العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تداخل الصناعات وأثرها على التسويق صناعة الصحافة - مثالا -

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

من توفيق الله أنّ مجلتنا لاقت إعجاب الكثيرين ، وحظيت باهتمامهم، ويسرني تعليق أسمعه:

  أعجبتني مجلتكم، فكيف أحصل عليها ورقيا؟ وآخرون يسألون: من أين نشتريها؟ وبعضهم يريد شراء عدد من نسخها.. وباحثون يريدونها ورقياً لتقديمها لأقسامهم ومشرفيهم إثباتاً لنشر مقالاتهم.. ثم يطلب باحثون إثباتا للنشر فنزودهم بكتاب الكتروني يفيد بذلك، فيصرون على حصولهم على نسخ ورقية.

وأذكّر بأنّني قد نشرت سابقاً عدة افتتاحيات تناولت في أكثر من واحدة منها إدارة التغيير، وأخرى تناولت آخر تقنية لنشر التقارير المالية XBRL، وأخرى شرحت فيها سوق البيانات الضخمة، وكل ذلك بهدف إلقاء الضوء على بعض التغيير الحاصل حولنا في العالم، ولبيان  حجم هذا التغيير الذي يمرّ علينا شئنا أم أبينا.

لقد أصاب التغيير كل مناحي الحياة، فلماذا نُصرّ على ما ألفناه وعرفناه؟

فقد كتب السابقون على الحجر.. ثم جاء بعدهم من استخدم لحاء الشجر وعظام الحيوانات.. ثم جاء بعدهم من كتب على الورق.. ثم بتطور الصناعة استخدمت آلات الطباعة، فانتشر ما يكتب شرقاً وغرباً، وبتطور التقنيات والتكنولوجيا جاء عصر المعلومات ليعيد ترتيب ما يُكتب ويُقرأ.. ثم بتطور البرمجيات والحلول قُلبت طاولة القراءة والكتابة شاء من شاء وأبى من أبى، وما إصرار  بعضهم على حبه للكتاب الورقي متغزلا به إلا وهمٌ سينتهي قريباً، حيث ستعرض المتاحف قريبا الكتب الورقية دلالة على عصور ولت، وحضارات مرت.

مثلث الصناعة:

لقد صار من الصعب التكلم عن صناعة الصحافة دون الغوص في صناعة الصوت والصورة، وصار ذلك غير ممكن دون تناول صناعة الأجهزة التكنولوجية بعمومها، ودون التعرض لمخرجات وحلول صناعة البرمجيات. ويطال ذلك صناعة الفضاء والسيارات والساعات والآلات بل وكل شيء.

ففي صناعة الصحافة صار التركيز على المحتوى الرقمي أمراً بديهياً، وكذلك الاهتمام بجودة العرض وتنوعه.

-      فالمحتوى يهتم به صناع أجهزة التكنولوجيا وشركاؤهم من صناع البرمجيات بحلول ابتدعوها.

-      ثم تهتم صناعة الإعلام بصحفها ومجلاتها وكتبها بالعرض وجودته باستخدام حلول برمجية أخرى حيث تقنيات عرض النص والصوت والصورة.

-      وحتى تكتمل أضلاع المثلث، لابد من الاهتمام بالقرّاء بوصفهم العملاء أو وسطاء العملاء المحتملين.

وأمام تغير المشهد كلياً، وجب على الإدارة أن تغير قواعدها:

-      فالعلامة التجارية صارت علامة عالمية.

-      واختلفت مصادر التمويل، وتغيرت طرق توظيف الأموال.

-      وانخفضت تكاليف، وزادت أو نشأت أخرى.

-      وتغير المساهمون والملاك من حيث اختلافهم  ومشاربهم وطرق مساهمتهم أيضا.

إن سوق القرّاء والمهتمين لم يعد يقتصر على المثقف من غيره، فالإحصائيات تبين أن أكثر من مليار نسمة يتواصلون عبر الجوالات ومواقع التواصل الاجتماعي، بل في بعض الحالات القرّاء هم أنفسهم وسائط.

لقد صار تعريفنا هو مجرد عنوان IP.

وصارت المعلومات (ومنها الأخبار والمجلات والكتب وغيره) لا يحدها مواقع جغرافية، ولا تأبه لحدود سياسية أو قرارات حجب ومنع تطالها بغض النظر عن الحاجب وسبب حجبه. فتصل هذه الخدمات كل ميلي ثانية إلى الجميع خلال ٢٤ ساعة وعلى مدار أيام الأسبوع السبعة دون اعتبار ليوم العطلة أو ساعاتها مما ألغى قيود المسافات والوقت، وتجاوز كثيرا من الإيديولوجيات. وصار السوق عالمياً وجميع القرى والمدن بنفس السوية، فألغيت قواعد من يعلم أولا يكسب أولا أو من يعلم أخيرا يخسر أولا، فصار الجميع يعلمون معاً وبنفس الوقت، وليس للمكان أهمية. وصار المحتوى عائما ودورانه حرّ يصعب الحد منه.

