العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التطور التأريخي للتدقيق- منظور إقتصادي سياسي

د. عمر علي كامل الدوري

أستاذ المحاسبة والتدقيق ورئيس قسم إقتصاديات إدارة المصارف في كلية إقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين - بغداد – العراق

his work" بعبارة يمكن ترجمتها إلى" فحصه لسجلات الحساب" (Daris:1981:17). وهذا يدل على وجود التدقيق وأهميته في ذلك التأريخ وعلى أن النبي يوسف (عليه السلام) هو أول مدقق للسجلات المحاسبية ورد في الكتاب المقدس. وفي اليونان كان المدقق يستمع للقيود المثبتة في الدفاتر والسجلات للوقوف على صحتها وسلامتها ومن هنا اشتقت كلمة (Audit)التي تعني (الاستماع) مثلما هو معروف، كما كان يتم أيضاً فحص لحسابات الموظفين الحكوميين (الساعي وعمرو:8:1991). أما في عهد الامبراطورية الرومانية فقد كانت بيانات السجلات المحاسبية تتلى على مسمع الحاكم ومستشاريه للوقوف على ممتلكاته ولمنع واكتشاف التلاعب الذي قد يحدث من قبل القيمين على الممتلكات وحفظة السجلات، كما كان الرومان يقارنون الإنفاق مع تفويض الدفع كأحد الإجراءات التدقيقية (أشتيوي: (12:1990.

كما تم ذكر التدقيق أيضاً في كتاب الله تعإلى ودستور الإسلام الحنيف "القرآن الكريم" مما يؤكد وجوده وأهميته وقت نزول كلام الله العزيز القدير على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن حيث أن التدقيق كان المقصود به السمع في العصور السابقة فقد ورد بهذا المعنى في سورة التوبة الآية (103) قوله عز من قائل "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميعٌ عليمٌ"، كما وردت مفردة (رقيب) في أكثر من آية من آيِ الذكر الحكيم، ومن المعروف أن معنى هذه المفردة هو (مدقق)، اذ قال جل وعلا في سورة النساء الآية (1) "يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام إن الله كان عليكم رقيباً"، كما قال عز من قائل في محكم كتابه في سورة الأحزاب الآية (52) "لا يحل لك النساءُ من بعدُ ولا أن تبدّل بهن من أزواجٍ ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيباً"، كما قال جلّ شأنه في سورة هود الآية (93) "ويا قومِ إعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعملون من يأتيه عذابٌ يجزيه ومن هو كاذبٌ وارتقبوا إني معكم رقيبٌ"، وهنا نجد أن الله تعإلى وصف نفسه بالرقيب على الناس في سورة النساء وعلى كل شيء في سورة الأحزاب كما أمر الناس بالرقابة وشاركهم سبحانه وتعالى بها في سورة هود، ومعنى ذلك بأن الله جلّت قدرته هو رقيب ومدقق لكل شيء، هذا ونلاحظ بأن الله في سورة النساء الآية (6) يأمر الناس إذا دفعوا مالاً لليتامى أن يشهدوا عليهم طرفاً ثالثاً، وهذه تعد استعانة صريحة بالمدقق، إذ إن المقصود بعبارة (فأشهدوا عليهم) هو اجعلوا عليهم مراقباً أو مدققاً، كما يصف نفسه جلّ وعلا في الآية ذاتها بـ (الحسيب) أي الرقيب أو المدقق إذ يقول عز من قائل في هذه الآية "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم أمولهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً". كل هذه الآيات البيّنات تعد أمثلة وأدلة على وجود الرقابة والتدقيق في عصر الإسلام وفي كل العصور وأن الله سبحانه وتعالى هو مدقق ورقيب على كل ما في الكون ومنذ وجود الخليقة[1].

