العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مستقبل المصارف الإسلامية في ظل التقدم التكنولوجي

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

بدأت الممارسات المصرفية الإسلامية خلال فترة السبعينيات في مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
وبحلول عام 2003 أصبح للبنوك الإسلامية شعبية في العالم العربي ودول مثل ماليزيا. وبحلول عام 2013، زاد عدد المصارف الإسلامية في العالم ليصل لحوالي 500 مصرفاً إضافة إلى وجود أكثر من 330 نافذة إسلامية ضمن بنوك تقليديًة تقدم خدمات مصرفية إسلامية لعملائها .وقد شهدت البنوك الإسلامية أحد أسرع معدلات النمو حيث زادت أصولها إلى أكثر من الضعف على مدى الخمس سنوات الماضية.يشير أحد التقارير الى النمو المتزايد لخدمات التمويل الإسلامي حول العالم لتصل الى حوالى 1.69 بليون دولار عام 2013 ويتوقع الى يتخطى 2 بليون دولار بنهاية عام 2014.  والبنوك الإسلامية الآن تقدم خدماتها لنحو 38-40 مليون عميل حول العالم يتركز ثلثهم في المنطقة العربية وتركيا واندونيسيا وماليزيا، كما يوجد حوالى 700 مؤسسة حول العالم مسجلة على أنها تتعامل مع المنتجات الإسلامية المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. 
وإذا كانت صناعة الصيرفة الإسلامية قد حققت نمواً كبيراً خلال السنوات القليلة الماضية، وإذا كان العديد من البنوك الإسلامية مازالت تتطلع إلى التوسع إقليميا وتحقيق المزيد من الإيرادات من خارج أسواقها المحلية، فإن هذه الصناعة تواجه بالكثير من العوائق والتحديات، لعل من أهمها التحول التكنولوجي. فالمصارف الإسلامية تواجه تحدي تطبيق النظم التكنولوجية نظراً لأهمية تصميم نظم وأطر خاصة للعمل بما يتوافق مع النظم التمويلية المتوافقة مع الشريعة من إجارة ومرابحة ومضاربة وغيرها. أيضا النظام التكنولوجي بالمصارف الإسلامية صار ضروريا لتصنيف عملاء البنك وتقسيمهم لشرائح بما يسمح بتصميم منتجات مصرفية تلائم كل شريحة، وهنا محاولة لإلقاء الضوء على مستقبل المصارف الإسلامية في ظل التقدم التكنولوجي. 
ففي ظل المتغيرات العالمية ونتيجة لعولمة النشاط المصرفي وتحرير الخدمات المالية والمصرفية برزت تحديات تنافسية كبيرة للمصارف الإسلامية؛ وذلك للعمل على التكيف مع هذه المتغيرات ومواجهة آثارها السلبية والاستفادة من المكاسب التي تحققها، وأصبح تطوير الخدمات المصرفية ومواكبة التطورات التكنولوجية المتلاحقة وتحقيق رغبات العملاء أحد المداخل الرئيسة لزيادة وتطوير القدرة التنافسية للبنوك الإسلامية، ومع ذلك فإن هناك انتقادات كثيرة توجه إلى عديد من المؤسسات المالية الإسلامية والمؤسسات الفكرية أيضا المهتمة بالاقتصاد الإسلامي والمصرفية الإسلامية من حيث جودة الخدمات التي تقدمها، فالبنوك يقاس دورها ليس بالخدمات والمضامين التسويقية التي تقدمها والتي يحصل عليها من تلك الخدمة، وإنما لما تتصف به تلك المضامين من قيم رمزية تفاعلية وتواصلية ومهنية يبحث عنها العميل وتشكل له جودة أفضل من وجهة نظره، وفي ضمن هذا السياق يبرز مفهوم الجودة في الخدمات المصرفية الإسلامية، حيث يعد قياس أداء المصارف الإسلامية وفاعليتها واختبار جودة خدماتها إحدى الوسائل للتطوير والنهوض بهذا القطاع. 
وربما يكون فى هذا الانتقاد بعض الصحة وهذا يرجع إلى عدة أسباب من بينها ما يلي: 
نقص الإمكانيات الفنية بالمصارف الإسلامية ولاسيما أنها مازالت فى الأطوار الأولى بالمقارنة مع البنوك التقليدية والتي يزيد عمرها عن 300عاماً. 
