العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مستقبل المحاسبة

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

المحاسبة هي ظل الأعمال؛ تتحرك بتحركها، وتتأثر بالتطورات المحيطة بسرعة بسبب أهمية بياناتها.

تتلخص إجراءاتها بوظيفتين:

§      الاعتراف: ويكون بمرحلتين: التسجيل، والقياس.

§      العرض:وله مستويان: الإفصاح، والشفافية.

أما القيد والتسجيل فيمكن أن يكون:

§     في دفتر اليومية: سواء أكان بقيد مفرد أم بقيد مزدوج.

§     في دفتر الأستاذ مباشرة.

§     ضمن نماذج ذات علاقة: كالفواتير، والشيكات، وأوامر الإدخال والإخراج، وغيرها.

ويسبق مرحلة القيد إعداد شجرة للحسابات، وقد درجت برامج المحاسبة في الحسابات التي تتم باستخدام الكبيوتر الحاسوب على وضع:

§      شجرة فارغة يملؤها المحاسب بحسب حاجته، فينطلق من الحسابات الرئيسية من أصول وخصوم ومصاريف وإيرادات؛ فيفرعها بحسب حاجة المؤسسة التي تُعَد لها الحسابات.

§      شجرة معدة مسبقاً، سواء بحسابات قياسية أساسية قابلة للزيادة أو بحسابات شبه شاملة. وبالنسبة للبرامج التي تقدم حلولا لقوائم التدفقات النقدية فإن تحديدا مسبقا يتم لمصير الحسابات، فيختار المحاسب مصير كل حساب ضمن ما تم إعداده سلفاً.

والحسابات الختامية، منها حسابات تقليدية كحساب التشغيل والمتاجرة والأرباح والخسارة ثم الميزانية. ومنها قوائم مالية كقائمة الدخل وقائمة التدفقات النقدية وقائمة المركز المالي. وسميت هذه المجموعة بالتقرير المالي إذا أضيفت لها تقارير الإفصاح والشفافية وتقارير الإدارة.

وقد تم النظر إلى تلك البنية على أنها تمثل نظم معلومات محاسبية حيث تتدفق البيانات ضمن هيكل معلوماتي يؤدي أغراضا عديدة يمكنه خدمة باقي إدارات المؤسسة بمده بمعلومات مالية تاريخية، مع إمكانية تطويعه لاستخراج بيانات تهم الإدارة تطال المستقبل، وسمي هذا النوع بالمحاسبة الإدارية حيث الموازنات المستقبلية؛ وتحليل الانحرافات والمساعدة في اتخاذ القرارات كالتسعير مثلا؛ وحسابات بعض التكاليف الخاصة كالغارقة أو الملائمة أو ذات العلاقة وما شابه.

وبناء عليه- وبسبب تطور الحاجات والاستخدامات للبيانات؛ وللخروج من عنق الزجاجة حيث يعاني الكثيرون من فهم الأرقام المحاسبية ودلالاتها- بدأت البرامج المحاسبية تقديم ما يسمى بنمذجة الأعمال Modeling Concept، حيث يتم تحقيق متطلبات العميل أو المستخدم في الشاشة الرئيسية دون الحاجة لكونه ضليعاً في المحاسبة وفنونها، ثم تقوم البرامج بتنفيذ الأعمال المحاسبية المعقدة في الخلفية Backgroundللحد من الأخطاء وسد أي خلل ناشئ أو محتمل.

ولم يقف الأمر عند النمذجة، بل صارت المحاسبة أشبه بقوالب قابلة للدمج ضمن برامج أخرى Core Concept. ففي المرحلة السابقة بحثنا عن بديل للمحاسبة التقليدية، فكان التطور باتجاه محاسبة حديثة تخدم أغراض الإدارة وتحقق غاياتها، ثم انتقل الأمر للبحث عن محاسب آلي يحمل الأعباء عوضاً عن المحاسب الخبير، بحيث يكفي أن يسانده ماسك دفاتر BookKeeperوتم ذلك بنجاح حيث أصبحت البرامج تُعدُّ، وتجهز أعقد المراحل وأصعبها تلقائياً كتدوير الحسابات والتدقيق وما شابه. ثم انتقلنا للبحث عن مبرمجين مختصين يعدون برامج محاسبة قادرة على الاندماج ضمن برامج أخرى دون خوض كل المبرمجين غمار المحاسبة وفنونها. فصارت المحاسبة جزءا من النظم المتكاملة مثل ERP، وتحولت المحاسبة لوسيط Mid-WareConceptضمن غيرها من النظم، وبدأ الكلام عن المحاسبة كمكتبات Libraries Concept.