وفي عصر الخلافة الإسلامية كان للتدقيق وجود وأهمية لا يمكن تجاوزها، إذ كان موسم الحج يعدّ موعداً للتدقيق فيقوم الولاة والعمال خلاله بعرض حساباتهم عن العام المنصرم، ويحضر كل من أصحاب المظالم والمدققين المنتشرين في كل أنحاء البلاد. ويعود الفضل لأمير المؤمنين الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه في تدوين عمليات بيت المال، ولعل أهم الدواوين المعنية بالرقابة في العصر الإسلامي هو ديوان الأزمّة الذي أنشأه الخليفة العباسي المهدي، اذ كان هذا الديوان يقوم بأعمال شبيهة للتي يؤديها جهاز الرقابة الحكومية العليا (ديوان الرقابة المالية في العراق) في الوقت الراهن، كما أنشئت ولاية الحسبة التي كانت تهتم بالنواحي المالية للدولة (المجمع العربي للمحاسبين القانونيين:1:2001).

أما في العصور أو القرون الوسطى في غير بلاد الإسلام فقد كان نظام الإقطاع هو السائد، ولم يكن للنشاط التجاري أية أهمية تذكر، فقد كانت الوحدة الاقتصادية السائدة آنذاك هي الضيعة أو العزبة التي يمتلكها النبلاء أو الأثرياء أو الذين يطلق عليهم الإقطاعيين (الصحن وآخرون: 11: 2000). وقد كان وكلاء الإقطاعيين في هذه الحقبة التأريخية يدققون أعمال الفلاحين، وإن المدققين الذين يعينهم مالك العزبة يقومون بمراجعة السجلات المحاسبية والتقارير المعدة من قبل موظفيه (Boynton et al.: 2001: 9). أما حكام انكلترا فقد كانوا يتبعون طرقاً تدقيقية متطورة نسبياً آنذاك، إذ أنهم كانوا يستخدمون ثلاثة موظفين أحدهم يجبي الضرائب، وآخر يسجلها في سجلات، والموظف الثالث (المدقق) يصغي لقراءة الحسابات في حضور الأول والثاني فضلا عن اللورد صاحب الممتلكات (غطاس: 57:1997). ولعل أبرز التطورات ذات العلاقة بالتدقيق والحاصلة خلال القرون الوسطى ولا سيما في منتصف القرن السادس عشر هي قيام المدققين بوضع هوامش في الحسابات بعبارات مثل "ما تم سماعه من قبل المدققين الموقعين أدناه"، ومن جانب آخر يلاحظ بأن مدقق العزبة يكون عضواً في مجلس العزبة الذي يرأسه لورد أو سيد العزبة، وهذا يعد سالفاً للمدقق الداخلي الموجود حالياً، كما أن التدقيق بدأ بالتطور من العملية السمعية (عملية السمع) إلى الفحص الدقيق للسجلات المكتوبة وفحص الإثباتات المعززة لها (Defliese et al.: 1987: 8).

وفي ظل عصر النهضة والازدهار الصناعي وتفجر الثورة الصناعية اتّسع النشاط الصناعي والتجاري بشكل ملحوظ كما حصل توسع كبير في التجارة الدولية بين أوربا من جهة والشرق وأمريكا من جهة أخرى، وقد أدى ذلك إلى زيادة حجم الشركات بسبب تعاظم أنشطتها، ونظراً لما شهدته هذه الحقبة الزمنية من الاكتشافات العملية الكثيرة التي أصبحت تطبق في آلات ومعدات متطورة ذات إنتاجية عالية وبكلفة أقل أصبح من الصعب على المشروع الفردي حيازتها ظهرت الحاجة إلى رؤوس الأموال التي يصعب على الشركات الصغيرة توفيرها الأمر الذي أدى إلى ظهور شركات الأموال (المحدودة والمساهمة) (المجمع العربي للمحاسبين القانونيين:1:2001)، هذا فضلاً عن تغير طرق الإنتاج وتعقد الهياكل التنظيمية، الأمر الذي أدى إلى ظهور مبدأ انفصال الملكية عن الإدارة الذي يتنازل بموجبه المساهمون عن حقهم في الإشراف على الشركة أو المنشاة وإدارتها للمدراء الذين يجمعهم مجلس الإدارة (الصحن وآخرون:12:2000).

