العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

قراءة نقدية في مقالة الأستاذ أحمد أمين (البرنامج اليومي للسعادة) من كتابه ( فيض الخاطر)

وعد شكوة

مدرسة لغة عربية ومدققة لغوية

يجهد المرء ذاته في سعيه خلف السعادة وهو يجتاز مسارب رحلة الحياة متناسياً أنّه في قناة عبور تسمى الدنيا؛ ولو كانت تساوي عند الربّ جناح بعوضة لأسماها عليا؛ ورغم التعريفات المتنوّعة والتفسيرات المتباينة للسعادة إلا أنّها تبقى حلما جميلا يتراءى أمام العيون؛ فيسعى كلّ شخص لخطبة ودّها علّه يحظى بما يتمنى، ولا تقوم السعادة إلا على ركيزتين أساسيتين هما: الجسم و الروح.

ويعبّر الأستاذ أحمد أمين عن وجهة نظره بهذا المصطلح الذي يتجسد رغبة وسلوكا، بل إنّه وضع برنامجاً يوميّا للسعادة في كتابه (فيض الخاطر) عبّر من خلاله عن وجهات نظر لطيفة، حيث أشار إلى أهمية الإفطار المعدي اليوميّ لكنّه نبّه إلى أهميّة الإفطار الروحيّ (وإفطارك الروحي يزيدك قوة وسعادة، ونجاحك في الحياة اليومية وسعادتك فيها يتوقفان على هذا الغذاء الروحي).

واستنكر الأستاذ أحمد أمين آراء هؤلاء الجهلة الذين يجعلون الإنسان حجر شطرنج عاجزاً عن اتخاذ قرار صائب في حياته و إسعاد نفسه بنفسه، فأعطى الإرادة النابعة من العقل الراجح قوّة فاعلة في صنع السعادة مقدّما لقرائه مجموعة من المرتكزات:

·     (السعادة تعتمد على إرادتك، وموقف عقلك أكثر مما تعتمد على الحوادث نفسها؛ فيجب أن نعدِّل أنفسنا حسب الأحداث التي تحدث كل يوم؛ لنبعد عنا الشقاء.)

·     الإرادة تستطيع أن تبعد التسممات التي تسممها الأفكار للعقل، والإرادة هي التي تستطيع أن تضع حدَّاً للخوف، ولهياج الأعصاب اللذين يضايقان الإنسان.

·     الإرادة هي التي تستطيع أن تقف الغضب، وتضع حداً للكبر.

·      الإرادة هي التي تلطف السلوك مع الذين تعاملهم، وتقضي على الخلافات التي بينك وبين عملائك؛ فإذا الذين بينك وبينهم صداقة حميمة.

وبما أن الإنسان السويّ عقل وروح فإنّ الكاتب يشيد بهذه القدرة الخارقة التي أعطيت للإنسان، ولا يعلمها إلا الله( وقل الروح من أمر ربي) لذا نجد اهتمام الكاتب بالروح معتمدا على مجموعة من الآراء الموضوعية فيقول مخاطبا الإنسان المدرك لحقيقة بشريته:

o    "روحُك القوية التي تغذيها دائماً بالسوائل الروحية هي التي تمنعك من غشالناس وخداعهم"

o    وروحك الصحيحة هي التي تتناغم مع معاملات الناس؛ فتُسْعِدُهم وتسعد نفسك، وهي التي تجعل حياتك مع أسرتك وجيرانك وعملائك ناعمة لطيفة، كأنها الآلة المرطبة بالزيت، ومن دونها تكون آلة جعجاعة؛ لأنها من غير زيت.

و يوجه الأستاذ أحمد أمين الإنسان إلى آلية تمكن المرء من التمتع بنعيم هذا الغذاء الروحي ألا وهي "صرفُك كل يوم نحو نصف ساعة في آخر اليوم وتحاسب فيه نفسك ماذا صنعت، وكيف تتجنب الأغلاط التي كانت؟"

ويشير إلى هؤلاء التعساء الذين هم مغمورون إما بالعمل المتواصل في جمع العلم أو جمع المال، ولكنهم مع ذلك عبيد مطامعهم، وخير من ذلك كله أن يتفرغوا بعض الوقت إلى أنفسهم؛ فذلك يضمن لهم سعادة أكثر من عملهم ومالهم.

ويشير الكاتب المؤمن بأهمية الروح السامية إلى أن سكون الإنسان إلى نفسه غذاء روحي خير من العمل المتواصل، وخير من جمع المال.

