العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دور المحاسبة في التطبيق السليم للحوكمة في المؤسسات الوقفيَّة

محمد جعفر هني

أستاذ مساعد - كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير - جامعة الشلف - الجزائر

تحتاج المؤسسات الوقفيَّة كغيرها من المؤسسات المالية الأخرى إلى تطبيقات الحوكمة والتي من شأنها أن تُساهم في جودة التقارير المالية وهذا ينعكس بالإيجاب على القطاع الوقفي بشكل عام، حيثُ تعتبر الإدارة المؤسسيَّة الرشيدة من أهمّ موجبات دعم نظارة المؤسسات الوقفية في القيام بمهامها بكفاءة وبمقدرة عالية لاتخاذ القرارات الاستراتيجية والتنفيذية وهي على بصيرة وهداية، حيث تقدم لها المعلومات المالية السليمة والدقيقة والملائمة بالكيفية والأساليب المعاصرة الحديثة المناسبة، ولتحقيق هذه الغاية يجب أن يكون لدى الناظر الرؤية الصائبة والتصور الواضح للأهداف الاستراتيجية والفهم السليم للسياسات العامة التي تسير عليها المؤسسة الوقفية، ثمَّ ترجمة هذا في صورة مجموعة من الخطط والبرامج التي تعتبر المرشد والدليل للأداء الفعلي المنضبط، ومن خلال المقارنة بين المستهدف والفعلي تتضح الاختلافات وتقدم التوصيات  والنصائح للعلاج والتطوير للأحسن.

 و من الناحية المحاسبية فقد تزايد الاهتمام بحوكمة الشركات في محاولة جادة لاستعادة ثقة مستخدمي المعلومات المالية ممثلين في كافة الأطراف أصحاب المصلحة خاصة المساهمين والمتعاملين في سوق الأوراق المالية في مدى دقة وسلامة المعلومات المفصح عنها من جانب إدارة الوحدة الاقتصادية من خلال القوائم والتقارير المالية المنشورة، وبالتالي جودة تلك التقارير المعتمدة من مراقبي الحسابات المعينين من قبل الجمعية العامة للشركة.

تسعى حوكمة الشركات إلى تصميم وتنظيم العلاقة بين إدارة الشركة وأدائها، وحملة الأسهم والأطراف ذات المصلحة، ونظام المعلومات المحاسبي هو النظام المنوط به توفير المعلومات اللازمة التي تُمكن هذه الأطراف من متابعة أداء الإدارة وتقييم كفاءتها. ومن ثمَّ يُمكن القول أنَّ التقارير الماليَّة بما تُوفره من معلومات تُمثل واحدة من أهمّ المقومات والأدوات اللازمة لتفعيل آليات الحوكمة .

وفي ذلك يرى (Sloan :2001)أنَّه من الواضح أن المحاسبة المالية وحوكمة الشركات مترابطتان بصورة وثيقة. فهناك العديد من المعالم أو المبادئ الأساسية للمحاسبة مثل: استخدام التكلفة التاريخية، ومعيار الثقةReliability  ومبدأ التحققRealization  ومبدأ التحفظ Conservatism  من الصعب فهمها واستيعاب مبرراتها ما لم يتبن الفرد وجهة نظر حوكمة الشركات.

ومن ثمَّ فإنَّ تطبيق مبادئ حوكمة الشركات بطريقة فعالة يستلزم تهيئة وتوفير بنية محاسبية ملائمة، حيث تشتمل هذه المبادئ على العديد من الأطر المالية والمحاسبية الهامة.

