العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مخاطر عدم مواكبة التغييرات السوقية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

تناولنا في افتتاحية العدد ١٦ مقالا بعنوان عندما تدق إدارة التغيير جرس الإنذار، وفي هذا العدد نتناول مخاطر عدم مواكبة التغيير..

التغيير سنة من سنن الله في خلقه، وتَغَايرتِ الأَشياء حسب لسان العرب اختلفت، والتغيير التحويل والتبديل، وكذلك الأسواق لا تثبت على حال بل هي في حال متغير ومتبدل. وكما يصحب التغيير تحمل تكاليف، فإن التأخر عنه يؤدي إلى تحمل تكاليف أيضا.

وتزداد تكاليف التغيير كلما ازداد زمن التأخر بمتابعة التغييرات السوقية، وقد يعني ذلك في مرحلة من المراحل الخروج من السوق. ومثال ذلك حالة تأخر شركة نوكيا عن مواكبة جوالات اللمس والتقنيات الحديثة مما جعلها تخسر هيمنتها على السوق وأجبرها على شراكة استراتيجية مع شركة مايكروسوفت تفادياً للموت الكامل.

وتزداد تكاليف التغيير كلما تأخر زمن إحداث التغييرات الابتكارية والتطويرية في منتجات الشركة، مقابل ذلك فإن ظروف عدم التأكد وتأثيرات أصحاب المصالح تجعل المخاطر مرتفعة قبل البدء بالابتكارات والتطويرات ثم يتناقص ذلك كلما وضحت نجاحات تحقق وحصول هذه الابتكارات والتطويرات.

وبما أن طبيعة الأشياء هي الحركة لا الثبات، والتغير لا الجمود، لذلك فمن يعتقد أنه قد حقق هدفه الموسوم واستقرت أموره، فليعلم أن طبيعة الأشياء تأبى التوقف عن التغيير، وأنه سيقف لوحده أو سيقف مع الواقفين. أما شواهد ذلك فكثيرة، سنتناول بعضها دراسة وتحليلاً للخروج بدروس وعبر.

سيطرت شركات الهاتف الأرضي لفترات طويلة على أسواق الاتصالات الداخلية والدولية، لكن دخول خطوط الهاتف الجوال على السوق أدى لتراجع مبيعاتها بشكل حاد مقابل رواج مبيعات خدمات الهاتف الجوال. ثم وبدخول الانترنيت لاح في الأفق اتصالات عبر الانترنيت بدأت خجولة ثم تسارعت بوقت قياسي، ولما كانت شركات الاتصال الأرضية الأكثر جاهزية لتبني خطوط DSLلامتلاكها البنى التحتية المدفوعة التكاليف سلفاً، فقد عاودت دخول سوق الاتصالات بقوة كبيرة لتزايد مشتركي هذا النوع من الاتصال، وبدخول برامج الاتصالات والتواصل الاجتماعي وتهديدها لشركات الاتصال جميعاً، فإن بيع اشتراكات الانترنيت ضمنت لشركات الاتصال الأرضي بقاءها في السوق مع تراجع كبير بمبيعات شركات الجوال ونقص شديد في إيراداتها، وكل ذلك حصل ضمن مجال زمني قدره ٢٠-٢٥ سنة تقريباً.

ثم يأتي إعلان فيسبوك منذ أيام عن شراء شركة طائرات بدون طيار تعمل بالطاقة الشمسية بهدف نشر الإنترنت وإتاحتها للجميع، فإن هذه الفكرة الابتكارية ستسعى إلى تصنيع نقاط اتصال بالإنترنت Hotspot في الجو، وستبني فيسبوك ١١٠٠٠ طائرة بدون طيار في البداية لنشرها في المجال الجوي لقارة أفريقيا على ارتفاع ٢٠ كم. وهذا يمثل تغييراً قد يزعزع حصة شركات الخطوط الأرضية من جديد إن لم تجد لنفسها تغييرا يضمن بقاءها على قيد الحياة. وهذه مبادرة شبيهة بمشروع "غوغل" الذي سيعتمد على استخدام بالونات هواء عملاقة لتحقيق هدف مماثل.