لقد ولد هذا الانفصال بين مصدر المعلومات المتمثل بالإدارة، ومستخدمي المعلومات المتمثلين بالمساهمين/المالكين وبكل ما يحمله من تعارض في المصالح بين الطرفين ضغوطاً نحو تطوير التدقيق واتساع نطاقه وتعاظم أهميته في هذه الحقبة التاريخية المهمة والمميزة.

هذا ويمكننا القول بأن أهم إفرازات الثورة الصناعية تكمن في حدثين؛ أولهما: تغير الهدف الأساس للتدقيق من كشف التلاعبات والأخطاء والغش أو ما يسمى بالتدقيق الإحترازي إلى تقويم وكالة المدراء عن المساهمين، والثاني: إقرار قانون الشركات لسنة 1862م في بريطانيا والذي يلزم الشركات المساهمة بأن يكون لها تدقيق مستقل (Guy & Alderman:1987:7)، ومن الجدير بالذكر أن هذا القانون قد ألغى سابقه لسنة 1844م الذي يعد قانون الشركات الأول من قبل كلادستون Gladstoneوالذي يقضي بأن يتم تدقيق الشركة أو المنشأة من قبل واحد أو أكثر من حملة الأسهم (المساهمين) من غير الموظفين في الشركة ويتم اختيارهم من قبل باقي حملة الأسهم كممثلين لهم (Attwood & Stein:1986:12)، وقد واجه هذا القانون انتقادات عديدة لأن المدققين هنا ليس لديهم سوى استقلالية ضئيلة أو تكاد تكون معدومة وفقاً لمفاهيمنا المعاصرة كونهم من ضمن المساهمين.

وفي مطلع القرن العشرين وفي العام 1900م تحديداً صدر قانون شركات جديد في المملكة المتحدة ألزم الشركات كافة بتعيين مدققين فيها، كما صدرت قوانين أخرى في العامين 1929م و1948م وسّعت من نطاق تقرير المدقق ليغطي حساب الأرباح والخسائر فضلاً عن قائمة الميزانية كما وسعت من متطلبات الإفصاح عن الأرباح والخسائر(Attwood & Stein: 1986: 12 - 13).

هذا وقد شهد القرن المنصرم انعطافاً كبيراً ومهماً في هدف التدقيق إذ أنه تحدد وبشكل نهائي في إبداء الرأي الفني المحايد بشأن عدالة البيانات المالية في كونها تعكس صورة عادلة للوضع المالي ولنتائج العمليات وللتغيرات في المركز المالي،وقد جاء هذا التغير في الهدف استجابة لاحتياجات ملايين المستثمرين الجدد في الشركات. ومن نتائج هذا التغير في هدف التدقيق هو الزيادة الدراماتيكية في عدد القضايا والدعاوى التي أقامها المساهمون على المدققين لمطالبتهم بالتعويض عما أصابهم من ضرر نتيجة عدم اكتشافهم لتلاعبات الإدارة (Meigs et al.: 1985: 8). ومن هنا كان ينظر للمدقق على أنه كبش فداء كونه موضع اتهام إذ إن اللوم يُلقى عليه إبان حدوث أي تلاعب من قبل الإدارة، ولذا كان لزاماً عليه أن يدافع عن نفسه وعن وضعه تجاه تلك الاتهامات في المحكمة وبالقانون، وقد ظهر هذا الوضع في العقود الأخيرة من القرن المنصرم ولا سيما في الولايات المتحدة (Woolf: 1986:1).