إنّ ما يؤكّد على أهمّية وجود سياسات وإجراءات للمحاسبة أنَّ الوقف لا يُوجد له مالك بذاته، فهو أشبه بالمال العام من حيث الملكية، وحتى في ظل الأخذ بآراء الفقهاء التي دارت حول أن ملكية مال الوقف تكون للواقف فإنها ملكية ناقصة، أو أن الملكية للموقوف عليهم فهم غير محددين بذواتهم بل بأوصافهم، وهي أيضاً ملكية ناقصة لا تمنحهم حق إدارة المال والإشراف على استخدامه، هذا فضلاً على أن الغالب في إدارة الوقف هو وجود جهة غير مالكة للمال تحت أي رأي فقهي، وليست من المستفيدين بعائدات الوقف، وهي ما يطلق عليها فقهاً (ناظر الوقف) وبالتالي لا توجد وسيلة لحماية المال سوى المحاسبة بما توفره من توثيق لمال الوقف وبيانات عن التعامل فيه يمكن من خلالها التأكد من أنه لم يتم الاعتداء عليه ( عمر، 2002 : 6) . وتتم المحاسبة على الوقف للأغراض التالية (شحاتة،2004: 196) :

- عرض إنجازات نشاط استثمار الوقف خلال الفترة الزمنية الماضية محللة حسب المجالات والصيغ والآجال ومقارناً ذلك بالمخطط الوارد بالميزانية التقديرية الاستثمارية، وبيان الفروق وتحليلها، وبيان أسبابها.

- تحليل ريع استثمارات أموال الوقف خلال الفترة الزمنية حسب مصادرها ومقارنتها بالمخطط المستهدف مقدماً، وبيان أسبابها، ثُم تُقدم التوصيات لتنمية تلك العوائد في المستقبل.

- عرض المسائل أو القضايا الاستثمارية لأموال الوقف ولا سيما فيما يتعلق بالاستبدال والصيانة والترميم والمشروعات الجديدة، وإعداد الدراسات اللازمة لتقديمها إلى إدارة استثمار أموال الوقف لاتخاذ القرارات بشأنها.

 - تُساعد التقارير في تحفيز أهل البر والخير على إيقاف أموالهم للمساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في ضوء المنشور عن إنجازات المؤسسة الوقفية.

ومن أهم الإجراءات التي يُمكن الاستناد إليها لتحقيق مستوى مـن الشفافيَّة والنزاهة ما يلي (القرني ، 2009 : 229): 

- الالتزام بتقديم حسابات دورية مُنتظمة ومُدقّقة فيها تقرير شامل عن الرّيع والمصروفات سداً لذريعة الإهمال في تنمية الأموال الموقوفة وصرفها في المجالات المحدّدة.

-  الالتزام بمستويات عاليَّة من الإفصاح والشّفافية بنشر معلومات عن إدارة مال الوقف والتصرّف في الغلاّت.

- الابتعاد عن صرف رواتب ومكافآت لأعضاء أمناء المؤسّسة أو مجلس الإدارة، وفي حال حصول ذلك لابد من الإفصاح.

ثانياً: الالتزام بقواعد الإفصاح الصادرة عن الهيئات الدولية كمدخل لإرساء الحوكمة في المؤسسات الوقفيَّة

تجسدت العلاقة بين التقرير المالي وحوكمة الشركات في تحليل أو تأصيل جذور كل منهما حيث يُمكن اعتبار الإفصاح أساس أي نظام لحوكمة الشركات وفي المقابل يحتاج نظام حوكمة الشركات إلى مستوى جيد من الإفصاح ومعلومات كافية وملائمة لكافة الأطراف من أجل تحقيق توازن قوي لأصحاب المصالح في المؤسسة، وباعتبار الإفصاح واحداً من الأهداف الرئيسية لنظام التقرير المالي، فإنّه يُرجح أن تُعبر القوائم المالية عن نتيجة التعارض في الاهتمامات والتوازن القوي بين أصحاب المصالح، وأنَّ المعلومات المُفصح عنها بواسطة التقارير المالية تصف ما تُريد الأطراف الداخلية من خلال ما تُفصح عنه  عن أنشطة وأداء المؤسسة ( رواني وبن ساحة ، 2011 : 14) 

