العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الشرنقة الاقتصادية وإدارة الاقتصاد

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

خلق الله كلّ ما في الكون ليتعلّم منه أرقى كائنات الكون ألا وهو الإنسان، هو أنت وأنا الذي اخترتعنوان مقالتنا عن الشرنقة بوصفهامرحلة تمر بها بعض مخلوقات الله في طور يعقب اليرقة قبل أن يكتمل نموها لتصير فراشة كاملة.

وكذا هو حال اقتصاد البشر نجده ينتقل من طور إلى طور، ورغم أن الشرنقة طور يخص الحشرات ذات التطور الكامل، وهو مرحلة تطور نحو البلوغ، فإن الانتقال في اقتصادات الدول لا يعني بالضرورة الحركة الإيجابية بل قد تكون مترنحة بين الموجب والسالب.

والحشرة تكون في طور العذراء في همود غالباً، بعضها يتحرك، وبعضها يظل ساكناً، فعذراء البعوض متحركة وعذراء الذبابة غير متحركة، وعذراء الفراشة ضعيفة الحركة.

وكذا حال الاقتصادات، فمنها مازال راكداً لا يتحرك لأنه غير مستغل، ومنها ما هو متحرك، ومنها ما هو بطيء الحركة.

ولا حرج في ذكر أمثلة من البعوض والذباب والفراش، فجميعها كائنات خلقها الله وتحدى بها البشر ودعاهم للتعلم منها وذكرها في كتابه العظيم، وتبيّن للناس الذين بحثوا عن سرّ هذه المخلوقات أنها تعيش ضمن تنظيمات دقيقة تخصها، وأنها خلقت بطريقة تجعل أعتى البشر عاجزا أمامها، بل تحدى الله تعالى من يدعي أن يخلق مثل هذه المخلوقات الضعيفة من دونه، فقال في سورة الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِ‌بَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾.

ومما لاشك فيه أن القصد بالانتقال بين الأطوار، هو الحركة الإيجابية أسوة بأطوار الحشرات بخروجها من الطور الأقل إلى الطور الأفضل، لكن كثيراً من اقتصادات الدول لا تسير بهذه الحركة الطبيعية لأنها حشرت نفسها في أوضاع ضيّعت فيها حقوق الناس وممتلكاتهم لسوء إدارتها.

وتتطلب الشرنقة الاقتصادية مغادرة الاقتصادات وضعها الأقل نمواً إلى حال أفضل لتحقيق التطور الكامل. وتعتبردوامة الفقر والبطالةمن أهم العثرات الناجمة عن الفجوة المزمنة بين الناتج القومي ومعدلات النمو السكاني، فيزداد أعداد الناس وتتفاقم حاجاتهم، ولا يزداد إنتاجهم.

ومن سوء الإدارة مثلاً إصرار بعضهم على كبح معدلات النمو السكاني بوصفه سياسة واجبة التطبيق وأنه الحل السحري للدوامة.

فهذه السياسة تتعارض مع أصول عريضة من أصول الشريعة الإسلامية رغم تلطيفه بأنه تنظيم للنسل لا وقف للتوالد. لذلك لا عجب إن لم تجد نداءات المنظمات الدولية أصداءها لدى عامة المسلمين لتطبيق هذه السياسة، فالناس تؤمن بثوابت شريعتهم، كقول الله تعالى في سورة الإسراء: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْ‌زُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرً‌ا ﴿٣١﴾، وما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح: تزوجوا الودودَ الولودَ فإني مكاثرٌ بكم الأممَ يومَ القيامةِ.

ومن جهة أخرى لا يأمن كثير من الناس نتائج دراسات وأبحاث غالبا ما يكتنفها تسييس ومكر أو خطأ وقصور، وقد أثبتت بعض الدراسات الاستراتيجية أن أمما تعيش بيننا ستزول خلال عشرات السنين رغم تصنيفها بأنها عريقة الاسم والحضارة!

لذلك يجب أن ينصب التركيز على (١) زيادة الناتج القومي (أو المحلي أو حتى العالمي) بوصفه السبب الأهم للفجوة المزمنة. إضافة إلى (٢) إدارة الاقتصاد ذاته، فالسياسات النقدية والمالية والاقتصادية الوضعية هي سياسات مكرّسة للفقر، وهذا ما سنركز عليه في مقالنا الحالي.

فالفقر والغنى يصيبان الأفراد والجماعات والدول، فهناك دول غنية، وأخرى فقيرة، وكلاهما يسعى لتحسين حاله وحال أفراده، منهم من تُفلح سياساته ومنهم من تفشل. وبالمجمل فإن دوام الحال منوط بحسن التصرف.

