العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

سوق الممر وسوق المستقر المنتجات المالية ومنتجات السلع والخدمات

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

مع تطور الحياة البشريّة اجتماعيا واقتصاديا وسياسياً  تتطور أعمال الناس وتتباين احتياجاتهم وبالتالي يحتاج الناس في تطوير أعمالهم إلى ابتكار أساليب جديدة لتلبية حاجاتهم المتنامية، وهذه الابتكارات تراوح في الحكم عليها  بين السلبية والإيجابية تبعا لنتائجها على أكبر شريحة من المهتمين بها  لذا لابد من دراسة آثار تلك المبتكرات قبل تطبيقها في الأسواق منعاً لما قد تحدثه من أضرار.  فقد أوضحت الأزمة المالية العالمية الأخيرة وما سبقها من أزمات، أن التوسع بالدين والتلاعب بموثقاته من أوراق تجارية ورهون إضافة إلى الفائدة الربوية قد كان لها الأثر الكبير في إحداث الأزمة المالية الأخيرة.  فرغم تباهي رجال الأعمال بأصولهم المالية التي طوروها وزادوا حجوم التعامل بها حتى بات السوق النقدي يتجاوز السوق الحقيقي بعشرات الأضعاف،  فقد ازدادت الآثار السلبية لهذه الأدوات ، وبلغ ذلك الاقتصاد العالمي كله،  فتجاوز البنوك والشركات المالية  ليصل إلى تهديد الحكومات نفسها.

أنواع الأصول المالية وماهيتها :

تتألف السوق من سوق للسلع والخدمات يتم فيها عمليات الإنتاج الحقيقي، وسوق للنقود تتحكم بها السياسات النقدية من خلال المؤسسات المالية. وبتوسع القاعدة الإنتاجية تزداد الحاجة إلى سوق النقد بسبب الحاجة إلى تمويل سلسلة عمليات التوريد والإنتاج والتسويق. وبما أن الغرض من النقود هو تسهيل عمليات التبادل  لذلك وجب تناسب حجمها مع كميات السلع والخدمات المتوافرة في السوق، دون زيادة أو نقص حادين. فإذا اختلت هذه العلاقة دون معالجة أدى ذلك إلى تشوهات اقتصادية قد تنتهي بأزمات خانقة.

ويتحقق التبادل بالبيع، والبيع لغة ضدّ الشراء، وبِعْتُ الشيء: شَرَيْتُه، أَبيعُه بَيْعاً ومَبيعاً (لسان العرب). أما البيع اصطلاحاً  فهو:  مقابلة شيء بشيء،  كمقابلة سلعة بأخرى  ، فإن كان غيرها سلعة كان مقايضة، وإن كان نقداً كان بيعاً حالّا،  وإن تأخر أحد البدلين كان بيعاً آجلاً.  ويصح في اللغة أن يدل لفظ البيع والشراء على معنى الآخر،  كقوله تعالى في سورة يوسف: (وشروه بثمن) بمعنى باعوه.  ويرى الفقهاء أن البيع هو تمليك مال بمال،  بينما يرى القانونيون أنه:  عقد يلتزم به البائع بنقل ملكية شيء أو حق مالي آخر في مقابل ثمن نقدي لمشتريه (السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني).

أما الأصل فهو الشيء سواء أ كان سلعة أم غيرها، ولغة هو أسْفَلُ الشيءِ  وجمعها أُصولٌ (القاموس المحيط).  أما اصطلاحاً  فهي : كل شيء مملوك له قيمة.

فالأعمال تبدأ ممارسة نشاطاتها، عموما بالمال، سواء أكان نقدا أم غير نقد، ويتم التعبير عن الأشياء المملوكة بعبارة (الأصول) لأنها أشياء ذات قيمة يمكن تحويلها إلى نقود بسهولة.  وتعتبر الميزانية العمومية ممثلة للأصول والديون المتعلقة بشركة أو شخص معين.

أما المال لغة فهو:  ما مَلَكْتَه من كلِّ شيءٍ، وجمعها: أمْوالٌ (القاموس المحيط).  أما اصطلاحاً  فقد ذكر ابن عابدين في حاشيته بأن المال هو:  ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع،  ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. وعرفه الغزالي في إحيائه تعريفا شاملا بقوله: "أعيان الأرض وما عليها مما ينتفع به، وأعلاها الأغذية ثم الأمكنة التي يأوي الإنسان إليها وهي الدور، ثم الأمكنة التي يسعى فيها للتعيّش كالحوانيت والأسواق والمزارع ثم الكسوة ثم أثاث البيت وآلاته ثم آلات الآلات ، وقد يكون في الآلات ما هو حيوان كالكلب آلة الصيد والبقر آلة الحراثة والفرس آلة الركوب في الحرب".