ولقد تنامى الاهتمام بمبدأ الشفافية في التعاملات والوضوح في الإفصاح المالي عن كافة المعلومات ووجود المعايير المحاسبية المتعارف عليها وتوافر تصنيفات ائتمانية لكافة المنتجات المالية وغيرها من التطورات التي تؤكد وجود منهجية في العمل المالي وفي الأدوات الاستثمارية المتوفرة في السوق المالي ، ولتحقيق التطور المنشود في إدارة الأوقاف ولإرساء الحوكمة في المؤسسات الوقفية، تُعتبر  المعايير المحاسبية الدوليَّة التي تُوفر أفضل الممارسات المحاسبيَّة من أجل تقديم معلومات ماليَّة صادقة تعكس وضعيَّة المؤسسات ومدى نجاعة خزينتها من خلال قوائم ماليَّة قد حدّدها المعيار المحاسبي الدولي الأول "عرض القوائم الماليَّة" وهي الميزانية، قائمة الدخل، قائمة حقوق الملكية، جدول تدفقات الخزينة والملاحق.

أهمّية المعايير المحاسبية في المؤسسات الوقفيَّة:

تتجلى أهمَّية المعايير المحاسبية في المؤسسات الوقفيَّة في توفير الثقة والمصداقيَّة في القوائم الماليَّة والتي تُمثل مُخرجات نظام المعلومات المحاسبي في المؤسسة الوقفيَّة، كما تُبين بوضوح مصادر واستخدامات أموال الوقف والبنود التي صُرفت فيها ما يؤدي إلى ارتفاع الثقة والجدارة الائتمانية للمؤسسات الوقفيَّة.

وبالرغم من ارتفاع التكاليف الإداريَّة لعملية تبني هذه المعايير من حيث عملية تكوين المحاسبيين والمراجعين وغيرها إلا أنَّ ذلك سيعود بالنفع على المؤسسات التي من بينها مؤسسات الوقف والتي يُمكن أن تزيد في انضباط المؤسسات الوقفيَّة وذلك من خلال مساهمتها في توفير الضمانات اللازمة للتأكد من حسن استغلال الوقف لموارده الماليَّة في الوجوه المشروعة والتي تعود على الجميع بالنفع، وبما يتفق مع أهدافه التي أُنشئ من أجلها ( بن صالح  وجعفر هني، 2013: 179 ). إلاَّ أنّه من حيث التطبيق تُواجهنا إشكالية تبني هذه المعايير المحاسبيَّة في المؤسسات الوقفيَّة ، وذلك لأنَّها خاصة بالشركات الهادفة للربح و من جهة أخرى نجدها تتعارض مع أحكام الوقف الشرعيَّة، ولعلاج هذه الإشكالية يرى الدكتور حسين شحاتة إخضاع المؤسسة الوقفيَّة للقواعد المحاسبية للمؤسسات غير الهادفة للربح بينما تخضع أنشطتها الفرعية للمعايير المحاسبية الدولية مثل نشاط الاستثمار(شحاتة، 1998: 149)، غير أنَّه في الواقع يُمكن تقسيم أنشطة المؤسسة الوقفيَّة إلى قسمين القسم الأول خاص بالأنشطة الوقفيَّة غير الهادفة للربح والقسم الثاني خاص بالأنشطة الاستثماريَّة للوقف، وبالتالي يُمكن تكييف قواعد معايير الإبلاغ المالي الدوليَّة على القسم الثاني الخاص بالأنشطة الاستثماريَّة لضمان مصداقية الأموال الوقفيَّة المستثمرة وتقييم مدى كفاءة الناظر في إدارة الأموال الوقفيَّة، كما يُمكن تطبيق معايير المحاسبة والمراجعة الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلاميَّة على الجزء الأول الخاص بالأنشطة الوقفيَّة  غير الهادفة لتحقيق الربح، وفي هذا الصدد أصدرت الهيئة معياريين محاسبين حول الإفصاح المطلوب في المؤسسات المالية الإسلاميَّة، لذلك نقترح أن تُطبق المؤسسات الوقفية المعيار المحاسبي رقم (01) (هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلاميَّة: 2007) حيث يُمكن تطبيق هذا المعيار على القوائم المالية التي تنشرها المؤسسات الوقفية لخدمة أغراض المستخدمين الرئيسيين لهذه القوائم.