ولم يعد هناك زبائن نخبة أو عملاء درجة رجال أعمال VIPفالجميع يمكن الوصول إليه، أو الكل يمكنه الوصول ولو بطرق غير مشروعة، فكل شيء متاح عرفا أو بغير ذلك، فقد اُخترقت خصوصيات كبار زعماء العالم وخاصتهم، وكذلك أعتى الوزارات مهابة، والمراكز قوة، فلم يعد أحد في منأى ، وبنفس الوقت لا يمكن لأحد أن يبتعد عن هذه التقنيات أيضا.

أمام كل ذلك تغيرت قواعد التسويق، فصار الاستهداف يطال جميع طبقات المجتمع، وزاد التركيز على الطبقات الوسطى التي تمثل ثلث سكان العالم، وتتزايد أكثر من غيرها من الطبقات. مما يستلزم رسم سياسات تسويقية مغايرة لما اعتاد عالم الأعمال عليه، فميزة اندماج الأسواق العالمية تحتاج موازنات مختلفة، وارتفاع الطلب على الاستهلاك صار أكبر. وطبقا للبنك الدولي فإن عدد مشتركي الجوال بين ٢٠٠٠ و٢٠١٢ في أفريقيا بلغ حوالي ١٣٧ مليوناً إلى جانب ٦٥٠ مليوناً مشتركاً في أمريكا وأوروبا. فصارت كل السوق مستهدفة لأن جميعها سيستخدم الخدمات المصرفية والشراء والبيع عبر الجوال أو الانترنيت، وسيسعى كثير منها إلى البحث عن طرق تمويلية جديدة ومناسبة. وحكما ستنتشر طبقة منالطفيليات كظاهرة طبيعية حول هذه الأسواق كالمحتالين والهاكرز وبعض محبي وهواة التطفل على

 الآخرين.

ويعزز ذلك تحول استخدام برامج الوسائط الاجتماعية من أجهزة الكمبيوتر إلى الجوالات كما يبينه الجدول التالي:

MOBILE جوال

DESKTOP كمبيوتر شخصي

التطبيق

68%

32%

FACEBOOK

86%

14%

TWITTER

98%

2%

INSTAGRAM

74%

26%

LINKEDIN

8%

92%

PINTEREST

54%

46%

TUMBLR

1%

99%

VINE

0

100%

SNAPCHAT

 

المصدر: COMSCORE, DECEMBER 2013, AGE 18+

وبالعودة إلى صناعة الصحافة، فقد صار تسليم خدماتها يتجاوز الورق، فالاشتراك الكتروني، والسداد الكتروني، والإعلان الكتروني.

وقد أظهرت البيانات المالية لنيويورك تايمز تغيراً إيجابياً بين ربعي ٢٠١٣ و٢٠١٤ أي بمعدل ٢.٦٪
وسطيا حيث زادت توزيعاتها ٢.١٪ وإعلاناتها ٣.٤٪ فارتفعت إجمالي إيرادتها من ٣٨٠.٧ إلى ٣٩٠.٤ مليون دولار أمريكي، ويبين الجدول التالي تلك المقارنة:

 

\"\\"\\"\" القراءة الورقية

 

المجلة

 

 

 

91٪

DAILY STAR

 

 

 

 

THE INDEPENDENT

 

 

54٪

 

THE GUARDIAN

 

 

المصدر NRS PADD PERIOD JULY 2011 TO JUNE 2012

إذاً لم يعد التحرير في صناعة الصحافة نصياً فقط، بل امتزج بالصوت والصورة وصار للكتابة والتحرير أشكال  أخرى تناسب التطورات الحاصلة Data Visualizationوصار محتواها جديد الشكل، وتغيرت أشكال الدعم والتواصل مع القراء لتصبح أكثر تفاعلية تبعا لتلك التغيرات، حتى أهداف كلمة العدد أو الافتتاحية قد تغيرت.

لقد صار شكل التقارير متعدد الوسائط، والقرّاء متميزون يصلون إلى مبتغاهم من كل حدب وصوب وفي كل ساعة. وصار بالإمكان تتبع عدد المشتركين.. وعدد قراءات الصفحات.. وعدد قراءات المقالات.. وعدد مشاهدات الصور.. 

