العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التبريريون في جحر الضب

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

 هذا العنوان الغريب الوقع على أسماع الكثيرين اقتبسته من حديث رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سننَ من قبلكم شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو سلكوا جحرَ ضبٍّ لسلكتموه. قلْنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنصارى؟ قال: فمن).

يقوم الضب بعمل فتحة واحدة للجحر بعكس بعض الحيوانات التي تعمل عدة فتحات للجحر بغرض التهوية والتمويه للهروب من الأعداء. أما المقصود من وصف التبريريين بأنهم في جحر الضب فلإتباعهم منهج التبرير ثم التبرير ثم التبرير، ليجدوا أنفسهم بالنهاية هم والحائط معاً في طريق مسدود لا مخرج منه.

لا يخفى على أحد أن الاقتراض هو حل من حلول أي إنسان عادي يحتاج مالاً ولا يجده، وهو أيضاً حل من حلول الاقتصاد المالي الكلي فيؤمن السيولة للإدارة العامة لتسيير أمورها وأمور الناس من حولها. وقد يكون داخلياً أو خارجياً، وبكلا الحالين فإن تكلفته لا تتوقف عند التكلفة المالية بل قد تتعداها لتكاليف السيادة السياسية أيضاً.

يبرر أنصار الاقتراض عملهم بأن الاقتراض له وجوه إيجابيّة شتّى إذ يُساعد الحكومات على وضع برامج وطنية تعزز الاقتصاد فتنعشه، وتعالج عجزه المالي وعجز ميزان مدفوعاته،كما يزيد فرص العمل، ويحققنمواً اجتماعياً متوازناً على المدى المتوسط، ويساعد برامجها الاقتصادية الجديدةللحد من نقاط الضعف، بما تقدمه من إصلاحات مالية.  وبذلك يبدو القرض  ذو سحر جذاب، وفيه لمسات الشفاء الآنية. وذلك سواء أكان الاقتراض من المؤسسات الدولية أم من المؤسسات الخاصة أم من السندات.

إن هذا الوصف الوردي من بعض خبراء الاقتصاد هو أقرب للتنظير الوصفي، فإذا أضفنا للمسألة بُعد فساد الإدارة الحكومية الغالب، فإن الاقتراض سياسة يجب الحذر منها بشدة. فالاقتراض يُورط الأجيال القادمة بالتزامات لا تستفيد منها، وهذا لا يحقق العدالة بين الأجيال، وللأسف فإن أغلب الحكومات تتماهى بالاقتراض لتحقيق سياسات ذات مفاعيل آنية أو لأهداف انتخابية. فما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات في الوقوع في براثن الدين ومحاولة البقاء بإعادة جدولة خدمة الدين قبل الدين نفسه، والتاريخ حافل بالأمثلة، فالسعيد من اتعظ بغيره.

إن الدائن المقرض يفرض شروط سداد دينه وفوائده، أما المدين المقترض فمجبر على تطبيق تلك الشروط تحت اسم برامج إصلاحية والتي تهدف إلى زيادةحصيلتها من الضرائب بغية توجيهها لتعزيز الإنفاق الاجتماعي والاستثمار في البنية التحتية الجديدة. إلا أن الضرائب وزياداتها تؤدي لرفع تكاليف الإنتاج ثم لزيادة الأسعار مما يُسهم بتوسيع هوة التضخم ويزيد الاقتصاد سوءا.

ويكون الاقتراض عادة موجه لسد عجز موازنة الدولة، لكن هل هو خيار حاجة أم خيار ضرورة؟ أم هو عصا سحرية ستحل المشاكل؟

إن غالب الدول وخاصة الفقيرة والأقل فقرا منها واقعة في أزمة الاقتراض، وما يهمنا هو حالة الاقتصاد الإسلامي.

لكن هل تبرير بعض الاقتصاديين والشرعيين مقبول؟ خاصة وأن العزف على المشروع الإسلامي بات ظاهراً في السنوات القليلة الأخيرة كغاية، فهل اللجوء إلى الوسيلة غير الإسلامية أمرٌ مبرر؟ سواء ارتكز العزف على رؤى استراتيجية أو تكتيكية.

وللمقارنة نأخذ مثالاً تطبيقياً، فقد أصابت الأمة أزمة شديدةفي عام الرمادة، وكان بيت المال فارغاً، ولا ينتظر إيرادات، وعليه فالسياسة المرتقبة هي:

-      الاقتراض وتحمل تكاليفه ومخاطره.

-      فرض الضرائب، وهذه سياسة عمياء لا تفرق بين فقير وغني وتؤدي إلى مشاكل أخرى.

