: 1982: 35-36). ومثلما حصل مع المحاسبة حصل مع التدقيق، اذ أن الشركات عبر الوطنية أيضاً تضغط باتجاه اعتماد معايير التدقيق الدولية لغرض تحقيق مصالحها المنشودة.

ومن جانب آخر نجد بأن للشركات عبر الوطنية وتطورها واتساعها أثراً مهماً في تطور وتوسع شركات التدقيق واتجاهها إلى الاندماجات الدولية المشار اليها سلفا، والسبب في هذه الاندماجات الحاصلة بين شركات التدقيق هو لجعلها قادرة على البقاء مستقلة عن الشركات عبر الوطنية كزبائن مهمين لشركات التدقيق، وكذلك لجعل شركات التدقيق قادرة على تقديم الخدمات الملائمة وبالمستوى المطلوب إلى تلك الشركات عبر الوطنية باعتبارها زبائن كبار لها (Klasseen&Buisman: 2000: 440).

ومن كل ما تقدم يتضح أثر الشركات عبر الوطنية على التدقيق بشكل عام وعلى شركات التدقيق بشكل خاص، وكل هذا متأتٍ من خدمة التدقيق للشركات عبر الوطنية وأثره فيها. هذا فضلاً عن أن هذه الشركات تعد المؤثر الأكثر بروزاً وقوة ودفعاً نحو تدويل التدقيق أو ما يمكن تسميته بعولمة التدقيق باعتبارها عامل ضغط اقتصادي الهدف ذوطموح سياسي مهيمن.