مفاهيم الأصول:

الأصول في مفاهيم الزكاة: أدى مفهوم الإيراد إلى تقسيم الأصول إلى عَروض القنية وعَروض تجارة، فعَرْوض القنية غير نامية، أما عَرْوض التجارة فهي نامية بالفعل أو بالقوة.  فالأنعام نامية بالفعل لأنها تسمن،  وتلد ، وتدر لبنا ونماؤها نماء طبيعي لما فيه من زيادة الثروة الحيوانية وما يتبعها من اللحوم والألبان، وعَروض التجارة أيضاً مال نام بالفعل لأن الشأن فيها أن تدّر ربحا وتجلب كسباً وإن كان النماء فيها غير طبيعي كنماء الثروة الحيوانية والزراعية فهو نماء صناعي يشبه الطبيعي، والنقود أموال نامية لأنها بديل السلع وواسطة التبادل ومقياس قيم الأشياء،  فإذا استخدمت في الصناعة والتجارة ونحوها أنتجت دخلا وحققت ربحاً وهذا هو معنى النماء المقصود،  وعليه فمفهوم الأصل في أدبيات الزكاة يميل إلى الموارد الطبيعية الملموسة كالعروض الثابتة والمتداولة (قنطقجي: فقه المحاسبة الإسلامية).

الأصول في المفاهيم المحاسبية: عرفت لجنة المصطلحات التابعة لمجمع المحاسبين الأمريكي AICPAالأصول بأنها: شي ما يمثل رصيد مدين قابل للترحيل للفترة التالية لقفل الحسابات تبعا للمبادئ المحاسبية على أساس أنه يمثل إما حق ملكية أو قيمة يمكن الحصول عليها ونفقة تمت وأَوجدت حق ملكية أو من المحتمل إيجادها مستقبلا. بينما عرفتها لجنة المفاهيم والمعايير التابعة لجمعية المحاسبة الأمريكية FASBبأنها: الموارد الاقتصادية المخصصة لأغراض المشروع خلال وحدة محاسبية محددة فهي تجمعات للخدمات المتوقع الحصول عليها مستقبلاً.

 ويلاحظ ميل تعريف لجنة المصطلحات إلى المديونية كأساس لاعتبار الأصل، بينما تميل لجنة المفاهيم لاعتبار الأصل على أساس أنه مورد اقتصادي.

وبناء على ما سبق من مفاهيم  يمكن تقسيم الأصول بحسب درجة سيولتها وقابلتها للتسييل إلى أصول ثابتة ومتداولة وجاهزة، فأما الثابتة فتستفيد منها أكثر من دورة مالية، بينما تتحرك الأصول المتداولة والجاهزة ضمن الفترة المالية، لذلك سميت برأس المال العامل الإجمالي، فإن طرحت منها الخصوم المتداولة سميت برأس المال العامل الصافي، وهذا يتناغم ومفاهيم الزكاة.

تقسم الأصول الثابتة إلى: (١) أصول ملموسة tangible assets، وهي جميع الأصول التي يكون لها جوهر مادي، كالأراضي والمباني والعقارات والسيارات وما شابهها. و(٢) أصول غير ملموسة كالتي تدفعه المنشأة أو تلتزم بدفعه لتحصل على منفعة ليس لها وجود مالي،  وتقسم بدورها إلى: (أ) أصول معنوية: كحقوق الاختراع وشهرة المحل وحقوق النشر وما شابهها، و(ب) أصول وهمية: كمصاريف التأسيس التي ألغتها المعايير المحاسبية الدولية الجديدة واعتبرتها نفقات تتحملها الدورة المالية الأولى (التأسيسية).

والأصول غير الملموسة كالاسم التجاري، وحقوق التأليف والنشر، والعلامات التجارية، وبراءات الاختراع، وبرامج الحاسوب. بينما تعتبر الحسابات المدينة، والسندات، والأسهم، أصولاً مالية غير ملموسة. ويمكن تصنيفها إلى أربعة أصناف:

أولا: حسب درجة تمييزها عن غيرها من الأصول: ونميز بين: أصول يمكن تميزها بصفة منفردة، كحقوق الاختراع، وحقوق الاحتكار، وحقوق النشر، وأصول لا يمكن تميزها بصفة منفردة مثل شهرة المحل.

