العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مراجعة للشكوك حول أرباح البنوك الإسلامية

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

هل وضع الإسلام حداً للربح لا يمكن تجاوزه؟ 

هل يلزم البنك شرعاً ببيع وإجارة السلع بسعر محدد؟

هل يجوز للحاكم أن يحدد للتاجر سعراً لا يبيع بأكثر منه؟

هل صحيح أن أسعار التمويل الإسلامي مرتفعة؟

هل صحيح أن البنوك الإسلامية محتكرة؟

لماذا عوائد ودائع الاستثمار في البنوك الإسلامية منخفضة بالمقارنة بأرباح المساهمين؟

أسئلة تتردد كثيراً، وغالباً تتحيز الإجابة عليها ضد البنوك الإسلامية، وربما اتهمت بمخالفة أحكام الشرع لهذا السبب. ويعرض هذا المقال لإجابة موضوعية عن تلك الأسئلة:

أولاً: حكم التسعير وتحديد الربح:

الذي عليه جمهور الفقهاء عدم الجواز ولا حدود للربح في الإسلام إذا كانت السوق حرة بالمفهوم الاقتصادي، وهو الوارد في الحديث (حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت وحميد عن أنس قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح) سنن الترمذي 1314. 
والسوق الحرة بالمفهوم الاقتصادي هي التي خلت من القيود على حرية العرض والطلب. ولا يخفى أن التسعير في هذه الحال هو من أكل أموال الناس بالباطل (يطلبني بمظلمة في دم ولا مال).
وقد نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية جواز التسعير لولي الأمر، لكن الباحث المتميز الدكتور الثمالي في رسالته للدكتوراة عن الحرية راجع رأي ابن تيمية ورجح أنه لا يخالف ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من المنع، وأن الجواز مخصوص بالحالات التي يخرج فيها السوق عن الحرية، كحالة الاحتكار بالمفهوم الشرعي والتي تعني أن يَلجأ التاجر إلى حبس سلعةٍ عامةٍ ضروريةٍ مما يحتاجه عموم الناس بقصد بيعها بسعر أعلى عند نفاد الكمية المعروضة منها في السوق. في هذه الحال للحاكم أن يجبر المحتكر على بيع السلعة المحتكرة بقيمة المثل. وهكذا في كل مرةٍ تتحقق فيها حالة الاحتكار أو يغلب على الظن تَحققها.

ومن ذلك التسعير على الشركات التي تمتلك امتيازاً من الدولة لتقديم بعض السلع العامة مثل الكهرباء والنفط والماء، فهي في حكم المحتكر لو لجأت لإغلاء سعر السلعة أو الخدمة العامة فوق قيمة المثل مستغلة وضعها الاحتكاري. 

وأما التسعير للضروريات والسلع العامة في غير حالات الانحراف فغير جائز، وكذلك الحال في الأراضي والعقارات والسيارات والكماليات، فللتاجر أن يبيع سلعته بالسعر الذي يريده دون قيود، وأن يربح ما يشاء ما دام في إطار ضوابط الشريعة.

ثانياً: ارتفاع سعر التمويل:

إن ارتفاع أسعار التمويل من البنوك الإسلامية من التمويل دعوى تحتاج إلى التمحيص. ربما صح هذا في حالة بعض البنوك التي كانت تتمتع بوضع احتكاري في بلدانها، لكن بعد أن أتيحت الفرصة لإنشاء بنوك ونوافذ إسلامية أخرى في تلك البلدان لم يعد هناك مجال للشك بأن البنوك الإسلامية في تسعيرها للخدمات والتمويلات تقدم أسعاراً منافسة لفوائد البنوك التقليدية، ولعل تجربة بيت التمويل الكويتي ومصرف الراجحي تشهد لتخفيض العوائد من التمويل بالمقارنة بالبنوك الربوية. ولا يخفى أن المنافسة بين البنوك الإسلامية قد لعبت دوراً مهماً في ارتفاع جودة الخدمة بالإضافة إلى انخفاض أسعار التمويل.ومن المهم للبنوك الإسلامية التي ما زالت تتمتع بوضع احتكاري أن تبتعد عن استغلال هذا الوضع على حساب النظرة الاستراتيجية للبقاء في السوق، والسمعة الإيجابية لدى العملاء.

ورغم أن ارتفاع أسعار التمويل في بعض التطبيقات محل انتقاد غير أن تكييف تصرفات البنوك المنفردة في السوق بأنها احتكار شرعاً لم يقل به أحد؛ لأن البنوك لا تحتكر سلعاً بغرض إغلاء سعرها، وإنما تشتري السلع بغرض إعادة بيعها، وغالبا لا تكون هذه السلع مما ينطبق عليه شرط الاحتكار المحدد شرعاً بالسلع الضرورية أو الاستراتيجية.

ثالثاً: انخفاض عائد ودائع الاستثمار مقارنة بعوائد المساهمين: 
توجد نظريتان لمعاملة الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية الأولى المضاربة والثانية المشاركة. أما المشاركة فتعني معاملة المودعين كالمساهمين في المشاركة معهم في تحمل جميع التكاليف والمخاطر والمشاركة في جميع العوائد بما في ذلك تكاليف ومخاطر وعوائد الحسابات الجارية والخدمات المصرفية. وقد يزيد المساهمون في عوائدهم من الشركات التابعة التي يملكها البنك فهذه لا يساهم فيها المودعون وإنما تقتصر مشاركتهم مع المساهمين في البنك الأم كوحدة مستقلة.  وهذه النظرية يفترض أن تؤدي إلى تقارب بين أرباح المودعين والمساهمين عدا أرباح الشركات التابعة التي يختص بها المساهمون. وفي الوقت نفسه تؤدي إلى تقارب بين أرباح البنوك الإسلامية العاملة وفقاً لهذه النظرية أيضاً.

أما نظرية المضاربة فتعني أن يختار البنك وعاء للاستثمار يتشارك فيه مع المودعين كمحفظة التمويل أو استثمارات الخزينة أو كليهما ويديره البنك بصفته مضارباً وشريكاً ببعض ماله. وفي كل الأحوال يتحمل هذا الوعاء بتكاليفه المباشرة فقط. أما البنك بحساباته الجارية وإدارته ومقره وخدماته المصرفية وشركاته التابعة واستثماراته الذاتية فهذا لا يدخل في الوعاء وهذا يحدث فرقا جوهريا في العوائد زائداً لصالح المساهمين. ويعني ذلك اختصاص المودعين بحصتهم المتفق عليها من ربح أموالهم، ولا يتحملون إلا حصتهم من التكاليف المباشرة. بينما يختص المساهمون بحصتهم من ربح الوعاء مقابل عمل الإدارة في إدارة وعاء المضاربة ومقابل نسبة المشاركة المالية في الوعاء. كما يختصون بالإضافة ذلك إلى عوائد الشركات التابعة والاستثمارات الذاتية وعوائد الخدمات المصرفية وعوائد الحسابات الجارية ويتحملون تكاليف كل ذلكومخاطره.وهذه النظرية يفترض أن تؤدي إلى تباين جوهري بين أرباح المودعين والمساهمين بحيث تكون الزيادة لصالح المساهمين. وفي الوقت نفسه لا يلزم أن تتقارب أرباح البنوك الإسلامية العاملة وفقاً لهذه النظرية لأن كل بنك يختص بتكوين خاص لوعاء المضاربة لديه.

كثيرة تلك الأسئلة التي تثار في سياق التشكيك بأعمال البنوك الإسلامية، ولكنها عند التأمل تفتقد التوثيق والتوجيه الشرعي.