العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

السياحة العلاجية في جمهورية قرغيزيا (ماهيتها وأهميتها)

د. ابراهيم بدران

دكتوراة في الصحة العامة

افتتح موسم السياحة العلاجية يوم 15 مايو على جبل (تاشتارـ اتا)، حيث تقام السياحة العلاجية إلى جبال (تيان شان) في جمهورية قرغيزيا لمساعدة الناس على التخلص من مشاكلهم النفسية وتعاطي المخدرات والكحول.

فما السياحة العلاجية؟ ولماذا تحظى بشعبية؟

يبدأ طريق السياحة العلاجية في الممرات الجبلية (الإبل) والتي تعني بمعظم اللغات التركية "الريدج الأبيض". وتقع على ارتفاع 3400 متر في جبال (تيان شان)حيث يصل المرضى هذه المنطقة من بيشكيك عاصمة قرغيزيا بالسيارة.

يجب على المريض خلال خمسة أيام الوصول إلى نهاية الطريق التي تبعد 250 كلم، وتقع على رأس جبل (تاشتاراتا)، والتي تعني بجميع اللغات التركية (أب الصخور)، ويعود ذلك إلى الأسطورة التي نسبت إلى محارب شجاع مات وهو يحمي المنطقة من قوات العدو لمدة 40 يوماً، وبعد خروجه من المعركة منتصراً سقط على الأرض نائماً إلى الأبد، وظلت الصخرة الضخمة في نفس المكان. ومذ ذلك الوقت والبدو والمسافرون والمقيمون يرحلون إلى تلك الصخور الجبلية، وبلغ عدد زوار (تاشتار-اتا) عدة آلآف.

يحث البروفيسور والطبيب النفساني (جنيشبيك نزارالييف) على إحياء التقاليد القديمة للأغراض العلاجية، فالمريض الذي يعاني من الاضطرابات النفسية أو الإدمان سيتخلص من مخاوفه خلال رحلة وصوله إلى الصخور ضمن برنامج تدريبات التأمل. وتُظهر إحصاءات المركز الطبي للبروفسور (نزارالييف) أن هذا النهج الناجح في العلاج النفسي كان ناجعاً فساعد أكثر من 17 ألف مريضاً، 87% تم إعادة تأهيلهم في غضون سنة واحدة، ولم يعودوا للمخدرات، ولم يعانوا من الاكتئاب العصبي.

يتوافق مضمون السياحة العلاجية إلى حد كبير مع هذا العلاج لأن المريض يقضي وقتا على جبل (تاشتار-اتا) لتنفيس عواطفه ومشاعره السلبية بين الجبال، ويرافق المرضى فريقاً من الدعم الذي يكون على استعداد لتقديم المساعدات الطارئة طول الرحلة كتركيب خيمة ليلا أو طبخ وجبة الطعام. ويعمل علماء النفس من ذوي الخبرة في العمل مع المرضى على تعزيز النية، ويسمعون عندما يحتاج المريض للحديث.

فالمناظر الطبيعية الجبلية الباهرة والفاتنة في تنوعها، حيث جبال الألب والوديان والهضاب الجبلية، وصولا إلى وادٍ عميق يبدو فيه شريط ضيق من السماء الزرقاء. يكون الصباح هناك بارداً، ثم يتحول تدريجياً إلى يوم حار مع صعود الغيوم وتسارع الرياح الجبلية التي تبردها الأنهار الجليدية مع هطول المطر فيشعر المريض بعدم استقرار الطبيعة وتقلبها. وبسبب نقص التأكسج في المناطق الجبلية يضطر الجسم للتكيف بسرعة مع البيئة، وسرعان ما تتغير عملية التمثيل الغذائي ونظم الفسيولوجية لعمل الإنسان. مما يعطي دفعاً قوياً لانتعاش مراكز المتعة المعطلة بسبب تعاطي المخدرات والاكتئاب لفترات طويلة، ويتعزز النشاط البدني بتنشيط الإندورفين والإنكيفالين وهي هرمونات السعادة.

وخلال الرحلة العلاجية يتغير تدفق أفكار المريض ومزاجه، فيميل إلى التخلص من الشعور بالذنب من ضعفه، معتبراً نفسه كان مخدوعاً نتيجة الأوهام التي ملأت عالمه الداخلي في حين أنه كان مريضاً أو يعاني من اضطرابات نفسية.

إن امتلاك المريض لقوة الإرادة وللتصورالحقيقي للحياة مع توقع الانتصارات وخيبات الأمل والقدرة على التغلب على الضعف وعودة الثقة بالنفس يتجلى بشكل واضح في الكيلومترات الأخيرة عند تجمعات المياه. وعندما يصبح التعب في العضلات لا يطاق فيبدو الفكر يائساً، عندئذ يطرح المريض على نفسه السؤال التالي: لماذا أحتاج كل هذا؟ وفي هذه اللحظة يكون المريض مسؤولاً عن نفسه، فيعزم على إثبات نفسه بطرق تفكير جديدة، ويبدأ بالنظر إلى الألم الجسدي كنوع من التكفير عن الذنب عن طريق التعالي الذاتي وإعادة التفكير في طريقة الحياة السابقة وتغيير موقفه تجاه أفعاله وإقراره بأنه عليه الذهاب في هذا الطريق الصعب والمرهق، وهو طريق العلاج.

يؤكد البروفيسور (نزارالييف) أن طريقته العلاجية تبدأ من الممارسات الشرقية التي تساعد على الشعور بحالة غيبوبة بالسعادة أثناء الالتفاف على منحدر جبل (تشتاراـ تا)، ويمارس البروفسور تدريبات التأمل على جبل (تشتاراـ تا) مع مرضاه. وجدير بالذكر أن هذا المكان يرمز للقوة فتيمورلنك والإسكندر كانو يجمعون جنودهم فيه كما أن شكل الجبل الذي ترتفع قمته 365 حجراً على شكل درج يساعد في ذلك.

وتم في يونيو2013 الانتهاء من ترميم مواقع أثرية، فسياح وتجار العصور القديمة بنوا المباني في طريقهم على طول طريق الحرير. لذلك سيشعر المريض أثناء رحلته السياحية بفرحة الانتصار على النفس، والتغلب على التعب الكبير بعد طريق طويل، وإن أكثر الأدعية انتشاراً على جبل (تارشتارتا) هو دعاء: الحمد لله سبحانه وتعالى.

لقد أصبح في السنوات العشرة الأخيرة هذا الجبل كذكرى لضحايا تعاطي المخدرات، لكن الأمل والإيمان يجعل الروس والأميركان والكنديين والفرنسيين والألمان والعرب وغيرهم يأتون إلى هذا المكان للشفاء.