لكن الفاروق عمر رضي الله عنه لم يوظف على بيت المال أي لم يفرض الضرائب، لأن لها أركان يجب تحققها، وفضّل الاقتراض الداخلي عن الخارجي، وكان اقتراضاً خالياً من الربا ومخاطره، حيث عجل تحصيل إيرادات متوقعة،من خلال الاستدانة من أموال الزكاة التي سيدفعها المسلمون في سنواتهم التالية.وهذا التحصيل أخلّ بشرط من شروط التوظيف وهو كون بيت المال خالياً، مما عطّل سياسة فرض الضرائب.

لقد حققت تلك السياسة عدة أمور، أهمها: عدم التسرع بالاستقراض، فصعوبة تقدير شدة الأزمة وزمنها، وضعف موارد الدخل المتوقعة، كانا السبب لعدم تحميل بيت المال بدَيْن واجب السداد، أو بإثقال كاهل الناس بضرائب تزيد فقرهم فقراً.

وغالبا ما تشترط المؤسسات الدولية المقرضة على الدول المستدينة سياسة التقشف كما حصل في اليونان. لذلك فلو تقشفت تلك الدول قبل اقتراضها بضغط مصاريفها، لكان أسلم لسياساتها، وهذا ما دعا إليه الفاروق عمر رضي الله عنه فتقشفت إدارته أولا ثم طلب من الناس التقشف.

كذلك لو لجأت الحكومات إلى تسييل بعض أصولها لحلت مشكلتها.

ولو لجأت الحكومات إلى إصدار الصكوك لكان أفضل لها من حيث تكلفة التمويل ومخاطره بدل لجوئها إلى إصدار سندات خزينة ربوية والفارق بين الحالين كبير.

ثم ماذا يمنع الحكومات اللجوء إلى سياسة (أنشئ.. شغل.. أعد) BOT؟ ففي هذه السياسة حلول كثيرة وإشراك للقطاع الخاص في نهضة كليهما، وهذه السياسة هي نفسها سياسة إحياء الأرض الموات حيث تُمنح للاستثمار ويؤخذ منها دخل سنوي اسمه الخراج، ثم بنهاية الاستثمار تعود الأرض لبيت المال، وما ينطبق على الأرض ينطبق على أصول أخرى.

لذلك ليس للتبريريين من مدخل إذا عملت الإدارة بكفاءة عالية، وهذا إنما يحتاج إلى أكفياء وخبراء للقيام بالعمل، وإلى إشراك الجامعات ومراكز البحث العلمي ليكون الجميع خلية نحل منتجة ومثمرة.

لذلك ليس الاقتراض الربوي هو الحل الأخير.

أدعوكم لزيارة موقع يدعم ما نقوله، ولأهميته، نضع رابطه على صفحة مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية وهو بعنوان: ساعة الدين العالمي، وهو بمثابة ناقوس خطر تدقه مجلة THE ECONOMIST(رابط).

http://www.economist.com/content/global_debt_clock?fsrc=scn/fb/wl/ar/debtclock

والمتتبع لساعة الدين العالمي يتيقن بأن الوقوع في براثن الدين إنما هو دخول في دوامة يصعب الخروج منها، وهذا ما ينطبق على جميع الدول بلا استثناء. فالسقوط في الدين مؤداه زيادة التضخم، كما أن حلول وفاء الدين السائد يكون بزيادة الضرائب التي تزيد التضخم أيضا، وهكذا.

أما المصير ففساد اجتماعي عريض، يلخصه قوله صلى الله عليه وسلم: إن الرَّجُلَ إذا غَرِمَ حَدَّثَ فكَذَبَ، ووَعَدَ فأَخْلَفَ.

بينما التمكين في إدارة الاقتصاد يكون حيث التدبير والحكمة، لقوله تعالى على لسان ذي القرنين بوصفه قائداً يبغي الإصلاح: قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (الكهف: ٩٥)، فالتمكين يتطلب تعاون الناس مع حكوماتهم للقيام بالعمل المفيد وببذل العزم والجهد بوصفهما قوة. فإن كانت القوة بلا حكمة كانت بلا تمكين،وهذا كالطوفان الذي تجري به الأنهار، فيه القوة الشديدة لكن الناس لا تتمكن منه ولا تستفيد منه، بل لا تستطيع وقف مفاسده.

ولن تكسب الحكومات ولاء مواطنيها بفرض التزامات مالية عليهم بل بإعطائهم منحاً مالية أو على الأقل عدم فرض شيء عليهم وخاصة بغير حق، فالأنفس جبلت على حب من يحسن إليها.

ولله درّك يا عمر بن الخطاب.

حماة (حماها الله) ٢٢-٥-٢٠١٤