ثانيا: حسب الاقتناء: ونميز بين أصول مشتراة: أي يتم شراؤها من الغير بصفة منفردة أو نتيجة للاندماج كما تنشأ شهرة المحل، وأصول يتم تكونها داخليا (أي يتم تكوينها داخل المنشأة) ومنها حقوق الاختراع.

ثالثا: حسب الفترة الزمنية التي تغطي المنافع المتوقعة:  ونميز بين:  أصول تستفيد منها فترات معينة أو تحدد عمرها نصوص قانونية كحقوق الاحتكار أو استخدام الأسماء التجارية،  وأصول يرتبط عمرها بعوامل إنسانية مثل حقوق التأليف أو النشر،  وأصول ليس لها عمر محدد مثل الشهرة.

رابعا: حسب إمكانية فصل الأصل عن المنشأة:  ونميز بين:  أصول تعبر عن حقوق يمكن تحويل ملكيتها للغير كحقوق التأليف والنشر،  أو أصول قابلة للبيع مثل حقوق الاختراع،  وأصول لا يمكن فصلها بذاتها عن المنشأة كالشهرة،  وأصول لا يمكن تمييزها بصورة منفردة عن غيرها من الأصول كحقوق الاختراع،  والذي يمنح حامله كل الحقوق التي تخوله استخدام،  وإنتاج،  وبيع منتج معين أو عملية معينة خلال فترة معينة.

فمثلا يعتبر حق الامتياز ترتيباً يعطي بمقتضاه طرف يُسمى (مانح الحق) لطرفآخر يُسمى (المتمتع بالحق) إذنا مطلقا في تسويق منتج أو خدمة في حدود منطقة جغرافية معينة، كالتنقيب عن النفط في منطقة معينة. أما الشهرة فترتبط بوجود وحدة اقتصادية (منشأة) قائمة، وهي تعبر عن قدرة المنشأة على تحقيق أرباح غير عادية، أو تزيد من المعدل العادي للعائد على رأس المال المستثمر، بسبب كفاءة إدارة المنشأة،  أو باستخدام مواصفات، أو عمليات خاصة في الإنتاج يعطي سمعة طيبة عن المنشأة.

ويعتبر الأصل أصلا من أصول المنشأة إذا حقق شروط اعتباره من وجهة النظر المحاسبية، وهي:

الملكية: أن يكون الأصل مملوكاً بشكل قانوني،  مما يعطي المالك حرية التصرف به والاستفادة من منافعه الاقتصادية.

الخدمات المستقبلية:  لابد أن يكون للأصل منافع اقتصادية مستقبلية متوقعة تمتد لأكثر من فترة مالية.

المقدرة الإنتاجية (الخدمية):  تقتنى الأصول لمقدرتها الإنتاجية فتشارك في العملية الإنتاجية بشكل مباشر أو غير مباشر.

قابلية التحديد (القياس): لابد أن تكون منافع الأصل قابلة للقياس المالي.

وعليه فإن الأصول المالية ليست سلعاً،  لأنها لا تشبع الحاجات بشكل مباشرة أو غير مباشر،  بل هي مجرد مطالبات أو حقوق على الموارد الاقتصادية،  فهي رموز تمثلها ويتم تداولها نيابة عنها،  فتسهل تداول وتبادل هذه الموارد.  ويقاس ذلك بالقول بأن حق الملكية هو شيء ليس ملموساً بل رمز متفق عليه ومعترف به من المجتمع بأن مالكه له حق الانتفاع والتصرف وحده فيه:  بيعاً وشراء. ويقاس أيضا على ذلك  بأن النقود هي أصل مالي، فهي ليست سلعة،  ولا تشبع بذاتها أية حاجات، وهي تمثل حقاً على الاقتصاد في مجموعه، حيث يحق لحاملها الحق في مبادلتها مع أية سلعة معروضة للبيع،  فيتنازل البائع عن ملكية سلعته لقاء الحصول عليها،  وذلك لمعرفته بأن النقود التي سيتملكها تمكنه من الحصول على الموارد المعروضة للبيع في المستقبل.  وكذلك فالسهم هو حق مشاركة في ملكية مشروع،  وهو غير ملموس،  والسند أيضاً هو دين على نفس المشروع، وهو غير ملموس.

