العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الفوركس (forex) المفهوم والحكم الشرعي

د. عمار أحمد عبد الله

باحث متعاون لدى معهد البحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة

أولا- المفهوم:

هذه الكلمة (forex) هي اختصار لكلمة (foreign exchange market) والتي تعني: سوق التعامل بالعملات الأجنبية (البورصة). يجري في هذه السوق المضاربة على العملات المختلفة بغية الحصول على الأرباح الناتجة عن فروق الأسعار، والعملات الأساسية التي يجري المضاربة عليها هي: الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي والين الياباني.

أنشئ هذا السوق عام ١٩٧١ إثر التحول من استخدام قيم ثابتة للعملات إلى قيم التعويم في المعاملات التجارية، وتضم هذه السوق أربع أسواق عالمية: الأمريكية والأوربية والأسترالية والآسيوية. وتستمر عمليات المتاجرة في هذه السوق طيلة اليوم (٢٤ ساعة) خلال أيام العمل (كل أيام الأسبوع عدا يومي السبت والأحد)، وليس له ارتباط بساعات العمل في البورصة، والسبب في ذلك أنه ليس هناك مكان محدد تجري فيه عمليات المتاجرة، حيث إن وسائل الاتصال الحديثة أتاحت المجال للاتصال بمختلف البنوك حول العالم، فأصبح من السهل جدا أن تتم المتاجرة بالعملات عن طريق الهاتف أو الحاسب الآلي (الإنترنت).

إن حجم المضاربات على العملات الأجنبية يشكل الحيز الأكبر من تعاملات الأسواق المالية، حيث بلغت ٨٠٪ من تعاملات الأسواق المالية، ويقدر حجم التعامل اليومي لتداول العملات في سوق الفوركس بحوالي ٣ ترليون دولار، وهو مبلغ كبير جدا إذا ما قورن بغيره من تعاملات السوق الأخرى، فبورصة نيويورك للأسهم مثلا لا يتعدى حجم التداول اليومي ٣٠٠ مليار دولار، وذلك كله بسبب التوازن الذي يحظى به سوق المتاجرة بالعملات الأجنبية.

أما عن كيفية التعامل في سوق الفوركس فإن ما يميز هذه السوق أنه ليس من الضروري لمن أراد دخول هذه السوق للمتاجرة أن يكون لديه المال الكثير، بل إن بضعة آلاف من الدولارات تتيح الفرصة للدخول والمتاجرة، وهو ما يسمى: الشراء بالهامش (margin)،  وتتم عملية المتاجرة وفق الآتي:

1-            يقوم العميل بفتح حساب لدى السمسار (بنك أو غيره) (margin account)

2-            يدفع العميل هامشا مبدئيا (initial margin) من قيمة الصفقة التي يعتزم الدخول فيها كـ ١٠٪ مثلا أو أكثر أو أقل بناء على طلب السمسار.

3-            من أجل تغطية المبلغ المتبقي من قيمة الصفقة يقوم السمسار بطلب قرض من البنك بفائدة تعادل الفائدة السائدة بين البنوك، ويقيد هذا القرض في حساب العميل، ويتقاضى السمسار من العميل فائدة أعلى من تلك التي يقوم بدفعها للبنك.

4-            يتم شراء العملات محل الصفقة، ولا تسلم إلى العميل بل تبقى كرهن مقابل القرض الذي قيد في حساب العميل لضمان سداد قيمة القرض، ويحق للعميل التصرف بهذه العملات بيعا وشراء، غير أنه لا يمكنه سحب النقود إلا بعد تصفية الحقوق والالتزامات بينه وبين السمسار.

5-            غالبا ما يشترط السمسار على العميل أن تتم المتاجرة عن طريقه، وبالتالي يدفع العميل للسمسار مبلغا محددا عن كل عملية بيع يقوم بها العميل، دون النظر إلى الربح أو الخسارة الناتجة عن هذه العملية.

6-            في حال ارتفاع سعر العملة محل الصفقة يحق للعميل حينئذ سحب الربح الحاصل أو دفعه للسمسار لشراء عملة أخرى والدخول في عملية (margin) جديدة. أما في حال انخفاض قيمة العملة المشتراة فإن السمسار يطلب من العميل بيعها واسترداد قيمتها، وحينئذ سيتم تصنيف حساب العميل ضمن الحسابات المقيدة التي تمنع العميل من زيادة مشرياته من العملات الأجنبية. ولو استمر الانخفاض في سعر العملة المشتراة وقارب نسبة الهامش المبدئي المدفوعة من قبل العميل يطلب السمسار من العميل بيعها فإن لم يستجب باعها السمسار حتى وإن لم يأذن العميل، لأن العملة مسجلة باسمه، وبالتالي فإن الهامش المبدئي (initial margin) هو بمثابة هامش أمان للسمسار، وميزان للربح والخسارة.