نقص الكوادر الإدارية والمالية المدربة والمؤمنة عقائدياً برسالة المصارف الإسلامية مع كبر حجم النشاط عمّا كان متوقعاً. 
التأخر في استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة فى بعض المصارف الإسلامية مثل الحاسب الآلي ووسائله الحديثة وأساليب الاتصال الحديثة في أداء الخدمة المصرفية. 
ويتطلب الأمر تطوير وتنمية الخدمات المصرفية في المصارف الإسلامية مع الاستفادة بالتقدم التكنولوجي والعلمي على وجه الخصوص. فقد أدى تقدم التكنولوجيا  وأدوات جمع المعلومات والأنظمة إلى ثورة في مجال إدارة الخدمات المصرفية،فالتكنولوجيا لا تقوم فقط بتحسين الخدمات المصرفية الحالية، ولكنها أيضا مصدر لكثير من الخدمات المصرفية الجديدة، وقد فتحت أنظمة المعلومات وأنظمة قواعد البيانات المجال لقطاع كامل وجديد من الخدمات منها: الخدمات المصرفية والتكنولوجيا الجديدة المتطورة، وخصوصاً في مجال المعلومات التي بدورها أضافت الجديد بمفاهيم تسويق الخدمة الجديدة، الأمر الذي يحتاج إلى إيصال تلك المفاهيم الجديدة إلى العملاء وتدريبهم وتعليمهم على كيفية استخدام تلك الخدمات، كخدمة الصراف الآلي والبنك الناطق وغيره من الخدمات.ولعل من أهم ملامح هذه المنظومة الحديثة هو الانتقال التدريجى من البنوك التقليدية التى لها وجود مادى فى شكل فروع ومعاملات الى البنوك الافتراضية Virtual Banks والتى تعتمد على شبكة الانترنت فى تقديم خدماتها للعملاء وهي ما تسمى Internet Banks لتضيف أبعاداً غير مسبوقة للعمل المصرفى 0وقد ساعد على هذا الانتشار التطور الهائل في شبكة الانترنت، الأمر الذى دفع البنوك الى تخصيص ميزانيات ضخمة للإنفاق على تطوير استخدامها لتقنيات المعلومات الحديثة، خاصة وأن استثمار البنوك فى تكنولوجيا المعلومات قد أتاح لبعضهم تقديم خدماته فى هذا المجال كأحد الأنشطة الجديدة التى يعتمد عليها فى جنى الأرباح لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من التكاليف الضخمة للاستثمارات التكنولوجية. 
وتعرف التكنولوجيا المصرفية على أنها رصيد المعرفة الذي يسمح بإدخال آلات ومعدات وعمليات وخدمات مصرفية جديدة ومحسنة، وعلى ذلك يضم مصطلح التكنولوجيا في الميدان المصرفي مجالين: 
الأول: التكنولوجيا الثقيلة وتشمل الآلات والمعدات المصرفية والبرامج. 
الثاني: وهو التكنولوجيا الخفيفة وتشمل الدراية والإدارة والمعلومات والتسويق المصرفي.  
ومن خلال دراسة مفهوم التكنولوجيا في المجال المصرفي يمكن تحديد أهم خصائصها فيما يلي:
أن التكنولوجيا المصرفية هي مجموعة من المعارف والمهارات والطرق والأساليب المصرفية.
أن التكنولوجيا بمفاهيمها المختلفة ليست هدفا في حد ذاته بل وسيلة يستخدمها البنك لتحقيق أهدافه.
أن الخدمة المصرفية هي المجال الرئيسي لتطبيق التكنولوجيا.
لا يقتصر تطبيق التكنولوجيا على مجال أداء الخدمة المصرفية بل يمتد إلى الأساليب الإدارية.
وهناك أربعة عناصر متشابكة ومتكاملة تشكل مظاهر التكنولوجيا في العمل المصرفي وهي:
الجانب المادي: يتمثل في الآلات والمعدات المستخدمة.
الجانب الاستخدامي أو الاستعمالي: يتمثل في طرق استخدام هذه المعدات.
الجانب العلمي: يتمثل في المعرفة المصرفية المطلوبة.
الجانب الابتكاري: يتمثل في اكتساب المهارات اللازمة لتقديم الخدمات المصرفية.
