العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مناقشة الرأي المجيز لاستخدام سعر الفائدة كأساس لعملية خصم التدفقات النقدية للمشروعات في الاقتصاد الإسلامي

د. بن ابراهيم الغالي

أستاذ محاضر وباحث جامعي

الملخص:

تحاول هذه الورقة البحثية تحليل ومناقشة إمكانية قبول أو رفض الطرح المجيز لاستخدام سعر الفائدة كأساس لعملية خصم التدفقات النقدية للمشروعات الاستثمارية المراد دراسة جدواها في ظل الاقتصاد الإسلامي،وذلك من خلال اعتمادية منهجية علمية محايدة غير متحيزة، تستند إلى أساليب رياضية واقتصادية وأخرى عامة.

وخلصت الدراسة في النهاية إلى أنه في ظل الاقتصادالإسلامي لا يمكناستخداممعدلالفائدةكسعرتخصمبهالمبالغالآجلةلإيجاد قيمتهاالحاضرة، ولايمانعمناستخدامأدواتأخرى غير مبنية على الفائدة الربوية، وعلى هذا الأساس لابد من تضافر الجهود البحثية الأكاديمية والميدانية لإيجاد بديل لسعر الفائدة يصلح بأن يكون معدلا لخصم التدفقات النقدية للمشروعات في الاقتصاد الإسلامي.

الكلمات المفتاحية: معدل الخصم، سعر الفائدة، التدفقات النقدية، دراسة الجدوى.

مقدمة:

يمثل معدل خصم التدفقات النقدية المضاعف الذي يحوّل العوائد المتوقعة من مشروع استثماري لقيمتها السوقية الحالية، والذي يهدف إلى تعويض النقص في القيمة الحقيقية للأموال نتيجة تآكلها عبر الزمن بفعل عامل التضخم، ويعتمد الفكر التقليدي على سعر الفائدة كمعدل لخصم التدفقات النقدية لغرض دراسات الجدوى الاقتصادية والحكم على مدى نجاعة المشروع في جانبه المالي، وهذا لما له من إيجابيات وذلك في تصور مؤيدي الفكر الغربي.

وإن أكثر النقاط المثيرة للجدل في دراسة الجدوى بالطريقة التقليدية تكمن في التقنيات المتبعة في تحليل الربحية ومدى اتفاقها مع النظرة الإسلامية، خاصة في شقها الأساسي الذي يعتمد على خصم التدفقات النقدية، والذي يولد اختلافات في وجهات النظر بين المفكرين والمحللينالإسلاميين في مجال الاقتصاد والبنوك حول معدل الخصم الربوي، والنقاش لا يزال مطروحا على صعيد إمكانية تطبيق الخصم الربوي في عمليات التقييم.

وعلى هذا الأساس نجد أن هناك رأيين متناقضين حول مدى إمكانية اعتماد سعر الفائدة أو معدل الربح كأساس للخصم، وسنركز في هذ المقال على مناقشة الرأي الأول المجيز لاستخدام سعر الفائدة كأساس لعملية الخصم في الاقتصاد الإسلامي.

ومن هذا المنطلق يمكن طرح الإشكال التالي:

في ظل الاقتصاد الإسلامي هل يمكن قبول سعر الفائدة الربوي كمعدل لخصم التدفقات النقدية للمشروعات الاستثمارية المراد دراسة جدواها؟

للإجابة على الإشكالية المطروحة تمت صياغة الفرضية الرئيسية على النحو التالي:

في الاقتصاد الاسلامي لا يمكن الاعتماد على سعر الفائدة كمعدل لخصم التدفقات النقدية لتحليل الربحية التجارية للمشروعات الاستثمارية.

ووفقا لطبيعة الموضوع فقد تطلب ذلك استخدام المنهج الوصفي التحليلي، الذي يقوم بتجميع البيانات والمعلومات وتحليلها وفق أدوات ووسائل مختلفة، ومن خلال هذه المنهجية الملتزمة بأدوات البحث العلمي والموضوعية المحايدة تمت معالجة الدراسة من منظور محورين رئيسيين، كما يلي:

·       الطرح المجيز لسعر الفائدة كأساس لعملية خصم التدفقات النقدية للمشروعات في الاقتصاد الإسلامي.

·       الانتقادات الموجهة للخصم الربوي.