\\


المصدر Forbes, 2014

لذلك نحن نعيش في عالم يتصف بأنه عالم البيانات الضخمة التي ساعدت على إيجاد فرص تسويق جديدة، فالإعلانات حديثة الشكل والمحتوى تسوق عبر وسطاء يأخذون عمولاتهم على أساس عداد النقر (الضغط Click) أو بعدد المشاهدات. ويلعب تحليل تلك البيانات الضخمة دوره في الاستهداف وتجزئة السوق. فحتى الباعة الصغار جدا صاروا يسوقون لأنفسهم ولبضائعهم عبر وسائط التواصل الاجتماعي المجانية.. بل يستفيدون من برامج الترويج التي تقدمها هذه الشركات العملاقة فصار في السوق شراكات غريبة، حيث أطراف مغموري الهوية بمعنى غير معروفين سوقيا، وأطراف عملاقة يقومان بعلاقة تحقق المعادلة الشهيرة: ربح - ربح لكليهما، مما فتح المجال للتطور سريعا. فمصمم أو مصممة أزياء مغمور يكفيه نشر تصاميمه أو بعضا منها على صفحة فيسبوك، لتقدم له الأخيرة عرض ترويج بدولارات معدودة فيكون المصمم أو المصممة أمام فرص لا يمكن أن يحظى بها في أزمنة سابقة. وكذلك أي مخترع أو منتج لسلعة أو لخدمة مميزة صار بإمكانه أن يحصل على هكذا فرص. يضاف لذلك عدد هائل من الواصلين من خلال البحث أو بزيارات تقاطعت مع أصدقاء أو أصدقاء أصدقائهم وهكذا.

رشاقة الابتكار صارت تحدٍ

مع التوجه نحو مزيد من الابتكارات الرشيقة لابد من تبسيط القراءة لتناسب أجهزة النشر الجديدة سواء أكانت هاتفاً محمولاً (Mobile) أم أجهزة لوحية (PAD) أم أجهزة قارئة خاصة (Kindle) وغيرها.

ولابد من مراعاة تحويل النص إلى صوت والعكس بالعكس مما يستوجب تغيير أنماط القراءة والكتابة، فلو أراد أحد استخدام المترجمات الآلية الخاصة بمايكروسوفت وغووغل وغيرها فإنه لن يحصل على موثوقية ترجمة تتجاوز ٣٠-٤٠٪ حتى إن كان النص فيه شيء من التخصص، لكن يمكنه الحصول على نسب أعلى بكثير فيما لو أعيدت صياغة جمل النص المحرر بأسلوب مبسط فسترتفع كفاءة الترجمة إلى ٩٠٪ وأقول هذا من واقع تجربتي الشخصية.

ولابد من الأخذ بالحسبان إمكانية مشاركة المحتوى مع وسائط أخرى سواء أكانت أجهزة أم برامج، فعند تصدير مقال منشور بشكل معين في مجلة بصيغة PDFمثلا فإن اعتبارات أخرى تؤخذ بعين الاعتبار منها: استبعاد الإعلانات، ووضع كامل النص، وهذا قد يكون مغايرا لما حرر به ضمن صفحات المجلة، ويجب عدم نسيان إلحاق المصدر ورابطه لتكون الموثوقية والموضوعية حاضرتان، فضلا عن أن ذلك تسويق للمجلة الناشرة.

إن اعتبارات المشاركة المبسطة والجميلة مع وسائط التواصل الاجتماعية الشخصية تضمن للمجلة أو للمقال انتشارا غير مسبوق فيصبح عائما في بحر شبكة الانترنيت فيصل لأعداد لا يمكن حسابها بالعدادات المشار لها سابقا.

لقد ضمنت بعض وسائط التواصل الاجتماعية الموجودة على مختلف الأجهزة إمكانية أن يصمم كل إنسان جريدته ومجلته بالشكل الانتقائي الذي يريده، ويحبذه بتبويب ذلك بطريقة يريدها بالنص والصوت والصورة. ولم يعد القارئ مضطرا لانتظار جريدته من موزعها أو لقراءتها في غرفة فندقه أو طائرته بالشكل التقليدي حيث الورق باهت والطباعة جيدة على أكثر التوقعات، يقلب صفحاتها بصوت يصعب تحاشيه مما قد يزعج من حوله، ويضطر لاستخدام كلتا يديه بسبب ضيق مقعد طائرته.

أخيرا والشيء الأهم.. فإن استخدام الصحف والمجلات للورق هو مدمر للبيئة المحيطة، وهذا صار معيارا جوهريا في ترتيب الشركات والمنشآت من حيث مسؤوليتها الاجتماعية، ومدى تناسبها وقوانين الحفاظ على بيئة نظيفة قابلة للتجدد والتجديد.

ختاما لابد من الإشارة إلى نشوء فرع جديد من فروع التسويق والذي يعنى بالمفاهيم السابق ذكرها والتي صارت تسمى marketingInboundingتمييزا لها عن طرق التسويق التقليدية التي تسمى Outbounding، حيث التركيز ينصب على وسائط:blogs, podcasts, video, eBooks, enewsletters, whitepapers, SEO, social media marketing, etc.وسوف نتعرض لهذه التقنيات لاحقا إن شاء الله.

رئيس التحرير

حماة (حماها الله) ٠٢-٠٧-٢٠١٤