العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التطور التأريخي للتدقيق- منظور إقتصادي سياسي

د. عمر علي كامل الدوري

أستاذ المحاسبة والتدقيق ورئيس قسم إقتصاديات إدارة المصارف في كلية إقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين - بغداد – العراق

الحلقة (2)

ثانيا: المؤسسات المهنية ذات العلاقة بالتدقيق تبعيتها وهيمنتها:

أفضت التطورات في المحاسبة والتدقيق عبر التأريخ الى زيادة في الطلب على خدمات المحاسبين والمدققين من جهة والى تعاظم دورهم ومسؤوليتهم وتعرضهم للمساءلة بشأن الأعمال الموكلة إليهم من جهة أخرى، الأمر الذي أدى الى بروز ظاهرة التعاون الجماعي بينهم لحماية أنفسهم والذي شكّل نقطة الانطلاق لحركة التنظيم المهني لمهنتي المحاسبة والتدقيق، إذ تأسست أول منظمة مهنية في بريطانيا وهي جمعية المحاسبة بأدنبرة عام 1854م تلتها في كندا عام 1880م، ثم في فرنسا عام 1881م، وفي الولايات المتحدة عام 1882م، وألمانيا عام 1896م، وأستراليا عام 1904م، وفنلندا عام 1911م، هذا على الرغم من أن المهنة كانت موجودة في هذه الدول قبل ذلك (الساعي وعمرو: 9:1991). أما بالنسبة للمؤسسات والمنظمات ذات الصلة بمهنة التدقيق فإنها كثيرة وعلى الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، وفيما يلي ذكر لبعض منها:

1.الاتحاد الدولي للمحاسبين (International Federation of Accountants - IFAC): ظهر الاتحاد الدولي للمحاسبين (IFAC)لوجود نتيجة لمبادرات قدمت في نفس السنة التي تأسست بها لجنة معايير المحاسبة الدولية (International Accounting Standard Committee – IASC)وهي سنة 1973م، أي بعد عام واحد من تأسيس لجنة التنسيق الدولية لمهنة المحاسبة (International Coordination Committee for the Accounting Profession – ICCAP)التي تم تأسيسها في المؤتمر الدولي للمحاسبين الذي عقد بمدينة سدني الاسترالية والتي كان الغرض من إنشائها هو وضع أساس /قاعدة لتنظيمات/ لمنظمات أكثر رسمية للمساعدة في بلوغ أهداف التوافق/المواءمة في المحاسبة والتدقيق. وقد تأسس الاتحاد الدولي للمحاسبين رسمياً وفقاً لموافقة المؤتمر الدولي للمحاسبين الذي تم عقده في مدينة ميونخ عام 1977م (Arpan & Radebaugh: 1985: 309).

تكمن المهمة الأساسية أو الهدف الأساس المعلن لهذا الاتحاد في تطوير وتدعيم/تحسين مهنة المحاسبة والتدقيق في العالم بمعايير متجانسة قادرة على تقديم خدمات ذات نوعية عالية وبشكل متجانس للمصلحة العامة. ويعد هذا الاتحاد منظمة دولية غير هادفة للربح ولا حكومية ولا سياسية تشمل الهيئات المحاسبية والتدقيقية. وتتألف عضوية الاتحاد الدولي للمحاسبين من ممثليات الهيئات المحاسبية والتدقيقية لأكثر من ستين دولة. وينفذ هذا الاتحاد برنامج مجلسه الاستشاري بواسطة اللجان الفنية الآتية: (IFAC: 1999:1)

- التعليم.

- السلوك / الأخلاق.

- المحاسبة المالية والإدارية.

- تقنية المعلومات.

- التطبيقات التدقيقية الدولية.

- العضوية.

- القطاع العام.