لذلك يمكن تعريف الأصول المالية بأنها:  ليست أصولا مادية ملموسة كالسلع والخدمات، بل أصولا مالية غير ملموسة ترتب حقوقاً على موارد اقتصادية،  وتُتداول بدلا عنها، كالنقود والأسهم والسندات والديون والأوراق التجارية والخيارات والمستقبليات وغير ذلك مما ينضوي تحت اسم المشتقات المالية،  وجميعها قابلة للتداول.  وقد تناول معيار المحاسبة الدولي رقم ٣٩ الأدوات المالية اعترافاً وقياساً،  وصنف الاستثمارات المالية ضمن مجموعات:  (١)  استثمارات مالية بغرض المتاجرة.  (٢)  استثمارات مالية متاحة للبيع وغير محتفظ بها لأغراض المتاجرة.  (٣) استثمارات مالية بغرض الاحتفاظ حتى ميعاد الاستحقاق.  (٤) القروض والحسابات المدينة والمحتفظ بها لغايات غير تجارية.

أنواع الأصول المالية في السوق:

عرفت الأسواق المالية قديماً وحديثاً ابتكارات مالية حاول الناس من خلالها تلبية احتياجاتهم، فمنها ما أخفق ، ومنها ما استمر استخدامه.  ويمكن التمييز بين أصول مالية عرفها الفقه الإسلامي بغض النظر عن حكمها وتوافقها مع الشريعة الإسلامية  ، وقد اختلفت الآراء حولها، وأصول طورتها الأسواق التقليدية لتلبية احتياجاتها.

أولاً: أصول مالية عرفها الفقه الإسلامي:

بيع الديون (التوريق): التوريق كلمة مشتقة من الورِق وهي الفضة بمعنى : التسييل أي تحويل القروض (المصرفية) إلى سيولة نقدية بغرض الحصول على الأموال،  وذلك بغية خلق أصول مالية جديدة،  وبذلك تتحول الموجودات المالية من المقرض الأصلي إلى آخرين،  أو تحويلها إلى أوراق مالية قابلة للتداول.  أما أساليب التوريق فهي:

استبدال الدين، أي :  استبدال حقوق والتزامات جديدة بأخرى قديمة،  مع ضرورة موافقة جميع الأطراف ذات الصلة بالقرض على تحويله كلياً أو جزئياً إلى ورقة مالية.

التنازل عن الأصول لمصلحة الدائنين أو المقرضين،  كما في ذمم بيع الأصول أو إيجارها،  حيث يستمر دفع الأقساط إلى الممول الأصلي، الذي قام بتحويل الديون واستبدالها.

بيع الذمم المدينة إلى مصرف متخصص،  ونقل جميع المسؤوليات إليه حال عجز المدين عن التسديد.

التورق: التورق هو عملية بين ثلاثة أطراف يشتري الأول من البائع أصلاً بصيغة الأجل، ثم يبيعها لغيره نقداً،  وفي الغالب يكون بسعر أقل، وبذلك يكون المشتري قد حصل على السيولة،  والتزم بأداء قرض أكبر منه، وغالب الأحيان يكون دخول السلعة صورياً حيث لا حاجة للمشتري بها.

ورغم بعض المناصرين للتورق إلا أنه ينفذ بشكل منظم وآلي يجعل العمليات المرافقة له عمليات صورية،  ويكتفي  بعضهم بتبادل الفواتير وثبوتيات البيع دون أي حركة حقيقة ومنتجة للسلع والخدمات.

بيع العربون:  بيع العربون هو أن يشتري شخص ما السلعة، فيدفع إلى البائع جزءاً من الثمن على أنه إن أخذ السلعة حُسب من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع. وهو يحقق المصلحة، لكن اللجوء إليه بوصفه أداة تمويل والتوسع فيه كأصول مالية يحيد به عن الغرض الذي يستخدم لأجله.

القرض الحسن:  يحرم على المقرض أن يستفيد لقاء إقراضه المال لغيره،  لذلك ليس للقرض الحسن أرباحاً مباشرة للدائن،  لكن أرباحه تتمثل بمزايا اجتماعية يستفيد منها المجتمع عموماً.  لذلك هو من جنس التبرعات،  أي أنه تبرع بمنفعة الشيء المقرض دون مقابل،  أما المقترض فمن الطبيعي أن يستفيد من القرض.

المرابحة:  يبحث المشتري أحيانا عن الطمأنينة،  فيرغب بالشراء من مصدر يثق بجودة منتجاته ،  ويفضل أن يعلم مسبقاً بالربح الذي سيتحمله إضافة إلى التكلفة الحقيقية للشراء.  و قد يرغب البائع أيضا بنفس الشيء،  فيقول أحدهما للآخر أربحني مبلغ كذا أو نسبة كذا،  وأتم العملية.