وكمثال آخر، فإن نجاح فكرة الفيسبوك وسيطرتها أدت بالشركة لأن تكون منافسة من حيث عدد المشتركين قياسا بعدد سكان الأرض الافتراضيين، فدخلت سوق البورصة بقيمة مذهلة مقارنة بتكاليف وجودها، ثم تزعزع صيتها واسمها في السوق بسبب سلوكياتها الأمنية والتجسسية، ثم اشترت شركة التواصل الاجتماعي واتساب لتكسب نصف مليون مشترك جديد، وأضافت تحسينات على منتج واتساب بإضافة الصوت ومزايا جديدة كمشروعات إضافية تحقق مزايا تستهدف مزيدا من المستخدمين وهي تأمل بمضاعفة عددهم ليصل إلى مليار مستخدم من واتساب إضافة لمليارها من الفيسبوك متجاهلة جميع الانتقادات العالمية لسلوكياتها، وبذلك تتفوق على جميع بلدان العالم من حيث عدد السكان الحقيقيين، وسيعكس ذلك سيطرة ذات أبعاد متعددة وليست فقط مادية، فشركة فيسبوك ترغب بالتوغل في أوروبا وآسيا وأفريقيا لتستمر في النمو وتحقيق هدفها الأسمى بربط سكان العالم جميعهم.

ومثالنا الأخير، هو صناعة الساعات، فقد سادت الساعات اليدوية دهرا من الزمن وشهدت تطورات ميكانيكية فكهربائية فالكترونية وزاد رونقها ترصيعها بالذهب والألماس، لكن هذه الصناعة زعزعتها تطور صناعة الجوالات فاستغنى كثير من الناس عن الساعات اليدوية بشكلها التقليدي التي تزين معاصمهم إلى الجوالات ذات الاستخدامات العديدة.

لكن وبعد تطور صناعة الجوالات عادت فكرة الساعة اليدوية، لكن بشكل متكامل مع الجوال، ولربما ستجعلنا شركات التكنولوجيا نستغني عن الجوالات لنعود إلى عهد جديد من الساعات التي تزين معاصم الناس بشكلها الجميل والتقني إضافة إلى ترصيعها بالذهب والألماس والكريستال أيضا. فالتجمع العالمي للهواتف الجوالة MWC عرض في مؤتمره الأخير أول ساعة ذكية مواكبة للموضة.

وقد أصدرت ماركتس آند ماركتسMarkets and Markets للبحوث تقريرا بينت فيه أن عائدات سوق الأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء قد بلغت ٢.٥ مليار دولار في ٢٠١٢، ومن المتوقع أن ترتفع لتتجاوز ٨ مليارات دولار بحلول عام ٢٠١٨، وهذا نمو يوحي بتغييرات قادمة يجب أخذها بعين الاعتبار. وقد يكون لدخول الماركات الشهيرة في عالم الساعات بداية لتبني هذه الصناعة وللمشاركة فيها مما قد يزيد وتيرة التسارع المتوقع.

والأمثلة كثيرة جدا كآلات التصوير والنسخ والإسقاط الضوئي والطباعة والأجهزة الطبية.. الخ.

وبعد استعراض هذه الأمثلة التي تعد متسارعة جدا، لابد من ذكر تخوف مجموعة البنك الإسلامي للتنمية حول الصعوبات الكبرى التي ستواجهها البنوك الإسلامية والتي تتجلى بالمنافسة المتعاظمة، حيث يعتبر الدمج والاستحواذ أحد أهم الخيارات المتاحة أمامها. ويحد من ذلك قلة المؤسسات المالية الإسلامية وضعف رواج تقنيات التسعير والتقييم، وقلة اهتمام المساهمين في البنوك الإسلامية بالدمج والاستحواذ.