كما نقترح أن تُطبق المؤسسات الوقفية على أنشطتها الاستثمارية المعيار رقم (04) المُتعلق بالإفصاح لتعزيز الشفافيَّة الصادر عن مجلس الخدمات الإسلاميَّة، حيث نص هذا المعيار وأكدّ على تحقيق مستويات الإفصاح المناسبة عبر خمسة أقسام (مجلس الخدمات المالية الإسلاميَّة: 2007):

القسم الأول: مبادئ الإفصاح المالي والإفصاح عن المخاطر.

القسم الثاني: إفصاحات لأصحاب حسابات الاستثمار.

القسم الثالث: الإفصاحات لأصحاب حسابات الاستثمار من وجهة نظر المستثمرين الأفراد.

القسم الرابع: إدارة المخاطر والتعرض للمخاطر والتخفيف من المخاطر.

القسم الخامس: إفصاحات الضوابط العامة والضوابط الشرعيَّة.

إنَّ الحاجة إلى الإفصاح والشفافيَّة في المؤسسات الوقفيَّة اعتبار شرعي مهم ويُشكل أي نوع من الإخفاء أو التظليل من ناظر الوقف سواء أكان فرداً أم حكومة مُخالفة لمبادئ العدالة والإنصاف في الشريعة الإسلاميَّة، وبهدف تعزيز الشفافية في المؤسسات الوقفية نقترح أن يشمل الإفصاح في المؤسسات الوقفية هيكل المجلس ( العدد، العضوية، المؤهلات، اللجان) ، وهيكل الإدارة العليا ( المسؤوليات والمؤهلات، الخبرة)، والهيكل التنظيمي الأساسي (الهيكل القانوني والهيكل الوظيفي) والمعلومات المتعلقة بنظام الحوافز الخاص بالمؤسسة الوقفية، وطبيعة الأنشطة التي تُزاولها الوحدات الوقفية التابعة لها.

المراجع:

1.   جعفر هني محمد وعبدالله بن صالح، إطار مُحاسبي مُقترح لقياس وتوزيع الريع في المؤسسات الوقفية، بحث مُقدم إلى المؤتمر الدولي الرابع للأوقاف "نحو استراتيجية تكاملية للنهوض بالوقف" ، الجامعة الإسلامية، 2013.

2.   بوحفص رواني وعلي قدور بن ساحة، سبل تطبيق المعايير المحاسبية في ظل مبادئ الحوكمة المصرفية، الملتقى الدولي: الاقتصاد الإسلامي : الواقع ورهانات المستقبل، المركز الجامعي بغرداية، الجزائر، 2011.

3.   محمد عبد الحليم عمر، قضايا ومشكلات المحاسبة على الوقف، ورقة مقدمة إلى حلقة نقاشية بعنوان: القضايا المستجدة في الوقف وإشكالاته النظرية والعملية بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر، 2002.

4.   حسين حسين شحاتة، استثمار أموال الوقف، أعمال منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول"إلتزام شرعي ..وحلول متجددة"، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت، الطبعة الأولى، 2004.

5.   ابتسام بلقاسم عائض القرني، الوقف بين حكم ملك الله تعالى والملكية العامة، بحث مقدم إلى المؤتمر الثالث للأوقاف " الوقف الإسلامي ' اقتصاد وإدارة وبناء حضارة' "، المملكة  العربية السعودية، 2009.

6.     هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، معايير المحاسبة والراجعة والضوابط للمؤسسات المالية الإسلامية، البحرين، 2007.

7.      مجلس الخدمات المالية الإسلامية، معيار الإفصاحات لتعزيز الشفافية وانضباط السوق للمؤسسات التي تقتصر على تقديم خدمات مالية إسلامية عدا مؤسسات التأمين، ماليزيا، 2007.