ومن جانب آخر فقد شهد القرن العشرين تطورات مثيرة في صياغة تقرير المدقق والتي حددها كوهلر Kohlerبأنها انطوت على نطاق الفحص وأنواع البيانات المالية قيد الفحص والفترة المالية والسجلات المشمولة بالفحص والمعلومات المحصل عليها والمعايير المحاسبية المعتمدة ومعايير التدقيق المستخدمة في إنجاز الفحص وما إلى ذلك (القيسي: 30: 1998). كما تم تطوير اللغة العامة للتقرير بحيث أصبح تقرير المدقق لا يعدو كونه تمريناً كتابياً على حد قول كل من كارميكايل وويلنجهام Carmichael & Willingham، وقد أصبح أمام المدقق عدد محدد من الأنواع البديلة للتقارير التي يمكنه أن يختار منها الشكل أو الصيغة الملائمة لتقريره كي يعبر فيها عن رأيه (Carmichael & Willingham:1987:3).

ومن الجدير بالذكر أن التدقيق في الفترات التي سبقت القرن العشرين كان مفصلاً وشاملاً للعمليات كلها، أما في القرن العشرين وبسبب تزايد نمو منشآت الأعمال من ناحية الحجم والنشاط والتعاملات فقد واجهت المدققين اعتبارات الكلفة والوقت والجهد التي اضطرتهم إلى تبديل تقنياتهم وتبنيهم تقنية جديدة ألا وهي اختيار العينات التي نقلت عملية التدقيق إلى اختبار وفحص عمليات منتقاة وليس كل العمليات، وقد استند المدققون في اختيارهم للعينات على نظام الرقابة الداخلية الذي أدركوا بأنه كلما كان قويا ومحكما كلما قل نطاق أو حجم الفحص المطلوب من قبل المدقق والعكس بالعكس، أي أنه أصبح هنالك إدراك عام بأن نطاق عمل المدقق واختياره للعينات وتحديد كميتها المناسبة يعتمد على قوة نظام الرقابة الداخلية للجهة الخاضعة للتدقيق (Meigs et al:1985:8-9).

ومن جانب آخر فان اختيار العينات في بادئ الأمر كان يتم على أساس الاجتهاد أو الحكم الشخصي (الحكمي) ولذلك سميت بالعينات الحكمية، ولكنه تطور في أواخر القرن العشرين من الاجتهاد الشخصي في انتقاء العينة الاختبارية إلى استخدام أو توظيف علم الإحصاء وأساليبه، أو بمعنى آخر استعمال المبادئ العلمية للمعاينة الإحصائية في اختيار العينات، ولذلك تغيرت تسميتها من العينات الحكمية إلى العينات الإحصائية المنتقاة على أساس علمي (القيسي: 4: 1995).

أما فيما يخص التطور التأريخي لمعايير التدقيق فقد مر بأربع مراحل؛ إذ شهد القرن العشرين ظهور معايير المحاسبة والتدقيق ولأول مرة في العام 1930م تحديدا حيث لم يكن هنالك وجود لمعايير محاسبة وتدقيق قبل هذا التأريخ والتي ولدتها الأزمة الاقتصادية العالمية التي شهدها العالم في العام المذكور، وقد بقي استخدام معايير محاسبة وتدقيق وطنية ومحلية لغاية عقد السبعينات الذي شهد وفي العام 1973م فرض حظر نفطي من قبل منظمة البلدان العربية المصدرة للنفط (OAPEC) على الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوربية إثر انتهاء حرب رمضان وبعد الدعم الذي قدمته هذه الدول للكيان الصهيوني، وما ترتب على ذلك من إرتفاع لأسعار النفط فضلاً عن تدفق رؤوس الأموال عبر الدول وبروز الشركات عبر الوطنية واتساعها كقوة اقتصادية ذات ثقل كبير ومؤثر الأمر الذي دعا إلى إيجاد معايير محاسبة وتدقيق دولية تخدم الشركات العالمية وتحقق أهداف المراكز الرأسمالية المتقدمة مما أدى إلى نشوء هذه المعايير الدولية تحديدا عام 1975م، وقد بقيت هذه المعايير الدولية لغاية بداية عقد التسعينات وقت بروز ظاهرة العولمة ومنتصفه عام 1995م تأريخ دخول اتفاقية منظمة التجارة العالمية حيز التنفيذ وترسيخ الاتجاه نحو عولمة الأسواق ورفع القيود الجمركية لا سيما دور ثورة الاتصالات والحاسبات والانترنت مما زاد من أهمية المعايير الدولية إذ ظهر الاتجاه الضاغط نحو عولمة معايير التدقيق وما يتضمنه من توجه نحو تعميم معايير التدقيق الأمريكية على العالم أو بمعنى آخر (أمركة) التدقيق عالمياً إن صح القول-.