وأكثر من ذلك، بدأ مشغل البيانات المحاسبية والذي هو ماسك الحسابات أكثر من كونه محاسباً يبحث عن تسهيل الأعمال التكرارية التي تواجهه، فبرزت مفاهيم تبسط الإجراءات وتزيد الفاعلية، فكانت مفاهيم السحب والإفلات Pull & Drop Conceptلتحقيق الترابط في بعض الحسابات كحساب التكاليف مثلا.

وبدأ المحاسب نفسه يتململ من إعداد التحليل المالي للحسابات ويبتعد عن وظائف أخرى، فبرز مفهوم كون برامج المحاسبة أشبه بصندوق أسود لقياس الأداء Black Box Concept ToMeasure The Performance.

والتطور الأبرز كان في تغير أشكال المحاسبة، فكانت ومازالت المحاسبة على الورق Journals، ثم صارت المحاسبة على الأقراص ووسائط التخزين Storagedevices، عند ذلك عانت الدوائر الضريبية ومثيلاتها من الدوائر الحكومية الأمرّين للتفاهم مع هذا الشكل غير الملموس من البيانات فمرّت تلك المفاهيم بحالات رفض ثم قبول مشروط حيث لابد من الحصول على النسخ الورقية بعد حفظها الكترونياً، وللأسف مازال كثير من المحاسبين رافضين للقبول بالشكل الجديد للبيانات.

لكن وبما أن التطور لا يرحم أصحاب العقول غير السريعة التبدل والتحول فقد صارت المحاسبة في السحاب Cloud Conceptوبذلك لم تعد البيانات غير محسوسة وحسب، بل صارت بعيدة عن التصور لدى من لم يروض نفسه لتقبل كل جديد، ويألف كل تغير، بل يتبع أسلوب التشكيك والرفض له بدل أن يرفض ما لديه من أفكار ومبادئ.

وبناء على ما سبق، تغيرت أساليب الرقابة، فالرقابة هي إحدى وظائف المحاسبة الأساسية بوصفها مُخرج من مُخرجاتها، فتحول الأمر من التدقيق والمراجعة اليدوية والورقية إلى استخدام الآلات الحاسبة، فاتهم من فعل ذلك بتجميد عقله وتركه للحفظ وميله للكسل، فقد كان حفظ جدول الضرب قضية! فجاءت تلك الاختراعات المتواضعة لتعمل في العقول البسيطة أفاعيلها، ثم وبتطور النماذج المعلوماتية بدأ الانتقال لمفاهيم وضع النقاط الرقابية ضمن النماذج نفسها Formsللحد من أخطاء الإدخال، واستبعاد ما يمكن للمستخدم أو المشغل من الوقوع فيه وإيقاع المحاسبة بإشكالياته، فاستُبعدت أخطاء إدخال الأرقام السالبة أو الصفرية أو الحروف بدل الأرقام، وتمت السيطرة على أسماء الحسابات بأرقام الحسابات أو بتقنيات البحث الشامل، وكذلك رفض القيود قبل توازنها. ثم تم وضع نقاط رقابية أثناء المعالجات، فاستبعدت أخطاء غير منطقية ككون حساب الصندوق دائناً أو حساب المبيعات مديناً أو ما شابه. ثم وضعت نقاط رقابية لاحقة من خلال مناقشة النتائج ومدلولاتها. الأمر الذي جعل مدققي الحسابات ومراجعيه ينتقلون من التدقيق داخل الدفاتر والحسابات إلى التدقيق خارج الصندوق، فبدأ ابتكار الأفكار، واستخدمت البيانات بفاعلية كبيرة جداً حيث صار التركيز على الحلول وما بعدها، مما أخرج المحاسبة من الظل إلى النور ومن الصفوف الخلفية في الهياكل التنظيمية للتموضع في وسط النظم المعلوماتية متحكمة في إنتاج المعلومة وتفسيرها.