ويرجع التقرير محدودية أنشطة الدمج والاستحواذ لتشتت هذا القطاع، وهذا يغاير تماماً ما يحصل في عالم الأعمال كما أوضحنا. ومما تجدر الإشارة إليه أن أصول البنوك الإسلامية الكبرى تبلغ في المتوسط ١٣ مليار دولار، وهو ما يمثل ثلث أصول البنوك التقليدية، وأقل من صفقة واتساب بستة مليارات !!

إن ذلك يضعنا أمام سؤال هام وحيوي: هل نحن بحاجة إلى الابتكار؟

إن الابتكار منوط بالأشخاص كما هو منوط بالجماعات، والابتكار يؤدي إلى إيجاد قيمة جوهرية، فبريان أكتون صاحب واتساب الذي تقدم بطلب توظيف إلى تويتر وفيسبوك ورفض طلبه في كليهما، باع شركته الصغيرة لفيسبوك ب ١٩ مليار دولار بعد ٤ سنوات من رفض طلبه للتوظف فيها، وهذه قيمة كبيرة جدا أوجدها بريان أكتون في فترة قصيرة جدا بابتكار قاده لهذا.

ومما يلاحظ سرعة تحول هذه الشركات الصغيرة إلى شركات عملاقة كمايكروسوفت وغووغل وغيرهما، فجميعها تشترك بنفس قصة النشوء والتطور، وسرعان ما تحيل هذه الشركات الابتكار إلى عمل جماعي منظم يقود عمليات التغيير والتطوير بروية ونجاح.

ويلاحظ تبرير مارك زوكربيرج رئيس فيسبوك لشرائه واتساب بذلك السعر المرتفع، بأن شركته فيسبوك بدأت تعاني من تراجع أعداد مشتركيها، وإذا استمر الأمر على هذا النحو فإن ٢٠١٧ سيشهد انتهاءها حسب توقعه، لذلك كان لابد من خطوات استباقية لتفادي مخاطر الإفلاس التقني الذي قد يسرع خروجها من السوق. وقد ضربنا أمثلة على ذلك.

إن شركة فيسبوك تأسست عام ٢٠٠٦ وبلغت ذروة الأعمال عام ٢٠١١ ويتوقع خروجها عام ٢٠١٧، مما يجعل من عمرها التقني الافتراضي ١٠ سنوات فقط.

أما شركة نوكيا التي تأسست عام ١٨٦٥ ورغم تاريخها الطويل بتصدر بائعي الجوالات فقد اضطرت عام ٢٠١١ للدخول بشراكة استراتيجية مع مايكروسوفت لاستبدال نظام وندوزفون بنظامها التشغيلي، رغم أن مايكروسوفت تأسست عام ١٩٧٥!

فما هي الدروس المستفادة من كل ذلك؟

يمكن تلخيص الدروس بما يلي:

-      يجب وضع التغيير هدفاً استراتيجياً مرناً قابلاً للتغيير بغية التأقلم مع مستجدات السوق، وجعل كلا من الابتكار الفردي والمنظم أداة تحقيق ذلك.

-      يجب إعادة الهيكلة المستمرة للمنشآت والشركات دون الخوف من ذلك، سواء أكان ذلك بالاندماج أم بالانصهار مع منشآت أخرى ولو كانت المنافس.

-      أنه كلما تأخر التغيير زادت تكاليف إحداثه وزادت احتمالات الخروج من السوق خروجاً نهائياً.

-      يجب على مراجع الحسابات والمقيّميين المالييين وجميع الخبراء أن يأخذوا بعين الاعتبار توفير أدوات وضوابط للإنذار المبكر تعكس مخاطر واحتمالات عدم مواكبة التغييرات السوقية أي مخاطر الإفلاس التقني، واحتمالات الخروج من السوق أسوة بمخاطر الإفلاس المالي.

ولابد من الإشارة إلى أن منطق السوق في التغيير يشابه في كثير من مفاصله منطق التغيير في غيره مع بعض الاختلافات، فتربية الأولاد تحتاجه، وتربية الأجيال في المؤسسات التعليمية تحتاجه، والشعوب تحتاجه أيضا بلاشك.

 

حماة (حماها الله) ٧-١٢-٢٠١٤