أما عن تطور التدقيق في العراق فقد تأثر بحركة التشريع العراقي خلال القرن العشرين، هذا التشريع الذي وقع تحت تأثير الفكر الإنكلوسكسوني بسبب الاحتلال البريطاني للعراق في مطلع القرن المنصرم، ولذلك نجد بأن الأثر الانكليزي واضح المعالم في التدقيق في العراق إذ كانت مكاتب التدقيق الانكليزية في العراق آنذاك هي المسيطرة على مهنة التدقيق فيه، وقد تحرك التشريع في العراق في ثلاث مراحل بدءاً بمرحلة اعتماد التشريع الأجنبي التي بدأت بإعلان القائد العام لقوات الاحتلال البريطاني سنة 1919م تطبيق قانون الشركات الهندي آنذاك على الشركات في العراق، ولأن الهند كانت في ذلك الوقت جزءا من الامبراطورية البريطانية فقد كان قانون الشركات الهندي نسخة مطابقة لقانون الشركات البريطاني، لذا فإن التشريعات التي كانت قائمة في العراق حينذاك كانت مستمدة من قانون الشركات البريطاني والتي بينت حقوق وواجبات ومسؤوليات مدققي الحسابات. كما كان يشترط في الممارس لمهنة التدقيق في العراق أن يكون خريج أحد المعاهد البريطانية وفي هذا تأكيد لتبعية المهنة في العراق لبريطانيا آنذاك. بعدها انتقل التشريع إلى مرحلة التشريع الوطني الأولى التي استهلت بإصدار الدولة العراقية لقانون الشركات التجارية رقم (31) عام 1957م الذي ألغى قانون الشركات الهندي، وقد أصبحت مهنة التدقيق خاضعة لقانون يتضمن نظاما خاصا ينظم ممارسة المهنة والدخول فيها، وأخيرا وصل التشريع إلى مرحلة التشريع الوطني الثانية التي ابتدأت بإصدار قانون الشركات رقم(36)لعام 1983م ومن ثم نظام مزاولة المهنة رقم (7)لسنة 1984م، ولعل أهم ما اتسمت به هذه المرحلة هو التخلص من شرنقة التشريعات البريطانية على صعيد المبادئ العامة والأمور التفصيلية وذلك بسبب اختلاف النظام السياسي والاقتصادي لكل من العراق وبريطانيا، كما تم في هذه المرحلة إلزام الشركات والمنشآت كافة بتطبيق النظام المحاسبي الموحد وعلى كافة المستويات[2].

ورجوعاً إلى التطورات التي شهدها التدقيق خلال القرن العشرين وفي عقوده الأخيرة تحديداً، فقد حدث تغيير مهم في توقيت التدقيق ولد منهجاً تدقيقياً جديداً يمكن تسميته بالمنهج الأولي (Preemptive)أو منهج الأولوية في التدقيق -إن صح التعبير- والذي يسمى بالتدقيق الوقائي الذي يتمثل بالاتجاه نحو التدقيق قبل ما تتم العمليات، فهو عكس التدقيق التقليدي أو التأريخي الذي يفحص عمليات مضى على حدوثها أسبوع أو شهر أو أكثر. ويصف بوميرانز Pomeranzهذا التدقيق بأنه "يجب أن يساعد على إغلاق باب الحظيرة قبل هروب الأبقار" كونه يوفر للمدقق