أولا: الطرح المجيز لسعر الفائدة كأساس لعملية خصم التدفقات النقدية للمشروعات في الاقتصاد الإسلامي:

يمثل الطرح المجيز لسعر الفائدة كأساس لعملية خصم التدفقات النقدية للمشروعات في الاقتصاد الإسلامي الاتجاه الشائع والغالب في المجتمع، والذي يستند إليه الكثيرون من رجال المال والأعمال والاقتصاد لتبرير الاعتماد على سعر الفائدة كمحرك أساسي للاستثمار،بإجازة استخدام سعر الفائدة السائد في السوق المصرفية كمعامل لخصم التدفقات النقدية في عمليات المفاضلة والاختيار بين البدائل الاستثمارية وفق طريقتي صافي القيمة الحالية، ومعدل العائد الداخلي.

١- عملية الخصم: عملية الخصم ما هي في الواقع إلا عملية عكسية لعملية الفائدة المركبة، حيث المطلوب في تلك الحالة هو معرفة القيمة الحالية لمبلغ معين من المال المعروف في المستقبل[1]، ويتم بموجبها جعل قيمة التدفقات النقدية المستقبلية مساوية لقيمة التدفقات النقدية الحاضرة، أو في لحظة قرار استثمار الأموال وفق معدل خصم يحدد طبقا للقيمة الزمنية للنقود، وبناء على المخاطر المرتبطة بهذه التدفقات.

٢- نموذج معدل الخصم: معدل الخصم في ظل معيار سعر الفائدة "هو معدل الفائدة الذي يحصل عليه المستثمر لو أودع أمواله في المصرف"[2]، ويحسب معدل الخصم باعتماد سعر الفائدة كأساس مضافا إليه هامش ربح إضافي يعود للمشروع، وذلك نظرا لتحمله المخاطرة الملازمة للاستثمار، بينما التمويل الخارجي (التمويل بالاستدانة) يؤول له عائده المتمثل في سعر الفائدة، وليست هناك أية ضمانات لعائد صاحب المشروع،و بهذه الطريقة يكون معامل الخصم كما يلي[3]:

 حيث أن:

o       i:يرمز لسعر الفائدة.

o       r:يرمز لهامش الربح الإضافي لصاحب المشروع.

o       K: تمثل معد الخصم أو سعر الخصم.

وتستخدم في التعاملات المالية عادة نظام الفائدة المركبة، أما الفائدة البسيطة فهي تستخدم في بعض الحالات الخاصة، وتشمل عملية الخصم ثلاثة أنماط من أشكال سعر الفائدة، وهي سعر الفائدة الاسمي، سعر الفائدة الجزئي وسعر الفائدة السنوي الفعلي.

الطرح المجيز للخصم الربوي:

عند معالجة أساليب موازنة رأس المال يستخدم معدل الفائدة كمعدل خصم، الذي هو مجرد مسألة تبسيط وملاءمة، فمعدل الفائدة هو تكلفة فرصة رأس مال المستثمرين، أو المعدل المتوقع للعائد من الاستثمار في مشروع بديل، عندما يقوم هذا المشروع على الاقتراض بالفائدة، ففي اقتصاد ليس فيه معدلات فائدة، فإن العائد المتوقع للمستثمر من ثاني أفضل مشروع حلال يصلح أن يكون المعدل المناسب للخصم، وبهذا فإن النطاق الأساسي للتقويم لا يحتاج إلى أي تعديل.

مبررات الخصم الربوي:

يستند المؤيدون لهذا الطرح إلى المبررات التالية[4]:

‌أ.       إن إجراء هذه العمليات رياضيا مباح أصلا.

‌ب.   إن استخدام سعر الفائدة في الحسابات الرياضية هو وصف كاشف وليس وصفا مؤثرا للفعل المسؤول عن حكم الشرع بشأنه، وإنما يتعلق الحكم بالأوصاف المؤثرة، وفي حالتنا هذه لم يقترن الفعل بأوصاف مؤثرة شرعا، كأكل الربا المنهي عنه بالفعل.

وبالطريقةنفسهايمكنالإشارةإلىأنجداولمعدلالفائدةالمركبة إنهيإلاأدواتلحسابالقيمةالمستقبليةأوالحاليةللمبالغالتييتوقع أنتنموبها هذهالمعدلاتفاستخداممعدلالفائدةكمعدلنموهوأحدتقاليد التمويلالحديثفيأحسنالأحوال،ويمكنتسميةهذهالجداولبجداولالنموالدوري،أوأيتسميةأخرى تعبرعنالمعنىالصحيح، وبهذايمكناستخدامأسلوبيالقيمةالحاليةالصافية والمعدلالداخليللعائداستخداماذامغزىفيتقويمالمشروعات[5].