ولإيضاح الخطوات المتقدمة نضرب مثالا على ذلك:

لنفرض أن عميلا قام بفتح حساب بالهامش لدى السمسار، ووضع فيه (١٠٠٠) دولار، على أن يتيح له السمسار المتاجرة بـ(١٠٠٠٠٠) ألف دولار، فإن نسبة الهامش المبدئي هي (١٪) من قيمة الصفقة. ولتغطية المبلغ المتبقي يقوم السمسار بالاقتراض من البنك ويقيده في حسابه (أي حساب السمسار) ليضارب به العميل. يقوم العميل بشراء عملة أخرى كالجنيه الإسترليني مثلا، فلو حصل ارتفاع في قيمة الجنيه مقابل الدولار فإن العميل يبيع الجنيه ويحصل على الربح من فروق الأسعار. أما لو انخفضت قيمة الجنيه الإسترليني إلى نسبة أعلى من ١٪ (نسبة الهامش المبدئي) فإن السمسار يطلب من العميل بيع الجنيه واسترداد الدولار، ويتحمل العميل وحده الخسارة، ولو استمر الانخفاض في قيمة الجنيه ووصل إلى حد (١٪) فيتوجب على العميل حينئذ بيع الجنيه، وإلا قام السمسار ببيعه ولو لم يأذن العميل، لأن العملة المشتراة مسجلة باسمه، وبالتالي يسترد قرضه بالكامل، ويخسر العميل نسبة الهامش المبدئي وهي (١٪)

الحكم الشرعي:

لدى التأمل في الكيفية التي يتم من خلالها عملية الشراء بالهامش نلاحظ الآتي:

1-            قرض بفائدة: علمنا مما سبق أن العميل يدفع نسبة ضئيلة من قيمة الصفقة المراد القيام بها (الهامش المبدئي)، والمبلغ المتبقي يقوم السمسار إن كان بنكا بإقراضه للعميل بفائدة في حال تم تبييته لليلة واحدة أو أكثر، فإن لم يكن بنكا اقترضه من البنك بفائدة ثم يقرضه العميل بفائدة أعلى. ومعلوم أن هذه الزيادة على القرض هي من الربا المحرم. قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} (البقرة، الايتين: ٢٧٨ و٢٧٩). وأجمع أهل العلم على تحريم اشتراط الزيادة على القرض. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا.

2-            الجمع بين السلف والمعاوضة: تقدم أيضا أن السمسار غالبا ما يشترط على العميل أن تتم المتاجرة عن طريقه، ويأخذ مبلغا معلوما عن كل عملية بيع يقوم بها العميل، وهذا في معنى الجمع بين السلف والمعاوضة، وهو منهي عنه، ففي حديث عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". (رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد حسن). وكذلك فإن هذا الاشتراط يجر منفعة للمقرض (السمسار) وهي العمولة التي يحصل عليها، وقد اتفق الفقهاء على تحريم كل قرض جر نفعا.

3-            إن المراقب لما يجري في بورصة العملات الأجنبية يدرك بيقين أنه ليس هناك قبض حقيقي ولا حكمي للعملات محل التداول، لأن العملاء المستثمرين لا يقصدون العملة لذاتها، بل للمضاربة بها والحصول على الأرباح الناجمة عن فروق الأسعار. وأيضا لكي تتم التسوية الحقيقية بين البائع والمشتري وتقييد المبلغ في حساب العميل تحتاج إلى يومي عمل، وقبل ذلك لا يجوز للعميل التصرف بالعملة خلال هذه المدة المغتفرة في صرف العملات إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي كما جاء في قرار المجمع الفقهي في دورته السادسة.

وفي الحديث المتفق عليه:"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا ُتشِفُّوا (أي لا تفضلوا) بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا بناجز"

وفي رواية مسلم: "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد". فهذه النصوص تبين بوضوح أن التقابض شرط في صحة المتاجرة في العملات.

4-            إن اتخاذ العملات للمضاربة بها خروج عن المقصد الشرعي الذي خلقت من أجله، وهو كونها قيم الأشياء، وأثمان المبيعات، ووسيلة للحصول على السلع والأعيان، ومعيار التعامل بين الناس، فإذا صارت تقصد لأعيانها تحولت الوسيلة إلى غاية ومقصد، وهذا قلب للحقائق والموازين، من شأنه أن يدخل الضرر على الناس في معاملاتهم، وشؤون حياتهم.

قال الغزالي: إحياء علوم الدين - (ج 4 / ص 92):

لأنهما (أي الدراهم والدنانير)،خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض فى عينهما فإذا اتجر فى عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم... فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدا عنده وينزل منزلة المكنوز-حتى يقول:فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم.

وقال ابن القيم: إعلام الموقعين (ج 2 / ص 156):

إن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع، ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع، وينخفض فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم.

5-            يؤكد الباحثون على جملة من المخاطر الاقتصادية تعود بالضرر الاقتصادي على المتعاملين بصفة خاصة وعلى الدول بصفة عامة، وذلك كنتيجة للمضاربة على العملات الأجنبية، كحدوث تدهور في العملة، وقد يؤدي إلى انهيارها في بعض الأحيان، وحدوث انخفاض في معدلات النمو الاقتصادي، وحدوث التضخم وما ينشأ عنه من مشكلات، وغير ذلك من آثار سلبية تلحق الضرر بالاقتصاد القومي والعالمي على حد سواء.

هذا، وقد ذهب المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة إلى تحريم هذه المعاملة شرعا، وأوصى باتباع طرق التمويل المشروعة التي لا تتضمن الربا أو شبهته، ولا تحدث آثارا اقتصادية ضارة بعملائها أو بالاقتصاد العام.