كما ويعرف الاتحاد الدولي للمحاسبين بأنه "منظمة المنظمات المحاسبية المهنية الوطنية أو المحلية والمعترف بها على أنها منظمة وطنية أساسية لها مكانتها في حقل المهنة في تلك الدولة التي تمثل المحاسبين العاملين في القطاع العام والقطاع التجاري والقطاع الصناعي وقطاع التعليم فضلاً عن بعض المجموعات المتخصصة ذات العلاقة المباشرة بالمهنة". وتعد الهيئة ذات العضوية الكاملة في الاتحاد الدولي للمحاسبين عضواً في لجنة معايير المحاسبة الدولية (IASC)(السياني: 69-68:2000).

ويرتبط عمل الاتحاد الدولي للمحاسبين بمهنة التدقيق من خلال لجنة التطبيقات التدقيقية الدولية (International Auditing Practices Committee –IAPC). التي تهدف نيابة عن الإتحاد الى تطوير وتحسين نوعية واتساق التطبيق التدقيقي في العالم من خلال: (IFAC: 1999:4)

- إصدار معايير دولية للتدقيق.

- إصدار إرشادات على تطبيق المعايير الدولية للتدقيق.

- تعزيز/تنمية تبني بيانات اللجنة كسلطة أولى لوضع المعايير والإرشات المحلية وإستعمالها دولياً كعروض عابرة للحدود.

- تعزيز/تنمية المصادقة على المعايير الدولية للتدقيق من قبل المشرعين وأسواق الأوراق المالية.

- تعزيز/تنمية النقاش مع الممارسين والمستخدمين والهيئات التنظيمية في العالم لتحديد احتياجات المستخدمين لمعايير وإرشادات جديدة.

ومما تقدم نرى بأن مهمة لجنة التطبيقات التدقيقية الدولية (IAPC)تتركز في إصدار وتطوير معايير وبنود من المؤمل أن تساعد على توحيد أساليب التدقيق والخدمات العائدة لها على الصعيد العالمي (تدويل أو عولمة التدقيق).

 

2.المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية- الأنتوساي(International Organization of Supreme Audit Institutions-INTOSAI):

تضم هذه المنظمة أجهزة الرقابة المالية العليا في دول العالم كافة وهي أحد المنظمات المتفرعة عن الأمم المتحدة، ولها عدة منظمات إقليمية مثل المنظمة الآسيوية للأجهزة العليا للرقابة المالية "الأسوساي" (Asian Organization of Supreme Audit Institutions- ASOSAI)والمنظمة الأوربية للأجهزة العليا للرقابة المالية "اليوروساي"(European Organization of Supreme Audit Institutions-EUROSAI)والمنظمة الأفريقية للأجهزة العليا للرقابة المالية "الافروساي" (African Organization of Supreme Audit Institutions-AFROSAI)والمنظمة أو المجموعة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية "العربوساي" (Arab Organization of Supreme Audit Institutions-ARABOSAI)ومنظمات أخرى. وتتبع هذه المنظمة الدولية (الأنتوساي) لجان عديدة منها:

لجنة معايير التدقيق، لجنة الرقابة الداخلية، لجنة التدقيق البيئي، لجنة تدقيق الحسابات المعدة الكترونياً، وغيرها من اللجان الأخرى.

وقد قامت هذه المنظمة (الأنتوساي) ومنظماتها الإقليمية بعقد العديد من الحلقات الدراسية والمؤتمرات التي تمخض عنها إصدار بيانات وإعلانات للارتقاء بالعمل التدقيقي ومن أهم هذه الإصدارات:

- إعلان ليما الخاص بالمبادئ الأساسية للرقابة المالية.

- إعلان طوكيو بشأن مبادئ المساءلة العامة.

- إعلان سدني بخصوص رقابة الأداء.

- إعلان بكين بشأن إدارة الأموال العامة والرقابة عليها.

كما تصدر هذه المنظمة (الأنتوساي) معايير التدقيق الحكومي.