لقد خلق الله الكون متوازنا: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ [الحجر: ١٩]، واستخلف الله تعالى البشر فيه ليعمروه: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا [الروم: ٩]، فأساء منهم من أساء وأحسن من أحسن، فظهر الفساد في الأرض: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، ومن ذلك الفساد وأعظمه انتشار الفقر.

والفقر له عوامل جاذبة منها تطبيق الضرائب وانتشار الربا، وهما أداتان أساسيتان في السياستينالمالية والنقدية لاقتصادات الدول الحالية، وهما محرمتان في الشريعة الإسلامية.

فالضرائب بنوعيها المباشرة وغير المباشرة تطال الفقير قبل الغني بل إنه يسددها كاملة لأنها تُحتجز من المنبع مباشرة وغالباً ما يتهرب منها الغني.كما يُساء توزيع متحصلاتها بما يوافق التشريع المالي الوضعي فلا تقابل الخدمات العامة وهذا حال أغلب الدول وخاصة النامية منها.

أما الربا فقد ميّزها الاقتصاد الوضعي بعائد أكيد وترك عائد العمل احتمالياً؛ فالأول يمتلكه الأغنياء والثاني يخص الفقراء.

لقد عزا تقرير البنك الدولي للتنمية لعام ٢٠٠٢ زيادة فقر المزارعين إلى طرق التمويل الرسمية وغير الرسمية. واستغلت بعض الدول ما سُمي بتمويل التنمية المستدامة بفرض ضريبة جديدة اسمها ضريبة التنمية المستدامة رغم أن مؤتمر الأرض عام ١٩٩٢ لم يحدد سبل التمويل مما يعني أن يدفع الفقراء والأغنياء سوية، وهذا يخالف استراتيجيات محاربة الفقر. فارتأى الاتحاد الأوربي مثلا فرض ضريبة طوعية على تذاكر الطيران لصالح الدول الفقيرة.

وقد رفع البنك الدولي منذ إنشائه في عام ١٩٤٤(شعار نحو عالم خالٍ من الفقر)، ومازال الشعار مرفوعاً على موقعه الالكتروني. فمحاربة الفقر يكون عادة في البلدان المتخلفة أو التي هي قيد النمو، أما أن ينتشر في أرقى البلدان غنى وتطوراً، بالمقاييس الحديثة، فهذا أمرٌ يحتاج إعادة نظر بعد ٧٠ عاماً من رفع البنك الدولي لشعاره. ومثال ذلك:

الفقر في الولايات المتحدة:

ارتفعت نسبة الفقر من ١٤.٣٪ عام ٢٠٠٩ إلى ١٥.١٪ في عام ٢٠١١ حسب تقرير للبي بي سي بتاريخ ٢٠-١٢-٢٠١٢، وانخفض متوسط الدخل السنوي لكل أسرة أمريكية بنسبة ٢.٣٪ عام ٢٠١٠ ليستقر عند حدود ٥٠ دولاراً في السنة. وبلغ عدد الأمريكيين الذين لا يغطيهم التأمين الصحي نحو ٥٠ مليون شخص.

وذكر تقرير آخر للبي بي سي عام ٢٠٠٧ أن الفقر في نيويورك تجاوز ١.٣ مليون ممن لا يجدون طعاما كافياً بمعدل ١ من كل ٦ أشخاص ممن لا يستطيعون تأمين الطعام الكافي. وأن الناس الذين يستخدمون أماكن توزيع الطعام الذي يقدم للفقراء مجاناً أو بأسعار زهيدة قد زادت بنحو ٢٠٪ في نفس العام.

الفقر في فرنسا:

أكدت دراسة نشرها المعهد الفرنسي للإحصاء أن عام ٢٠٠٩ قد شهد ارتفاع نسبة الفرنسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر ليبلغوا ١٣.٥٪ من سكان البلاد، (تقرير فرانس ٢٤ تاريخ ٣٠-٨-٢٠١١ ).

الفقر في ألمانيا:

قالت نائبة رئيس المؤتمر القومي للفقر: إن معدلات الفقر في ألمانيا تتراوح بين ١٤-١٦٪ منذ سنوات، وأضافت: أنه من المخزي أن يستقر عدد الفقراء عند مستوى مرتفع، حيث أن ٩.٣٪ من السكان يحصلون على مساعدات حكومية لتوفير الحد الأدنى من المعيشة. ويرى البروفسور كريستوف بوتيرفيغه: أن العديد من المسنين في ألمانيا يعيشون تحت خط الفقر.