 

ثانيا: الانتقادات الموجهة للخصم الربوي.

بهدف إثبات النقص الذي يعتري الخصم الربوي: لنفترض جدلا بقبول الطرح المجيز لاستخدام سعر الفائدة الربوي في عملية خصم التدفقات النقدية للمفاضلة بين البدائل الاستثمارية، وستتم مناقشة هذا الطرح من خلال انتقادات رياضية مجردة وأخرى اقتصادية.

الانتقادات العامة:

وفقا لهذا المدخل الذي يجيز استخدام سعر الفائدة الربوي كمعامل للخصم، نجده ينطوي على عدة نقائص، أهمها هو أن التحريم (حسب أصل التحريم) ينطلق أساسا من القاعدة أو الركيزة التي تبنى عليها والغاية منها، فإذا أمعنا النظر في القاعدة التي بني عليها حساب معامل الخصم وفق هذه الطريقةنجد أن أساس الحساب بكل بساطة هو سعر الفائدة، ومعروف ومتفق عليه أن سعر الفائدة السائد في السوق النقدية هو الربا المحرم شرعا في الاقتصاد الإسلامي.

ونفى الاقتصادي شابرا الآثار السلبية لإلغاء الفائدة على الاقتصاد اللاربوي، وقد استنتج في تحليله أن إلغاء الفائدة في الاقتصاد لن يؤثر على التخصيص الأمثل للموارد،كما أن سعر الفائدة ليس هو الوسيلة الوحيدة لتخصيص الموارد، بل أكد أن عدم الاستقرار الاقتصاد هو أسعار الفائدة، كما أن إلغاءها لن يؤثر على النموالاقتصادي أو على الودائع المصرفية[6].

الانتقادات الرياضية:

لو افترضنا أن سعر الفائدة السائدة في السوق النقدية والمالية قيمته مساوية للصفر، ونكتب: i= 0%وهذا أمر محتمل الحدوث لغرض تحقيق أهداف اقتصادية محددة في وقت محدد، لأن سعر الفائدة متحكم في نسبه وتفرضه السلطات النقدية، على عكس معدل الربح الذي يتحدد بفعل تفاعل عوامل اقتصادية لا يمكن التحكم فيها بسهولة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لدينا معادلة الخصم التي سبق دراستها في الجزء الخاص بمعامل الخصم- التالية:

 

 حيث أن:

o      i:يرمز لسعر الفائدة ؛

o      r:يرمز لهامش الربح الإضافي لصاحب المشروع ؛

o      K: تمثل معد الخصم أو سعر الخصم.

 

والسؤال المطروح هنا: ما سعر الفائدة الذي يمكن اعتماده في عمليات الخصم؟

 

إذا كان الجواب هو سعر الفائدة نفسه السائد في السوق، أي: سعر الفائدة يساوي الصفر (i = 0% وهذا غير منطقي تماما، لأن معامل الخصم سيكون:

‌أ.       إما مساويا للصفر في حالة التمويل بالقروض فقط(r = 0)، ونكتب:

i = 0% => k =i + r => k =i => k = 0 %

‌ب.   أو إما مساويا لقيمة الهامش الربحي الإضافي لصاحب المشروع، والذي سيكون في الغالب منخفضا ( في حالة المزيج التمويلي ) وتؤول إلى الصفر، ونكتب:

 

i= 0% => k =i + r=> k = 0 % + r=> k = r% ~O%

ووفقا لهذا المنطق الرياضي سيتم رفض كل المشروعات المقترحة للدراسة، وبالتالي فإن الطرح المجيز لاستخدام سعر الفائدة الربوي كأساس في عملية خصم التدفقات النقدية هو أمر مرفوض رياضيا.

الانتقادات الاقتصادية:

لو افترضنا أن النظام الاقتصادي بما في ذلك المنظومة البنكية في البلاد محل دراسة إقامة المشروع قد تمت أسلمتها اقتصاديا

 على غرار النظام الاقتصادي الباكستاني والإيراني والسوداني، بمعنى أنه لم يعد لسعر الفائدة أي وجود بحكم تحريمه.

