العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الزكاة كأداة فعالة في تحقيق التنمية الاقتصادية

بوكليخة بومدين

ماجستير في العلوم الاقتصادية تخصص التحليل المؤسساتي والتنمية

الحلقة (3)

خامساً: دور الزكاة في حل المشكلات الاجتماعية.

 يتناول هذا الجزء الدور الاجتماعي للزكاة في ضوء المشاكلات التي تعاني منها مختلف دول العالم كالفقر والبطالة.

1.    أثر الزكاة على البطالة.

يتمثل مستوى التشغيل employment levelفي اقتصاد ما في أفراد القوة العاملة الذين يطلبون عملا ويجدونه، وكلما اقترب عدد هؤلاء من العدد الكلي للقوة العاملة اقتربنا من مستوى التشغيل الكامل الذي يحتل مكانة متقدمة بين الأهداف الرئيسية للسياسة الاقتصادية في أي مجتمع.

والبطالة نوعان:                                                     

أ. البطالة الإجبارية:

هي وجود جزء من القوة العاملة قادرة وراغبة في العمل وراضية بمعدلات الأجور السائدة ،و تسعى للحصول على العمل، ولكنها تعجز عن الحصول عليه لذلك فهي مجبرة على أن تكون في حالة بطالة (نعمت عبد اللطيف مشهور، 1993).

أ.1. موقف الإسلام من البطالة الإجبارية: (د. يوسف القرضاوي، 2001).

هنا يأتي دور الزكاة حيث تتجلى وظيفتها في أنها الممول لكل ذي تجارة أو حرفة يحتاج معها إلى مال لا يجده، فوظيفتها ليست إعطاء دراهم معدودة تكفي الإنسان أياما أو أسابيع، إنما وظيفتها الصحيحة تمكين الفقير من إغناء نفسه بنفسه، بحيث يكون له مصدر دخل ثابت يغنيه عن طلب المساعدة من غيره، فمن كان من أهل الاحتراف أو الاتجار أعطي من صندوق الزكاة ما يمكن من مزاولة مهنته أو تجارته يتم كفايته وكفاية أسرته بانتظام، أما العاجز الذي لا يقدر على مزاولة مهنة أو عمل يكسب منه معيشته يعطى كفاية العمر لأمثالهفي بلاده.

ب. البطالة الاختيارية:

 تمثل انصراف مجموعة من أفراد القوة العاملة عن العمل لعدم الرغبة في ذلك،  أو نظرا لتدني الأجور.

ب.1. موقف الإسلام من البطالة الاختيارية:

 يقاوم الإسلام هذا النوع من البطالة ، و يعتبر أنّ هؤلاء لا يستحقون الزكاة، فليس كل فقير أو مسكين يستحق أن يأخذ الزكاة لأنّ مستحقي الزكاة يجب أن تتحقّق عندهم الشروط المحددة .

ج‌.   الزكاة ودورها في التخفيف من مشكلة البطالة:

 لقد وصلت البطالة في بعض الدول الإسلامية إلى مستويات عالية حيث وصلت في بعض هذه الدول إلى 25 %، وتصل بين الشباب إلى نحو 50 % وتصل نسبة البطالة عند المتعلمين إلى حوالي 70 % وللزكاة دور كبير وهام في علاج هذه الظاهرة  (محمد علي القري، 1998).

ج.1.أثر الزكاة على الطلب على العمل:

إن زيادة كل من الطلب الاستهلاكي والاستثماري تستتبع أن يزيد الطلب على عنصر العمل، فضلا عن توظيف العاملين عليها الذين يتم الإنفاق عليهم من الزكاة، هذا ما يشكل زيادة ملحوظة في الطلب على العمل، ويعمل هذا الأثر للزكاة على تضييق الفجوة بين الطلب الكلي وبين الدخل اللازم لتحقيق التشغيل الكامل.

ج.2.أثر الزكاة على عرض العمل:

 يتوقع أن تؤثر الزكاة على عرض العمل وعلى مستوى إنتاجية العامل إيجابا للأسباب التالية:

- إن إنفاق الزكاة على الفقراء يرفع إنتاجية عنصر العمل بسبب زيادة استهلاكهم ، ومن ثم رفع مستواهم الصحي والغذائي.

- إن عدم جواز إعطاء الزكاة للفقير القادر على العمل المتعطل باختياره يعمل على زيادة الحافز على العمل بحثا عن طلب الرزق.

- إن إعطاء الفقير القادر على العمل صاحب الحرفة المتعطل جبراً ما يمكنه من مزاولة مهنته يعمل على زيادة عرض العمل وعلى رفع مستوى إنتاجيته.

2. الزكاة ومشكلة الفقر.

 يقر الإسلام الفقر،  ويعتبره خطراً على الأسرة والمجتمع،  بل يعتبره بلاء يستعاذ بالله من شره ،  فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ: {اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، ومن عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر}،  ويعني الفقر في الإسلام الحاجة أو العوز ويفرق الإسلام بين أنواع مختلفة من الفقر (د. هشام حنظل عبد الباقي، 2011 ).