السلم:  السلم لغة أسلَم وأسلف وفيه يُقدم الثمن سلفاً للبائع الذي يقدم السلعة في زمن محدد لاحق.  أما السلم اصطلاحا:  فعقد على موصوف في الذمة وصفاً يُذهب أي جهالة، فهو بيع مؤجل بثمن معجل مقبوض في مجلس العقد ويتأخر فيه تسليم السلعة لأجل معلوم.

الاستصناع:   هو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة،  أي : عقد شراء ما سيصنعه الصانع وتكون العين والعمل من الصانع،  فإذا كانت العين من المستصنع لا من الصانع فإن العقد يكون إجارة لا استصناعاً.

العينة:  هو أن يشتري شخص من البائع سلعة بأجل ،  ثم يبيعه نفس السلعة نقدا بسعر أقل.

الرهن:  عرّفه ابن عابدين في حاشيته:  "بأنه حبس الشيء لأن الحابس هو المرتهن" وعد محاسن الرهن من وجهة نظر كل من الدائن والمدين بقوله :  "النظر لجانب الدائن بأمن حقه عن التوى (التلف) ولجانب المديون بتقليل خصام الدائن له وبقدرته على الوفاء منه إذا عجز".  و يعتبر عقد الرهن عقدا لازما في حق المدين الراهن ولو لم يقبض فلا يحق له إلغاؤه، وهو غير لازم في حق الدائن المرتهن.

الحوالة:  يُقصد بالحوالة حوالة الدين أي:  تغيير المدين بنقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وحوالة الحق تكون بحلول دائن محل دائن آخر،  وتختلف حوالة الدين عن حوالة الحق بأن حوالة الدين يتغير فيها المدين إلى مدين آخر،  أما حوالة الحق فيتغير فيها الدائن إلى دائن آخر.  والحوالة عقد لازم وهي من عقود الاسترفاق وليست بيعاً وهي مستحبة للمحال إذا علم ملاءة المحال عليه وحسن قضائه،  لما فيها من انتفاع الدائن، والتخفيف والتيسير على المدين، وتكون مباحة إذا لم يعلم المحال حال المحال عليه (الأيوفي: معيار الضمانات رقم ٥).

الأوراق التجارية:  تمثل الورقة التجارية توثيقاً للدين التزاما بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)،  ويعتبر قبول الوفاء بقيمتها بمثابة تعهد والتزام من قبل المسحوب عليه بوفاء الدين لحاملها في موعد الاستحقاق.  كما يعتبر جميع الموقعين على الورقة التجارية من ساحب ومظهر وكفيل ملتزمون معاً بهذا الوفاء.  وتعتبر الضمانات العينية التي يشترطها حامل الورقة التجارية تأكيداً لضمان حقه فيها رهناً. وتستخدم الأوراق التجارية كأداة للوفاء بالديون مقابل الآخر بحيث يمكن تحويل المديونية من شخص لآخر.

الصكوك:  هي وثائق متساوية القيمة تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات أو في وحدات مشروع معين أو نشاط استثماري خاص،  وذلك بعد تحصيل قيمة الصكوك وقفل باب الاكتتاب وبدء استخدامها فيما أصدرت من أجله.

ثانياً: الأصول المالية التقليدية:

الأوراق المالية إما أن تكون وثائق تثبت حقوق الملكية كالأسهم التي تعبر عن حق الشريك في صافي الأصول المادية المملوكة للشركة،  وإما أن تكون وثائق تثبت المديونية كالسندات،  والكمبيالات،  وأذون الخزانة،  وشهادات الإيداع،  وتتنوع أشكالها،  وأهم أنواعها التي تمثل أصولا مالية هي:

المشتقات: تعتبر المشتقات بأنواعها أوراقاً مالية ناجمة عن تعاقدات صورية من الأصول المالية خارج الميزانية وفي مواعيد لاحقة.  عرفها بنك التسويات الدولية التابع لصندوق النقد الدولي بأنها عقود تتوقف قيمتها على أسعار الأصول المالية محل التعاقد،  ولكنها لا تقتضي أو تتطلب استثمار لأصل المال في هذه الأصول،  ويكفي تبادل مدفوعات فروقات الأسعار بين طرفي العقد،  وليس ضرورياً انتقال ملكية الأصل محل التعاقد (المعيار المحاسبي الدولي رقم ٣٠).