ويستفيض الكاتب في توضيح محاسن الغذاء الروحي وذلك من خلال الآراء الآتية:

هذا الغذاءُ الروحيُّ إذا تغذيته صباح مساء حملك على أن تعفو عن المسيء وأن تنظر إلى إساءته كأنها نتيجة طبيعية لبيئته وحالته، وتقدر أنك لو كنت مكانه لك مزاجه ولك بيئته لفعلت فعلته.

الغذاء الروحي يخفف من مطامعك، ويجعلك ترضى عما حدث في يومك في مأكلك ومشربك وعملك وما قابلت من أناس، ويجعلك تختم يومك عند محاسبتها بأنه كان يوماً سعيداً يضاف إلى حلقة الحياة السعيدة.

 ويرفض الكاتب الانصياع إلى المفهوم العام للسعادة ألا وهو وفرة المال لأن المال وسيلةيمكن اعتبارها عاملاً من عوامل السعادة يساوي عشرة في المائة،  فالحالة النفسية تسبب من السعادة التسعين في المائة الباقية، وكم من الناس نراهم يجدون وراء الربح وقد بلغوا منه مبلغاً عظيماً، ومع ذلك هم أشقياء بروحهم ونفسهم!

و يستدل الكاتب على وجهة نظره بما روي عن النبي سليمان الحكيم -عليه السلام الذيأوتيت له كنوز الأرض، وبُنيت له قصور فخمة، ومع ذلك كتب يقول: إن هذا كله عبث ولا قيمة إلا لسعادة الروح.

ويُذكّر الكاتب بمعلومة بسيطة نعرفها جميعا ألا وهي سعادة الطفل الذي يبتهج لطلوع الشمس، ويبتهج للعبه الصغيرة يلعبها، ويبتهج للألعاب الرياضية، ويعجب من الطير تطير في السماء، ويفرح للمناظر الطبيعية الجميلة: من منظر بحر، ومنظر جبل، فإذا نحن كبرنا فقدنا هذه العواطف الجميلة، وجفَّت نفوسنا لعدم غذائها، وإذا حضرتنا الوفاة تبين لنا أننا كنا نعيش في أوهام.ويوجه الكاتب قارئه وإخوانه في الإنسانية إلى ضرورة تغذية الروح بالشعور المقدس ألا وهو الحب بمعناه الواسع، فحب الخير للناس، وحب المناظر الجميلة، وحب إسعاد الناس ما أمكن، كل هذا غذاء.

ويمدح أولئك الناس الذين مُنحوا من الملكات ما يجدون معه في كل شيء غذاء لروحهم، في الزهر ونضرته، والماء وجريانه، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها.

ويعيب أولئك الناس الذين يرون أن هذا خيال فاسد لا يهمهم إلا المال وجمعه، أو الشهوات وإرواؤها، أولئك قد عميت قلوبهم، كما عميت في بعض الناس أبصارهم.

ويشيد الكاتب بالحياة الروحية التي تجعل لكل شيء طعماً جديداً غير طعمه المادي، فتجعل للعلم طعماً، وللمناظر طعماً، وللعواطف طعماً، لا يدركه إلا من ذاقه.

وهو بهذا الطعم يجد في الوحدة أحياناً لذة قد لا تقل عن لذة الاجتماع بالناس؛ لأن نفسه الروحانية ليست فارغة فراغ النفس المادية.لكن الكاتب يوجه أصابع الاتهام إلى عصرنا الذي

 قد كسب كثيراً بمخترعاته وصناعاته لأنهخسر كثيراً في روحانيته ومعنوياته، ولو رقى قليلاً في روحانيته ما كان هذا الصراع العنيف بين الأمم، ولا كانت حروب قاسية، ولا قنابل ذرية غاشمة.

ويختم الكاتب مقالته بنظرة اقتصادية معتدلة تؤكد على ضرورة إقامة التوازن بين ممتلكات الإنسان في هذا العالم الذي لن يصحّ إلا إذا تعادلت فيه يدُه وقلبُه وعقلُه، فإذا اختل توازنه فيها زاد شقاؤه، وهو اليوم صَنَاعُ اليدين، قوي العقل، ضعيف القلب، وهذا ما سبَّب شقاءه، وليس له علاج إلا أن يبحث عن منهج تتعادل به هذه القوى الثلاث، ثم يسير عليهكما وجّه القرآن الكريم ( وجعلناكم أمّة وسطا)

 

عن كتاب فيض الخاطر 9/ 146-148