·       الفقر النسبي:

 ويعني تفاوت دخول الناس ، ويعترف الإسلام بهذا النوع كسنة كونية، حيث يرجع لتفاوت قدرات الأفراد ومقدار ما يبذلونه من جهد وعمل قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام : 165] (سورة الأنعام، الآية 165). فمن اختلاف القدرات والمهارات والجهود تختلف العوائد والدخول.

·       الفقر المطلق:

ويقصد به عدم قدرة الفرد على إشباع حاجاته بمعنى عدم القدرة على تحقيق حد الكفاية.

لكن هل تستطيع الزكاة القضاء على الفقر؟

تلعب الزكاة دوراً هاماً في الحد من مشكلة الفقر في المجتمع المسلم،  فقد حدد الإسلام أوجه صرف الزكاة في مصارفها الثمانية، والملاحظ أن تلك الفئات هي الأكثر فقراً في المجتمع،  ويترتب على ذلك زيادة الإنفاق على الاستهلاك ، ثم يزيد الطلب الكلي كما وضحنا ذلك سابقاً، ومن ثم زيادة التوظيف والانتاج ، وبالتالي زيادة الدخل.

كما أن مشكلة الفقر في نظر الإسلام ليست كما تصورها المنهج الرأسمالي بأنها مشكلة قلة الموارد، ولا هي كما تصورها المنهج الاشتراكي بأنها مشكلة الأغنياء أنفسهم باستئثارهم لخيرات المجتمع على حساب الفقراء وإنما المشكلة هم البشر الفقراء منهم أو الأغنياء على السواء بقصور سلوكهم سواء في جانب الإنتاج أو جانب التوزيع.

لكن هل نجح الإسلام في القضاء على هذه الظاهرة؟

لقد انتصر الإسلام فعلاً على الفقر، وبلغ الرخاء والغنى في عهد عمر بن عبد العزيز،  روى أبو عبيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن –وهو بالعراق- "أن أخرج للناس أعطياتهم (أي رواتبهم ومخصصاتهم الدورية) فكتب إليه عبد الحميد:" إني قد أخرجت للناس أعطياتهم، وقد بقي في بيت المال مال (فائض في الخزانة) فكتب إليه:" انظر كل أدان في غير سفه ولا سرف، فاقض عنه" فكتب إليه:" إني قد قضيت عنهم، وبقي في بيت المال مال"، فكتب إليه:" انظر كل بكر (أي أعزب) ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه"، فكتب إليه: " أني قد زوجت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال"، فكتب إليه:" انظر من كانت عليه جزية (أي خراج) فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لا نريدهم لعام ولا عامين (زليخة بلحناشي، 2007 ).

وهكذا اختفى الفقر فعلا في ظل هذه الخلافة الراشدة،  وتبين مما سبق أن علاجها مستطاع،  وليست قدرا محتوما كما نراه في المجتمعات المتقدمة.

 

الخاتمة

 إن الزكاة و بالإضافة إلى أنها فريضة من الله وركن من أركان الإسلام فهي أداة توازن اقتصادي واجتماعي هذا ما أثبتته النتائج التي حققتها الزكاة عبر التاريخ عندما تم تطبيقها والإشراف عليها بشكل جيد،  فقد أثبتنا من خلال العرض السابق الدور الكبير الذي تلعبه الزكاة في محاربة الفقر والبطالة،  الركود الاقتصادي، الدور التوزيعي من خلال إعادة توزيع الدخل،  الادخار بالقضاء على ظاهرة كنز النقود...،  وتنشيط الاستثمار، الاستهلاك، الانتاج، سوق العمل...،  وكونها أداة فعالة لتوفير السيولة لتمويل التنمية.

 إذن يمكن أن نستنتج أن الزكاة يمكنها أن تساهم بشكل فعال في معالجة الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية هذا ما جعل أولياء الأمور يفكرون جدياً في تنظيمها وإحيائها في شكل مؤسساتي.

المراجع

1.    د. هشام حنظل عبد الباقي، ( من18 إلى2011/12/20 )، الفقر وتوزيع الدخل من منظور الاقتصاد الإسلامي، دراسة تطبيقية على مملكة البحرين، المؤتمر العالمي الثامن للاقتصاد والتمويل الإسلامي، (النمو المستدام والتنمية الاقتصادية الشاملة)، الدوحة قطر، موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي، ص22.

2.    د. زليخة بلحناشي،(2007)، التنمية الاقتصادية في المنهج الإسلامي، أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه دولة في الاقتصاد الكمي، قسنطينة، الجزائر، ص237.

3.    د. يوسف القرضاوي، (2001)، دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية، دار الشروق، القاهرة، ص10.

4.    محمد علي القري، (من31-10 الى 01/11/1998 )، بحث بعنوان: الزكاة كأداة لتنمية الفقراء والمساكين، المؤتمر العالمي الخامس للزكاة، مؤسسات الزكاة واستيعاب متغيرات القرن الواحد والعشرين، الكويت.

 

5.    نعمت عبد اللطيف مشهور، (1993)، الزكاة، الأسس الشرعية والدور الإنمائي والتوزيعي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بيروت، ص304.