الخيارات: هي عقد بين طرفين (بائع ومشتري) يعطي المشتري الحق (وليس الالتزام) في شراء أو بيع كمية محددة من العملة الأجنبية ، أو الأسهم ، أو غيرها من الأصول ، أو المؤشرات (كمؤشرات أسعار الأسهم أو أسعار الفائدة) وذلك بسعر محدد، وخلال فترة محددة (وفقاً للطراز الأمريكي) أو في تاريخ استحقاق العقد (وفقاً للطراز الأوربي). ويسمى سعر حق الخيار بالعلاوة (premium) يدفعه المشتري إلى البائع نتيجة لتمتعه بهذا الحق الذي يمنحه فرصة الاستفادة من الارتفاع والانخفاض في الأسعار خلال فترة العقد

العقود المستقبلية المالية: العقود المستقبلية المالية عبارة عن اتفاق لشراء أو بيع أداة مالية معينة (عملة، أسهم، سندات أو مؤشرات معينة (سعر الفائدة مثلاً) في البورصات العالمية.

اتفاقيات مقايضة أسعار الفائدة: هي اتفاق بين طرفين لتبادل مدفوعات الفوائد على مبلغ محدد بعملة معينة والمحتسبة على أساس سعرين مختلفين للفائدة وذلك خلال فترة محددة.

اتفاقيات الأسعار الآجلة: وهي اتفاقيات تتم بين طرفين للقيام بتاريخ محدد في المستقبل يسمى تاريخ التسوية بتسوية الفرق بين سعر الفائدة المتفق عليه في العقد وسعر الفائدة السائد بتاريخ التسوية واللذين يغطيان فترة معينة تبدأ في المستقبل وعلى المبلغ المتفق عليه في العقد. و لا يترتب على هذه العمليات أي تحويل للمبلغ المتفق عليه في العقد.

السندات: يتم إصدار السندات حيث الحاجة للتمويل ، وعدم الرغبة في زيادة رأس المال، وهي تمثل قروضاً طويلة الأجل يخول مالكها الحصول على فوائد ثابتة تؤدي قبل توزيع الأرباح على المساهمين. وتُستوفى قيمة السند عند حلول الأجل أو التصفية قبل الأسهم. وقد يتضمن الاتفاق بعض الأصول الثابتة ضماناً للسداد.

القروض الربوية: وهي إقراض مال بمال مع زيادة، حيث يستفيد المقرض بأخذ مبلغاً من المال لقاء الزمن ويتناسب طرداً مع حجم القرض.

ضوابط الأصول المالية وضوابط بيعها

إن إطلاق العنان لابتكار المنتجات وتطبيقها في الأسواق بجيدها وسيئها إنما يؤذي الأسواق،  ويخل بحقوق الناس،  ويتوجب على القائمين على الأسواق التدخل لمنع المنتجات الضارة قبل تطبيقها أو قبل اتساع نطاق استخدامها.

وتعتبر معايير الضبط وسيلة رقابية هامة لتحقيق حوكمة الأسواق بغية تحقيق الاستقرار لها وإبعادها عن شبح الأزمات،  لأن التاريخ المالي أثبت أن للأزمة ارتداداتها،  مما يطيل بعمرها حينا من الدهر فتتآكل مدخرات الناس وممتلكاتهم،  وقد يخسرون كل شيء فيقعون فرائس لدوامة الفقر، مما يجهد دورة الاقتصاد ويجعل تنشيطها أمر مكلف.

أهمية المنتجات المالية في السوق

تحقق الأصول المالية بنوعيها الإسلامية والتقليدية بعض المزايا، ومن ذلك:

1-   رفع كفاءة الدورة المالية والإنتاجية ومعدل دورانها، بتوسيع حجم أعمال المنشآت دون الحاجة لزيادة حقوق الملكية.

2-   خفض مخاطر الائتمان من خلال توزيع المخاطر المالية على قاعدة عريضة من القطاعات المختلفة.

3-   إنعاش سوق الديون الراكدة وتنشيط السوق الأولية في بعض القطاعات الاقتصادية مثل العقارات والسيارات.

4-   تنشيط سوق المال من خلال تعبئة مصادر تمويل جديدة، وتنويع المعروض فيها من منتجات مالية، وتنشيط سوق تداول السندات.

5-   زيادة الشفافية بتحسين بنية المعلومات في السوق لما يتطلبه من إجراءات.