فالسؤال الذي يطرح نفسه: ما معدل الفائدة الذي يمكن إعطاؤه لمعامل الخصم؟.

‌أ.       هل سنلجأ إلى معدلات افتراضية وهمية لا وجود لها في الواقع.

‌ب.    أم أننا سنلجأ إلى الاستعانة بمعدلات فائدة لبنوك أجنبية ربوية، والعاملة في دول تقر بسعر الفائدة كمعامل للخصم، وذلك لإتمام عملية المفاضلة بين المشروعات المراد تمويلها بالصيغ الإسلامية.

وهذا ما يؤكد ضرورة إيجاد معدل خصم مستقل تماما عن سعر الفائدة الربوي وغير مخالف لتعاليم الشريعة الإسلامية، ويكون أساس حسابه يعتمد على معطيات اقتصادية حقيقية وغير افتراضية أو احتمالية.

 

الخاتمة:

إن النظرة الإسلامية لمعامل الخصم تستمد شرعيتها من مدى فهم الباحثين في الاقتصاد الإسلامي لمبادئ وتعاليم ديننا الحنيف، وأن الاختلاف الأساسي حول عملية الخصم لا يكمن في مدى شرعيتها أو كمنطلق للمفاضلة بين المشروعات، وإنما الاختلاف في مدى اعتماد هذه الطريقة على سعر الفائدة الربوي المحرم شرعا وجعله مكافئا أو تعويضا له.

وعليه فإن الأداة التي تكون متفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية في عملية المفاضلة بين المشاريع الاستثمارية كأداة لخصم التدفقات النقدية يجب أن تستند إلى استخدام الربح كأساس لعملية الخصم وليس بالضرورة سعر الفائدة الربوي المحرم شرعا.

 

قائمة المراجع:

1.     أحمد إيهاب فكري: استخدام سعر الفائدة في حساب مؤشرات الربحية التجارية في إعداد وتقيم دراسة الجدوى، برنامج دراسة الجدوى وتقيم المشروعات من منظور إسلامي، المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية – القاهرة - 1988.

2.     أمين السيد أحمد لطفي: دراسة جدوى المشروعات الاستثمارية، الدار الجامعية للنشر – الإسكندرية،مصر – 2004.

3.     بكري عبد الرحيم بشير، التيجاني سيسي محمد: دليل تقيم واختيار وتنفيذ المشروعات بواسطة البنوك الإسلامية، - السودان - دون سنة نشر.

4.     طلال الكدواي: تقييم القرارات الاستثمارية، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع – عمان ,الأردن – 2008.

5.     محمد عبيد الله: تمويل الشركات من منظور إسلامي، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز – المملكة العربية السعودية _ فيفري 2006.

6.     عبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي: نحو نموذج لمعدل العائد في الاقتصاد الإسلامي، مجلة جامعة الملك عبد العزيز للاقتصاد الإسلامي، مجلد 02، العدد 02 – المملكة العربية السعودية – 2008.

 


[1]أمين السيد أحمد لطفي: دراسة جدوى المشروعات الاستثمارية، الدار الجامعية للنشر – الإسكندرية،مصر – 2004،ص ( 171 ).

[2]طلال الكدواي: تقييم القرارات الاستثمارية، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع – عمان ,الأردن – 2008، ص ( 119 ).

[3]بكري عبد الرحيم بشير، التيجاني سيسي محمد: دليل تقيم واختيار وتنفيذ المشروعات بواسطة البنوك الإسلامية، - السودان - دون سنة نشر،ص(17 - 19 ).

[4]أحمد إيهاب فكري: استخدام سعر الفائدة في حساب مؤشرات الربحية التجارية في إعداد وتقيم دراسة الجدوى، برنامج دراسة الجدوى وتقيم المشروعات من منظور إسلامي، المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية – القاهرة - 1988، ص (211 ).

[5]محمد عبيد الله: تمويل الشركات من منظور إسلامي، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز – المملكة العربية السعودية _ فيفري 2006، ص ( 60،61 ).

[6]عبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي: نحو نموذج لمعدل العائد في الاقتصاد الإسلامي، مجلة جامعة الملك عبد العزيز للاقتصاد الإسلامي، مجلد 02، العدد 02 – المملكة العربية السعودية – 2008، ص ( 09، 10 ).