فرصة المساهمة في تحسين الإيراد وفي تخفيض كلفة ما هو محتمل

(Pomeranz:1979:351). وقد شهد العقد الأخير من القرن المنصرم ظهور مصطلح جديد هو الشفافية، هذا المصطلح الذي يعكس الرغبة في إظهار المنشأة على حقيقتها أمام المدقق والمساهم والباحث وإن لم تغطها جدران سميكة تخفي وراءها فساداً وانحرافا لا يعرف به أحد. ويحمل مصطلح الشفافية هذا بين طياته أثراً واضحاً ومهماً في التدقيق يتمثل في محورين؛ أولهما هو أنه قد وسع من حجم فجوة التوقع كونه يمثل توقع ومطالبة المجتمع لمهنة التدقيق بكشف كافة الأخطاء والتلاعبات الموجودة في المنشآت، ولكن المدققين متمسكون بأن مهمتهم هي ليست كشف التلاعبات وإنما إبداء الرأي الفني فقط بعدالة وصدق البيانات المالية للمنشأة موضع التدقيق، أما المحور الثاني فيتمثل بأن مصطلح الشفافية قد وضع مهنة التدقيق على المحك كونه يطالبها بتوسيع نطاق عملها استجابة لتطلعات الرأي العام كي تصبح المنشآت شفافة ومستقيمة، الأمر الذي يدفع المهنة إلى التطور والتغير (المالكي: 7- 6: 2000).

أما فيما يخص التغيرات الحاصلة في التقنية والمتمثلة أساساً في النظم الالكترونية لمعالجة البيانات والنمو المتسارع في استخدام الكومبيوتر والبرمجيات وشبكات المعلومات وفي قمتها الشبكة العنكبوتية للمعلومات (الانترنت) فقد ولدت تغيرات هائلة في فلسفة التدقيق، اذ أن تحول أنشطة المنشآت والمصانع من العمل اليدوي إلى العمل المؤتمت والانتقال من التدوين الكتابي إلى تخزين البيانات ومعالجتها ونقلها عبر نظم المعلومات والشبكات التقنية استلزم تغييراً في وسائل التدقيق، لأن التدقيق بالقلم يكون متاحاً إذا كان موضع التدقيق سجلات ورقية، ولكنه لا يغدو متاحاً إذا كان موضع التدقيق بيانات مخزونة في نظام معلومات الكتروني تعالج وفقاً لمعادلات مقررة سلفاً من قبل المبرمج، فهنا لا ينبغي تدقيق البيانات المخزونة فحسب وإنما تدقيق البرامج التي تحلل وتنقل هذه البيانات وفق المعادلات المصممة في البرنامج (عرب: 14:1999). ومن جانب آخر وفي ذكر أثر النمو المتزايد لاستخدام الكومبيوتر في التدقيق يرى ستاتس Staatsأن هذا النمو يخلق مشاكل في التوثيق مثلما يفتح سبلاً للتلاعب والفشل في الرقابة (Staats: 1987: 31).

 لقد ضغطت العديد من المتغيرات ومنها تطور وسائل الاتصال والتقنية العالمية وقوانين العولمة ونمو حجم وأهمية الشركات عبر الوطنية على التدقيق وأجبرته على الإنتقال من المفهوم المحلي الضيق إلى المفهوم العالمي أو الدولي.

 

"المصادر"

 

- المصادر العربية:

 

1. القرآن الكريم.

2. إشتيوي، ادريس عبد السلام، المراجعة: معايير و اجراآت، الدار الجماهيرية للنشر و التوزيع و الإعلان، ليبيا، 1990.

3. توماس، وليم و هنكي، امرسون، المراجعة بين النظرية و التطبيق، تعريب و مراجعة: ذ.احمد حامد حجاج و د. كمال الدين سعيد، تقديم:د. سلطان المحمد العلي السلطان، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2009.

4. الحمش، منير، العولمة...    ليست الخيار الوحيد، الطبعة الأولى، الأهالي للطباعة و النشر و التوزيع، دمشق، سوريا، 1998.

5. الساعي، مهيب و عمرو، وهبي، علم تدقيق الحسابات، الطبعة الأولى، دار الفكر و دار صفاء للنشر و التوزيع، عمان، الأردن، 1991.