 

3.المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين: (American Institute of Certified Public Accountants-AICPA)

يعد المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين (AICPA)المنظمة المهنية المحلية الرئيسة لمهنة المحاسبة القانونية والتدقيق (Public Accounting)في الولايات المتحدة, ويمثل منظمة لأعضاء المهنة وهم المحاسبون القانونيون (CPAs)، ويصدر معايير تدقيقية وأخلاقية فضلاً عن الخدمات الأخرى التي يقدمها من خلال لجانه، كما أنه يطور أدلة/إرشادات للصناعات التخصصية/المتخصصة ويشترك مع مجلس معايير المحاسبة المالية(FASB)ومجلس معايير المحاسبة الحكومية (Government Accounting Standards Board – GASB)في إعداد المبادئ المحاسبية (Government Accountability Project: 2002: 2-3). ويبلغ عدد أعضائه ما يزيد على 330,000عضواً علماً بأن هذا المعهد يمثل إحدى المنظمات التابعة للقطاع الخاص.

لقد كانت الجمعية الأمريكية للمحاسبين القانونيين هي اللجنة الأساسية لهذا المعهد فقد تشكلت هذه الجمعية في العام 1887م ممثلةً بروز عصر جديد في التأريخ المحاسبي الأمريكي. ومع تطور الوضع الصناعي بكل ما يتطلبه من أشكال جديدة للخبرة والمعرفة التخصصية ظهر هذا المعهد الذي تمكنت مهنة التدقيق بمساعدته وأسلافه من أن تشغل دوراً فريداً وأساسياً في المجتمع الأمريكي، ولا يمكن لأحد أن ينكر أنّ لهذا المعهد إسهامات كبيرة في تطوير مهنة التدقيق (Edwards: 1987:111)، إذ أن من أهم أهدافه تطوير معايير أداء التدقيق من الناحيتين الفنية والأخلاقية حيث تم إنشاء أربعة أقسام بهذا الخصوص لعل من أهمها قسم معايير التدقيق (Auditing Standards Division)والذي يتكون من مجلس معايير التدقيق (Auditing Standards Board – ASB)واللجنة التنفيذية لمعايير التدقيق (Auditing Standards Executive Committee – ASEC)فضلاً عن مجلس التوجيه والإرشاد (Advisory Council)الذي يشرف على أنشطة مجلس المعايير ويراقبها، وتتلخص المهمة الأساسية لمجلس معايير التدقيق (ASB)في إصدار تعليمات ملزمة على شكل بيانات المعايير التدقيقية (Statements of Auditing Standards -SAS)والتي تكون ملزمة وتمثل إرشادات لتحديد وتطبيق إجراءات التدقيق (توماس وهنكي: 32 - 31: 2009). هذا وقد تركزعمل ونشاط المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين (AICPA)أيضاً في مواجهة المسؤوليات الإجتماعية لمهنتي المحاسبة والتدقيق. ومن الجدير بالذكر إن اسم المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين (AICPA)لم يكن كذلك قبل سنة 1957م وإنما كان المعهد الأمريكي للمحاسبين (American Institute of Accountants – AIA).

4.هيئة تداول الأوراق المالية(Securities and Exchange Commission – SEC):

تم إنشاء هيئة تداول الأوراق المالية (SEC)من قبل الحكومة الأمريكية سنة 1934م، ومهمتها المساعدة في تطوير وتنميط المعلومات المالية المقدمة الى المساهمين. كما أنها وكالة حكومية تدير أوتشرف على تنفيذ قانون تداول الأوراق المالية لسنة 1934م فضلاً عن عدة قوانين أخرى. وتعد هذه الهيئة عضواً ضمن المنظمة الدولية لبورصات الأوراق المالية (International Organization of Securities Commission – IOSCO)التي تضم أكثر من مئة وكالة أو هيئة لتنظيم أوتداول الأوراق المالية من كافة أنحاء العالم، وقد تم تأسيس المنظمة الدولية لبورصات الأوراق المالية في العام 1987م، وبشكل إجمالي فإن أعضاءها يمثلون قرابة 85% من الأسواق الرأسمالية العالمية (Kieso & Weygandt: 2012: 7).