وبناء على ما سبق تغيرت أساليب بيع وتسويق نظم المحاسبة، حيث صار من الممكن:

§     بيع النظم للمستخدم مباشرة Packages.

§     تأجير برامج المحاسبة Leasing.

§     بيعها كنظم مفتوحة OpenSource.

§     بيعها بشكل قابل للدمج ضمن برامج أخرى Core.

§     بيعها كنظم وتأجيرها كسحاب Cloud.

§     الاستفادة من لغة XBRLلتعزيز التقارير.

§     الاستفادة من النظم المتكاملة ERP.

لقد صار الإعلان عن المحاسبة بأنها في السحاب In the Cloudوأن معالجتها تتم مباشرة دون حدود للمكان أو الزمان OnlineAccessبل صار الأمر ينفذ بأي وسيلة OnAnyDeviceفكما لم تعد الدفاتر ورقية، لم تعد مربوطة بحاسوب محدد، بل صار ذلك ممكنا من الجوال أو من الأجهزة اللوحية أو من أجهزة قراءة ضوئية BarReaderحيث لم يعد يُرى في مراكز البيع سوى هذه الأجهزة، ولم يَعد يُرى بيد موزعي السلع والخدمات سوى أجهزة صغيرة موصولة بالشابكة العنكبوتية تحقق غرض البيع والشراء والفواتير والمحاسبة، وتحقق ضبطاً رقابياً مباشراً بإجراء حركات فورية في بطاقات المستودعات.

وبسبب تطور وسائل النقل والانتقال تطورت طرق تسليم السلع والخدمات، فصار البائع غير مضطر لسيارة الشحن لتسليم بضائعه وسلعه بل صار تسليمها يتم بطرق أخرى دون توقف عند الحدود الجغرافية، فصارت الخدمات عابرة للحدود غير آبهة بدوائر الجمارك. ولعل السلع تنتظر ابتكارات تخصها لتتخلص من حواجز وضعها البشر بسبب تصورات قاصرة في عقولهم.مثال ذلك بيع الكتب الالكترونية والبرامج، وتقديم الاستشارات والخبرات بمختلف أشكالها.

لقد ساعد ركوب المحاسبة السحاب على إدارة الفواتير ومدفوعات الزبائن مباشرة ومتابعة المصاريف والإيرادات من خلال التكامل مع المصارف وحساباتها بوصفها طرفاً ثالثاً تحقق رقابة ومحاسبة للمسؤولية. وساعد ذلك أيضاً في توليد التقارير المالية، فساعد على الاحتفاظ بالمشاريع وإداراتها بفاعلية ضمن جدولة صارمة خاصة إذا تم الاستعانة ببرامج إدارة المشاريع التي أصابها نفس التطور السابق ذكره.

وصار تشارُك الملفات والوقت والتحديثات والمعلومات الراجعة أمراً متاحاً للجميع بحيث أن الذكاء صار ممكنا للجميع بسبب تطور البرمجيات وحملها للعبء الأكبر من الأعمال المتكررة.

وتطورت نظم الأمن المحاسبي حيث تقدم خدمات المزامنة خدمات جليلة فتسمح بكون البيانات محلية Locallyوفي السحاب Cloudبنفس الوقت، فاختفت وظائف تعتبر حديثة العهد كوظائف التخزين الاحتياطي Backupواسترجاع البيانات Restoreأمام تطور خدمات المزامنة Syncمما أضاف حيوية أكبر للمستخدمين.

والسؤال إلى أين تتجه المحاسبة مستقبلاً؟

الجواب هو أنها سترافق التطور العلمي والتقني لأنها ظل الأعمال، تتحرك بتحركها، وتتأثر بالتطورات المحيطة بسرعة بسبب أهمية بياناتها، كما ذكرنا في بداية الكلام. لقد صار الكلام عن الحلول المحاسبية AccountancySolutionأكثر من الكلام عن مسك الدفاتر أو عن محاسبتها.

إنها سنة الله في الأرض، سنة التدافع حيث ما يبقى في الأرض هو ما ينفع الناس ويُصلح حالهم.

حماة (حماها الله) ٧/٩/٢٠١٤