6. سليمان، عامر،"جوانب من حضارة العراق القديم"، الفصل السابع من جزء "العراق القديم" الموجود ضمن:العراق في التاريخ، العلي، د. صالح احمد، المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1983، ص 234-181.

7. السويج، هاشم، "هل المدقق مخبر قضائي أم حافظ أسرار؟"، مجلة المحاسب القانوني العربي، العدد التاسع و السبعون، تموز-أب 1993،  ص 34-32.

8. السياني، محمد أحمد محمد،تقنيات التدقيق باستخدام الحاسوب - تجربة الجهاز المركزي للرقابة و المحاسبة في الجمهورية اليمنية، أطروحة دكتوراه محاسبة غير منشوره، كلية الادارة و الاقتصاد، جامعة بغداد، 2000.

9. الصحن، عبد الفتاح محمد و آخرون، أصول المراجعة، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2000.

10. السكوتي، طارق توفيق، "معايير التدقيق في العراق: بين النظرية و التطبيق"، المؤتمر العلمي التاسع للاتحاد العام للمحاسبين و المراجعين العرب، عمان، الأردن، 1992.

11. عبد الحميد، عبد المطلب، النظام الإقتصادي العالمي:الآليات و الخصائص و الأبعاد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1998.

12. العبد الله، رياض و الججاوي، طلال محمد علي، "المحاسبة بين العولمة و الوطنية"،  2001.

13.عرب، يونس، "تدقيق الحسابات و التقنية العالية"، مجلة المدقق، جمعية مدققي الحسابات القانونيين الأردنيين، العدد40، 1999، ص 15-14.

14. غالي، جورج دانيال، تطوير مهنة المراجعة لمواجهة المشكلات المعاصرة و تحديات الألفية الثالثة، الدار الجامعية، 2001.

15.غطاس، رينيه، "كيف تأسست معايير التدقيق و ما هي و لماذا؟"، ضمن: محاضرات المؤتمر العلمي الدولي الثالث"معايير التدقيق الدولية و أهمية تطبيقها في لبنان"، نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان، بيروت، تشرين الثاني-1997، ص 66-51.

16. غلاب،فاتح،تطور دور وظيفة التدقيق في مجال حوكمة الشركات لتجسيد مبادئ ومعايير التنمية المستدامة دراسة لبعض المؤسسات الصناعية،رسالة ماجستير،جامعة فرحات عباس سطيف كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير،الجزائر،2011.

17.القيسي، خالد ياسين، "استخدام أسلوب العينات الاحصائية في الرقابة"، ورقة مقدمة الى الدورة العادية الخامسة للجمعية العامة للمجموعة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية و المحاسبة، تونس، 1995.

18.القيسي، خالد ياسين، منهجية الاثبات في الرقابة المالية و التدقيق، اطروحة دكتوراه محاسبة غير منشوره، كلية الادارة و الاقتصاد، الجامعة المستنصرية، 1998.

19.المالكي، عبد الله، "تدقيق الحسابات: مهمات جديدة في عصر جديد"، مجلة المدقق، جمعية مدققي الحسابات القانونيـين الأردنيين، العددان 42/41،  اذار-2000، ص 7-6.

20.المجدوب، أسامة، العولمه و الإقليمية: مستقبل العالم العربي في التجارة الدولية، الطبعة الأولى،الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2000.

21.المجمع العربي للمحاسبين القانونين، "المبادئ الأساسية للتدقيق"، بموجب المنهاج الدولي الذي أقره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة و التنمية (الاونكتاد-UNCTAD)، مطابع الشمس، عمان،  الأردن، 2001.

 

- المصادر الأجنبية:

 

1.Arpan, Jeffrey S. & Rade­baugh, LLee H., International Accounting and Multinational Enterprises, 2nd Edition, John Wiley & Sons, Inc., 1985.

2.Attwood, Frank A. & Stein, Neil D., de Paula’s Auditing, 17th Edition, The Bath Press, Avon, Great Britain, 1986.