 
ولا شك أن توسع المصارف الاسلامية في تقديم خدمات الصيرفة الالكترونية " E-Banking " من أهم ثمار الثورة التكنولوجية في العصر الحديث، حيث تنوعت قنوات تقديم الخدمات المصرفية عن بعد Remote Banking Services عن طريق آلات الصراف الآلي ATMs ونقاط البيع الالكترونية Electronic Point of Sale (E.P.O.S) فضلا عن خدمات البنك المنزلي Home Banking، البنك المحمول Mobile Banking، وكذلك التلفاز الرقمي Interactive Digital Television، حيث ساهمت هذه القنوات بلا شك في تحرير العملاء من قيود الزمان والمكان وتوفير الوقت والجهد لعملاء البنوك. وبالإضافة لما سبق فقد صاحب هذا التطور الكبير في الخدمات الالكترونية وتنامي عمليات التجارة الإلكترونية، انتشار وسائل الدفع والسداد الإلكترونية مثل بطاقات الائتمان المختلفة Credit Cards والشيكات الإلكترونية Electronic Checks، والبطاقات الذكية Smart Cards، فضلا عن ظهور النقود الإلكترونية E-Cash لتيسير عمليات تسوية المدفوعات الكترونياً.
لذا فقد بات لزاماً على المصارف الإسلامية أن تواجه هذا التحول التكنولوجى بسرعة وكفاءة عالية والعمل على استيعاب أساليب التكنولوجيا المتطورة واقتناء أحدث تطبيقاتها وتطويعها على النحو الأمثل.
ويمكن القول إن استخدام التكنولوجيا الحديثة يوفر للمصارف الإسلامية الفرص لتحقيق الميزات الآتية: 
تطوير خدمات مصرفية جديدة لأسواقها الحالية والمستقبلية.
تطوير تطبيقات جديدة للخدمات المصرفية الحالية التي تقدمها لعملائها.
تساعد التكنولوجيا الحديثة على تحسين نوعية الخدمات المصرفية.
تساعد التكنولوجيا الحديثة على تخفيض تكلفة الخدمات المصرفية الموجودة.
تعمل التكنولوجيا الحديثة على تذليل الصعوبات المرتبطة بعملية تقديم خدمات مصرفية إضافية.
تعمل التكنولوجيا على تحسين علاقات العميل مع البنك.
وختاما: إن تنافس المصارف الإسلامية في ظل التقدم التكنولوجي يتطلب مقومات عدة، أهمها استلهام حاجات العملاء وتوقعاتهم كأساس لتصميم الخدمات ووظائف ونظم البنك كافة، وجعل الجودة على رأس أولويات الإدارة العليا في البنك، وزرع وتنمية ثقافة الجودة لدى كل العاملين بالبنك، واختبار وتدريب وحفز العاملين لتقديم أداء متميز قائم على الابتكار المصرفي فنيا وتسويقيا، وتبني فلسفة تأكيد الجودة المنسجمة مع مبدأ الجودة من المنبع والأداء السليم من المرة الأولي بدلا من تبني فلسفة مراقبة الجودة، وتبني مفهوم التحسين المستمر تحت مظلة إدارة الجودة الشاملة، إضافة إلى استخدام التكنولوجيا المتقدمة للمعلومات في تصميم وتقديم الخدمات المصرفية. إن مقومات وسبل تهيئة وتنمية القدرة التنافسية للبنك تنشأ من تحليل البيئة الديموغرافية من حيث هيكل وخصائص الزبائن بما يساعد في دراسة وتحليل اتجاهاتهم ورغباتهم ومعرفة الخدمات التي يرغبونها، وكذلك تحليل اتجاهات المنافسة المصرفية التكنولوجية وتسويقها، واعتماد مبدأ جودة الخدمة والتحسين المستمر وتطوير الخدمة في هيكل الخدمات المقدمة كضرورة أساسية من ضرورات الأداء المصرفي، إضافة إلى اعتبار الزبون كحجر الزاوية في تصميم الخدمة المصرفية وقياس جودتها وتطويرها، واستخدام تكنولوجيا المعلومات كسلاح تنافسي، مع مراعاة تناسب مدى استيعاب التكنولوجيا المصرفية المستعملة من طرف الزبائن.