ومن جهة أخرى فقد ازدادت ثروات أغنياء ألمانيا وتراجعت ثروات الدولةلأكثر من الضعف خلال العشرين سنة الأخيرة (١٩٩٢-٢٠١٢)، فتراجعت ثروات الدولة بـ ٨٠٠ مليار يورو، (تقرير دي دبليو بتاريخ ٢٠-١٢-٢٠١٢).

ويبلغ عدد الأسر الأكثر ثراء في ألمانيا ١٠٪ يمتلكون أكثر من نصف الثروات، في حين يمتلك نصف الأسر الأقل دخلاً نحو ١٪ بالمائة فقط من ثروات البلاد. مما دفع المعارضة الألمانية إلى المطالبة بفرض ضريبة على الثروات في ضوء تزايد اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء في البلاد.

وسادت مخاوف من "هروب جماعي" للأثرياء من فرنسا، مما دفع التوجه اليساري لبعض الفرنسيين بزعامة رئيسهم (فرانسوا أولاند الرئيس الحالي لفرنسا) الأثرياء وأصحاب الدخل المرتفع للتفكير بترك فرنسا بسبب محاولة فرض ضرائب عالية جداً عليهم لإصلاح الموازنة، (تقرير دي دبليو بتاريخ ٢٠-١٢-٢٠١٢).

أما خطة الرئيس الأمريكي (أوباما) الإصلاحية فاقترحت في أيلول ٢٠١١ خطة ترمي إلى خفض عجز الميزانية الفيدرالية في خطة طويلة الأمد تضمنتترشيد الإنفاق الحكومي، وزيادة الضرائب المفروضة على الأغنياء، وتوجيه هذه الزيادات إلى برنامج مكافحة البطالة.

لذلك يمكننا القول إن إدارة الاقتصاد عامل هام من عوامل خلق الأزمات الحادة. فالسياستان النقدية والمالية في الاقتصاد الوضعي تكرس الفقر وتسعى لتحقيق مصلحة الأغنياء ضد مصلحة الفقراء.ويزيد الأمر سوءا انتشار الفساد، وكل ذلك مؤداه انتشار البطالة، والتفاوت في توزيع الدخول، والتضخم، والركود الاقتصادي، والتوسع بالديون، والتلوث البيئي، وصولا إلى انتشار الجريمة الاجتماعية، وهذه بعض الآثار المتتالية لضعف إدارة الاقتصاد وهي من عوامل جذب الفقر.

ولعل زيادة انتشار الجمعيات الخيرية في جميع أنحاء العالم دليل على انتشار الفقر والعوز مقابل ضعف الحلول الحكومية وتشتت الحلول الفردية، فالحكومات تعتبرها شكلاً منظماً قابلاً للرقابة والضبط، بينما يستغلها بعضهم لأهداف تحيد عن مساعدة الفقراء الحقيقيين، وقد تحذو بعض الحكومات ذلك أيضا.

إذاً للخروج من طور الشرنقة وتجاوز عنق الزجاجة والدخول في طور أكثر نضجاً لابد من التفكير ملياً في إعادة هندسة السياسات المالية والنقدية الكلية بشكل واسع.

فإذا جمعنا ما وصل إليه بعض أعضاء G7أصحاب أكبر الاقتصادات العالمية بالتجربة العملية كما ذكرنا آنفا كفرض الاتحاد الأوربي ضريبة على تذاكر الطيران لصالح الدول الفقيرة، واتجاه المعارضة الألمانية للمطالبة بفرض ضريبة على الثروات في ضوء تزايد اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء في البلاد، وتوجه يساريو فرنسا لفرض ضرائب عالية جداً على الأثرياء وأصحاب الدخل المرتفع لإصلاح الموازنة، وخطة الرئيس الأمريكي بزيادة الضرائب المفروضة على الأغنياء لإصلاح الموازنة وتوجيه الزيادات لدعم برامج مكافحة البطالة.

فسنكون أمام بعض السياسات التي وضعتها الشريعة الإسلامية، دون التضحية بمصالح وحياة أجيال وأجيال لنكون أمام واقع تجريبي يأخذ بيدنا نحوها. فتكلفة التجارب الاجتماعية باهظ ومرتفع على مختلف الأصعدة.