3.Baladouni, Vahe, “The study of Accounting History”, The International Journal of Accounting: Education and Research, Spring – 1977, pp. 53 – 68.

4.Belkaoui, Ahmed Riahi, Accounting Theory, 4th Edition, Business Press – Thomson Learning, U.S.A., 2000.

5.Boynton, William C. et al., Modern Auditing, 7th Edition, John Wiley & Sons, Inc., 2001.

6.Carmichael, D.R.& Willingham, John J., Auditing Concepts and Methods :A Guide to Current Auditing Theory and Practice, 4th Edition, McGraw - Hill Book Company, 1987.

7.Davis, Harry Zvi, “Note on the First Recorded Audit in the Bible”, the Accounting Historians Journal, Vol. 8, No. 1, Spring – 1981, pp. 71 – 72.

8.Defliese, Philip L. et al., Montgomery’s Auditing, The Ronald Press Company, 1987.

9.Edwards, James Don, “The AICPA: A Century of Progress and Commitment to the Accountancy Profession”, The Accounting Historians Journal,Vol.14, No. 1, Spring –1987, pp. 111 – 121.

10.Guy, Dan M. & Alderman, C. Wayne, Auditing, Harcourt Brace Jovanovich, Inc., 1987.

11. IFAC, IFAC Handbook:” Technical Pronouncements”,1999.

12. Kieso, Donald E. & Weygandt, Jerry J., Intermediate Accounting, 14 th Edition, Jhon Wiley & Sons, Inc., 2012.

13. Klaassen, Jan & Buisman, Jan, “International Auditing”, Included in: Comparative International Accounting, by: Nobes, Christopher & Parker, Robert, 6 th Edition, Prentice Hall, Great Britain, 2000, pp.437-462.

14. McComb, Desmond, “International Accounting Standards and the EEC Harmonization Program: A Conflict of Disparate Objectives”, The International Journal of Accounting: Education And Research, Vol. 17, No. 2, Spring – 1982, pp. 35 – 48.

15. Meigs, Walter B. et al., Principles of Auditing, 8 th Edition, Richard D. Irwin, Inc., 1985.

16. Messier, William F., Auditing & Assurance Services: A Systematic Approach, 2 nd Edition, McGraw-Hill, 2000.

17. Parker, Robert, “Introduction”, Included in: Comparative International Accounting, by: Nobes,Christopher & Parker, Robert, 6 th Edition ,Prentice Hall, Great Britain, 2000, pp.3-15.

18. Pomeranz, Felix, “Auditing Developments”, Journal of Accounting, Auditing & Finance, The Ross Institute of New York University, vol. 2, No. 4, Summer – 1979, pp. 351 – 356.

19. Rittenberg, Larry E. & Schwieger, Brabley J., Auditing: Concepts for a Changing Environment, 3 rd Edition, Harcourt, Inc., 2001.

20. Staats, Elmer B.,”Why Today’s Audit is More Difficult”, The Internal Auditor, Journal of the Institute of Internal Auditors, April – 1987, pp. 29 – 33.

21. Woolf, Emile, Auditing Today, 3 rd Edition, Prentice-Hall International, 1986.

22. Government Accountability Project, “Information About the G.A.P.”, available on website: www.whistlebower. org/www/aboutgap.htm, 2002.

23. http://en.wikipedia.org/wiki/Big_Four_%28audit_firms%29

 



[1]هذا التفسير والتحليل مسند من قبل فضيلة" الشيخ الدكتور خضر عباس الزيدي" الإمام والخطيب السابق لجامع وهيب الفرج في بغداد – العراق.

[2]للاطلاع على تفاصيل مراحل التشريع في العراق وتطور التدقيق فيه يراجع: معايير التدقيق في العراق - بين النظرية والتطبيق- طارق توفيق السكوتي -المؤتمر العلمي التاسع للاتحاد العام للمحاسبين والمراجعين العرب -عمان- 1992.