الدور الإيجابي للأصول المالية:

يلعب إدارة الخطر دوراً في تحديد طبيعة الأصل،  ففكرة نشوء الأصول المالية وتوسعها هدفت إلى توفير أدوات تحوط لأطراف العملية الائتمانية سواء المصرف أو العميل. لكن شبح الأزمة المالية العالمية الأخيرة مازالت آثاره موجودة بين الناس وحكوماتها على السواء.

وبما أن الأُصول المالية تعبر عن رؤية المستثمرين المستقبلية فإن قيمتها تتعلق بدرجة الثقة والمخاطر، وتستند الثقة إلى عوامل موضوعية وأخرى نفسية،  لذلك تتحدد قيمة هذه الأصول بناء على مجموعة ظروف موضوعية وتفسيرات شخصية.  وبما أن التبادل يجري في الأسواق فالأمر سيتعلق بالفرد نفسه وبمجموع المتعاملين أنفسهم حيث تسود بينهم حالات عدوى تمثلها الإشاعات،  فتقودهم ما يسمى بغريزة القطيع.  ولقد تهاوت الثقة بين المستثمرين عموماً وبلغت الإفلاسات ذروتها،  لذلك يمكن القول بأن الأصول المالية انحرفت عن دورها ، ولابد من ضبط إصدارها وتداولها.

إن استخدام الأموال المحلية أو الخارجية في الاستثمار المباشر من خلال تأسيس مشاريع إنتاجية وخدمية جديدة،  أو تطوير مشاريع قائمة لزيادة طاقتها الإنتاجية،  يساهم في عملية التنمية الاقتصادية للمجتمع. لذلك فإن دور السيولة المالية ضروري لتمويل الأنشطة الاقتصادية لضمان نجاحها وتوسعها.

لكن إذا انصرف تداول السيولة إلى عمليات صورية قائمة على الرهان والقمار بمسميات كالأصول المالية التقليدية أو المشتقات المالية،  فإن ذلك يخرجها عن دورها الاقتصادي الإنتاجي إلى دعم النشاط المالي الذي يتسم بالطفيلي الضار بمصالح المجتمع.

السوق والأصول المالية:

تُتداول السلع والأصول المالية في الأسواق بأثمان يحددها قانون العرض والطلب،  لكنهما يختلفان من حيث علاقتهما بالسوق.  فالسوق بالنسبة "للسلع" هي وسيلة للوصول إلى المستفيد النهائي من السلعة إشباع حاجاته،  وبذلك يكون السوق محطة وسيطة في حياتها،  لأن السلعة تخرج من السوق كليا عند وصولها إلى المستفيد النهائي ،  ولا تعود إليه من جديد إلا استثناء كما في حالة بيع الأشياء المستعملة.

أما السوق بالنسبة للأصول المالية  فهو حياتها، فهي تدخله للاستقرار فيه ولا حياة لها دون أسواق. فالنقود (وهي أهم الأصول المالية) تنتقل من المشتري إلى البائع الذي يقبلها للاستعمال في المستقبل. لذلك تبقى النقود في السوق ، ولا تخرج منه بشكل نهائي. وكذلك بالنسبة لحامل السهم أو السند، فرغم أن كلا منهما قد يدر عائداً فإن قيمته السوقية تتوقف على قدرة حامله على التصرف به مستقبلاً للآخر. فليس العائد هو الأصل في قرار شرائه بل قيمته الرأسمالية المستقبلية.

قيمة الأصول المالية:

تتحدد أسعار "السلع" على أساس العرض والطلب لحظة تداولها، بينما الأصل المالي هو وعد مالي مستقبلي  يتحكم بسعره حجم العائد المالي المتوقع وقيمته المستقبلية وشكل المخاطر المرتبطة به.  لذلك تتعامل أسواق "الأصول المالية" مع اعتبارات مستقبلية. فيزدهر السوق المالي إذا كان مزاج السوق متفائلاً، ويتراجع إذا كان هذا المزاج متشائماً.  و عليه فقد تتحول بعض السلع إلى نوع من الأصول المالية إذا كان لها سوق في المستقبل،  كالمقتنيات الأثرية من التحف واللوحات التي قد تفقد كثيراً من خصائصها لتصبح نوعاً من الثروة المالية يتعامل فيها الأفراد بغرض إعادة بيعها في المستقبل.