لقد عالج الإسلام الفقر بوصفه مشكلة (اجتماعية - اقتصادية) وليس مشكلة (اقتصادية) وحسب، فانصب الحل الاجتماعي على بناء مجتمع البنيان المرصوص،وانصب الحل الاقتصادي على تأمين تمويل مستدام بالزكاة والصدقات. لذلك لم يشهد التاريخ الإسلامي أزمات حادة كما حصل في القرنين السابقين حيث العديد من الأزمات الحادة،بل شهد اقتصادا متوازناً عبر قرون طويلة.

وتشكل الزكاة والصدقاتعوامل نابذة للفقر،فالزكاة واجبة في حق الأغنياء ومصارفها محددة في القرآن الكريم للفقراء والمحتاجين الدائمين والمؤقتين كابن السبيل والغارمين مثلاً. وتوجه الصدقات أيضا ككفارة ممن أخطأ إلى الفقراء والمحتاجين وما أكثر الخطائين!

وتعتبر التربية السلوكية عاملا مهما في نبذ الفقر ومسبباته، فالفساد يمكن الحد منه قبل انتشاره فدرهم وقاية خير من قنطار علاج، فإذا اتسع أمره صار بحاجة إلى إصلاح،فشرعّالإسلام للناس بل أمرهم بإنكار الفساد والنهي عنه،وطلب منهم إتيان المعروف بل والأمر به. فرغم أن أركان الإسلام هي خمسة، فقد أضاف لها بعضهم ركناً سادساً هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٠٤] لما لهذا الركن من أهمية. فشطره الأول أي الأمر بالمعروف تمثل قوة دفع، وشطره الثاني أي النهي عن المنكر تمثل مانعاً من التقهقر. ويستدلّ من كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركن، ضرورة إصلاح حال الناس من أي فساد يصيبهم، وبنفس الوقت يسعى إلى تحسين حالهم بالأمر بالمعروف وعدم الاكتفاء بالدلالة عليه بل لابد من الاقتداء بالأمر حيث نكون أمام حالة عملية لا مجرد تنظير، وقد مقت الله من لا يفعل ما يقوله: كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٣].

ولابد من تطبيق سياسات عادلة ومتوازنة في مختلف السياسات النقدية والمالية والاقتصادية، ومن ذلك كأمثلة:

(١) إن التوسع في الإنفاق العام مؤداه خلل وعجز،ولجبره نجد الحكومات تطبق حلولا وسياسات تزيد الأمر سوءا، فتلجأ مثلا إلىسياسة الاستدانة، فتحمل الأجيال القادمة عبء إسراف وتبذير الأجيال الحالية.وحتى تتمكن الحكومات من الاستدانة من المنظمات والمؤسسات الدولية تشترط عليها تلك المؤسسات تطبيق سياسة التقشف كما هو حاصل في اليونان حاليا. بينما نجد أن الإسلام يؤسس لهكذا قضايا قبل وقوعها، فالتربية السلوكية (للأفراد عموما ولأفراد الإدارة الحكومية خصوصا) بالحد من إسرافهم وتبذيرهم يرشد استهلاكهم، ويضبط توسعهم بالدَيْن كسياسة لمقابلة ازدياد الحاجات، فيعتاد الناس على تحمل مشاق التقشف، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في جزء من حديثه: (اخشوشنوا)، وهذه سياسة أنجع وأقل تكلفة إن طبقت قبل تأزم الوضع وأكثر استجابة للتطبيق، وقد فعل الفاروق عمر رضي الله عنه ذلك، وليس المجال مناسب للتوسع أكثر.

(٢) إن اللجوء إلى سياسة التوسع في عرض النقود لعلاجات طارئة هي ضارة بمصالح الناس، فكيف إذا أضحت سياسة دائمة؟ ويشمل ذلك زيادة الإصدار النقدي أو اعتماد سعر فائدة كوسيلة للتحكم بالكتلة النقدية.

وبناء على ما سبق، فإن أرادت الإدارات الحكومية خدمة مجتمعاتها فعليها تأمين موارد من غير فرض الضرائب أو إتباع سياسات مؤذية لمصالح الناس وحقوقهم، فإن عجزت فعليها التوجه نحو (١) خفض إنفاقها الحكومي، و(٢) خفض إنفاقها الاجتماعي كالتعليم والصحة، و(٣) خفض إنفاقها على المشروعات العامة، و(٤) خفض إنفاقها على التسلح، و(٥) خفض توظيفها الحكومي.

فالحل يكمن في ترشيد الإدارة، وفيصل ذلك هو الكفاءة، والمهمة التي يجب ألا تغيب عن الحكومات أن مهمتها إدارة شؤون الناس لتسيير وتحسين أوضاعهم المعيشية، فإن فشلت بهذه المهمة فشرط الكفاءة صار ناقصاً.