وفيما له صلة بالتدقيق فإن لهيئة تداول الأوراق المالية (SEC)تعليمات تنص على ضرورة تدقيق البيانات المالية للشركات المساهمة وفقاً لمعايير التدقيق المعتمدة وذلك من خلال توصياتها ونشراتها الصادرة في الأعوام 1940م و1972م و1978م (غالي: 75:2001).

ومن الجدير بالذكر هنا أن هيئة تداول الأوراق المالية (SEC)قد استندت في صلاحيتها بإصدار تعليمات تدقيق الشركات المساهمة المذكورة آنفاً على سلطتها السابقة بإصدار المبادئ المحاسبية التي تحدد وتؤطر عملية إعداد البيانات المالية لهذه الشركات المساهمة (أو التي تسمى أحياناً بالشركات ذات الملكية العامة)، ولكنها فوضت سلطة أو صلاحية إصدار المبادئ المحاسبية هذه الى المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين (AICPA)أولاً ثم الى مجلس معايير المحاسبة المالية (FASB)فيما بعد، ولكنها مع ذلك تمتلك القدرة على انتقاد شركات ومكاتب التدقيق ومنعها من ممارسة تدقيق الشركات المساهمة (Rittenberg & Sehwieger: 2001:21).

5.لجنة التطبيقات التدقيقية (The Auditing Practices Committee – APC):

أنشئت لجنة التطبيقات التدقيقية (APC)في سنة 1976م من قبل اللجنة الإستشارية للهيئات المحاسبية (Consultative Committee of Accountancy Bodies – CCAB)في المملكة المتحدة، وفي عام 1978م أصدرت لجنة التطبيقات التدقيقية تلك مسودات دراستها الأولى عن المعايير والإرشادات التدقيقية، وتمثل هذه المعايير والإرشادات التدقيقية صلب الموضوع والمادة الأساسية لدارسي التدقيق وممتهنيه (Attwood & Stein: 1986:13).

وكما أسلفنا هنالك العديد والكثير من المنظمات واللجان والهيئات المهنية الوطنية والإقليمية والدولية في القطاعين الخاص والعام (الحكومي) ذات الصلة بالتدقيق. ولكن هذه المنظمات واللجان والهيئات المهنية واجهت انتقاداً من قبل أعضاء المهنة خلال السنوات الأخيرة السابقة، إذ أن أعضاء المهنة الذين لا يعملون في مكاتب وشركات التدقيق الكبرى يشعرون بأن الهيئات المهنية قد أصبحت أداة لتنفيذ الأوامر التي تخدم مصلحة شركات ومكاتب التدقيق الكبرى، إذ أن هذه الشركات والمكاتب تسيطر على مجالس الهيئات المهنية بسبب إسنادها المادي لهذه الهيئات وتبرع أعضائها في إدارة هذه المجالس وتقديم الخدمات الفنية لها، ومن جانب آخر نجد أن هنالك شعوراً سائداً بأن مجالس إدارة الشركات الكبرى تسيطر على شركات ومكاتب التدقيق الكبرى بسبب اعتماد الأخيرة في القسط الأكبر من دخلها على الإيرادات الناتجة عن تقديمها الخدمات غير التدقيقية لهذه الشركات الكبرى (السويج: 32: 1993).

ومما تقدم نلاحظ بأن شركات ومكاتب التدقيق الكبرى تسيطر على مجالس الهيئات المهنية وأن مجالس إدارة الشركات الكبرى تسيطر على شركات ومكاتب التدقيق الكبرى، ولذا فإنه يمكن القول بأن الهيئات المهنية تقع تحت تأثيرين؛ أحدهما مباشر من قبل شركات ومكاتب التدقيق الكبرى والثاني غير مباشر من قبل الشركات الكبرى.