ضوابط الأصول المالية:

حدت شريعة الإسلام من انتشار الدين، وجعلت للغارمين مصارف لتمويل عجزهم من مؤسسات المجتمع المدني وهي مصارف الزكاة، وجعل للدولة ممثلة ببيت المال نصيبا في كفالة غرمهم. كما عظمت من شأن أكل أموال الناس بالباطل ومن ذلك عدم توفية الديون وولوج المخاطر بأموال الناس. لذلك كان بيع الدين غير مسموح به، ويمتد ذلك على موثقاته من أوراق مالية ورهون الضامنة لهذا الدين. بينما عمد الاقتصاد التقليدية إلى شق هذه العلاقة والسماح ببيع الديون وأوراقها ورهونها ، فتوسعت الحياة الائتمانية وعرضت الأسواق لهزات لم نسمع بها في التاريخ الإنساني ، وأضاعت حقوق الدائنين والمدينين معاً.

كما منعت شريعة الإسلام بيع الشيء دون ملكه وحيازته، أما الاقتصاد التقليدي فشق هذه العلاقة وسمح بالبيوع الورقية الوهمية فكان الاقتصاد الفقاعي الوهمي، الذي أدى إلى كساد سوق السلع والخدمات مقابل دوران سوق النقد بسرعات كبيرة جدا مما أدى إلى تضخم الاقتصاد العالمي وفقدان النقود لقيمتها وارتفاع أسعار الذهب وباقي السلع.

إن وظيفة الأصول هي المحافظة على رأس المال الحقيقي، وليس الذوبان فجأة مما ينذر بعواقب أولها الإفلاس، وقد تتعداها إلى جرائم اجتماعية وفساد عريض.

لذلك لابد من تسليم أحد البدلين أو كلاهما مما يضمن أن أحدهما سلعة ملموسة أو خدمة قابلة للتحقق ولو كانت موصوفة في الذمة، حتى نبقى ضمن إطار الاقتصاد الحقيقي، وبدل البحث عن توسيع سوق النقد علينا تحقيق توسعات أكثر نفعا في الاقتصاد الحقيقي. فالأصل أن الاقتصاد المالي يخدم الاقتصاد العيني. لذلك يجب على الأصول المالية أن تحقق هذه الغاية وألا تخرج عنها.

لكن إذا توجهت معظم الاستثمارات للمراهنة في الأصول المالية على حساب إنتاج الأصول العينية، فستتضخم المراهنات،  ويتقلص حجم الإنتاج، وقد بلغ حجم العقود المالية الآجلة في العالم أصبح ٥٧ ضعف حجم التجارة الدولية وفقاً لتقرير البنك الدولي.

لذلك لا مانع من تطوير أسواق المال وخلق لاعبين جدد، إنما ضمن عدم الإضرار بالناس فلا ضرر ولا ضرار. وإذا كانت رغبة إدارة المؤسسات المالية تسعى للتحرر من قيود الميزانية العمومية، والتهرب من القواعد المحاسبية والمالية كمراعاة مبدأ كفاية رأس المال،  وتدبير مخصصات لمقابلة الديون المشكوك فيها،  فلتتوجه نحو الأصول المالية التي تمثل سلعاً وخدمات كالصكوك لا التورق والعينة والتوريق والمشتقات وغيرها من الأصول ذات الخطر الشديد.  وبذلك لا تتعرقل أنشطة التمويل،  ولا تتباطئ دورات رأس المال، وسوق تزيد ربحية تلك المؤسسات المالية.

لذلك وبحسب وجهة النظر المحاسبية والمالية،  فإن الأصل المالي يجب أن يحقق الشروط التالية لاعتباره أصلا من أصول الميزانية:

1-   أن يكون أصلاً ناشئاً عن أصول مادية ملموسة أو غير ملموسة مملوكة ومباحة.

2-   أن يكون له مقدرة إنتاجية أو خدمية، فالأصل المالي الذي ينبثق من أصل مادي ملموس أو غير ملموس يمكن اعتباره أصلا ماليا منتجا، منها ما يمكن تبادله كالصكوك (مع بعض الشروط في حالة صكوك السلم وصكوك الاستصناع وصكوك المرابحة)، ومنها ما لا يمكن بيعه كالديون والأوراق التجارية، أما الرهون فلا يحق الانتفاع بها من قبل المسترهن وبذلك لا تعتبر أصلا من أصول الميزانية.

3-   أن يكون قابلاً للتحديد والقياس: لابد أن تكون منافع الأصل قابلة للقياس المالي، فإن خضعت قيمته للتوقع المستقبلي الاحتمالي فإن الغرر الشديد يمنع الاعتراف به.

حماة (حماها الله) ١٠-٠٢-٢٠١٤