العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الزكاة كأداة فعالة في تحقيق التنمية الاقتصادية

بوكليخة بومدين

ماجستير في العلوم الاقتصادية تخصص التحليل المؤسساتي والتنمية

الحلقة (2)

ثالثا:أثر الزكاة على الاستهلاك.

إن إنفاق الزكاة في مصارفها يزيد من حجم الاستهلاك، وذلك لأن نفقات الضمان الاجتماعي من حصائل الزكاة كالنفقات على الفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب والغارمين وابن السبيل تستحدث قوى شرائية جديدة تضعها تحت تصرفهم باعتبارهم عناصر استهلاكية يتمتعون بميول حدية استهلاكية عالية، وعلى اعتبار أن حجم الاستهلاك يزيد مع ازدياد الدخل وينقص بنقصانه فهم بالتالي يضاعفون من حجم استهلاكهم لأنهم في حاجة دائماً إلى إشباع رغباتهم، هذا ما يؤدي إلى ارتفاع طلباتهم، ومن ثم إلى ارتفاع معدلات الطلب الكلي الاستهلاكي في السوق، وكذلك الحال بالنسبة للأغنياء الذين تؤخذ الزكاة من أموالهم فهم أيضاً يحتفظون في العادة بمعدلات استهلاكهم العالية (د. غازي عناية، 1989).

إلا أن هناك اختلاف بين الاقتصاديين الإسلاميين على أن انتقال الدخل من الأغنياء إلى الفقراء يؤدي إلى زيادة الاستهلاك الكلي مستدلين بالدراسات الإحصائية التي لم تصل إلى رأي قاطع حول أثر التوزيع على الاستهلاك الكلي لأجل ذلك قالوا: أنه ليس بالضرورة أن يكون الميل الحدي للاستهلاك عند الفقراء أكبر منه عند الأغنياء. يقول السحيباني في هذا الشأن: "في حالة الرخاء الاقتصادي لا يوجد في المجتمع من يستحق الزكاة، أولا يوجد عدد كاف منهم لاستيعاب حصيلتها كلها، لذلك ليس بالضرورة أن يزيد الاستهلاك الكلي *، فيما يحتج محمد حامد عبد الله بذات الرأي بأن النهي عن الإسراف والتبذير في الاستهلاك أدلة على صدق هذه النتيجة حيث أن التوسط بالاستهلاك يؤدي لأن يكون الاقتصاد الكلي في اقتصاد غير إسلامي (د. نادية حسن محمد عقل، 2011).

أما مختار متولي فقد انتهى إلى أن مقطع وميل دالة الاستهلاك يصبح أكبر بعد فرض الزكاة منهما قبل فرض الزكاة كما يتضح من الشكل رقم 01:

الشكل رقم (01): أثر فريضة الزكاة على دالة الاستهلاك.

وقد قام مختار متولي بالبرهان على ذلك وفق الاقتراحات التالية (محمد مختار متولي، 1985 ):

1) إن الزكاة تدفع لذوي الدخول المحدودة التي قد تصل دخولهم إلى الصفر.

2) إن الميل الحدي للاستهلاك لمستلمي الزكاة أكبر من الميل الحدي للاستهلاك لدافعي الزكاة.

3) إن الميل الحدي للاستهلاك موجب ، ويقل عن الواحد الصحيح.

4) أنه سوف يكون هناك في كل عام أشخاص يستلمون الزكاة وأشخاص يدفعون الزكاة.

5) أن نصيب مستلمي الزكاة من الدخل يقل عن نصيب دافعي الزكاة.

6)أن مستلمي الزكاة لا يدفعون زكاة أو ضرائب على دخولهم أي أن دخلهم المتاح يعادل دخلهم الإجمالي.

باستخدام هذه الافتراضات أوضح بالأسلوب العلمي أن كلا من الميل المتوسط للاستهلاك والميل الحدي للاستهلاك في مجتمع إسلامي يكونان أكبر من نظيرهما في مجتمع غير إسلامي لا يتمتع بوجود فريضة الزكاة.

لأنّ الزكاة بفعل كونها أحد خصوصيات النظام الاقتصادي الإسلامي مصدر حقن للطلب الكلي من خلال تأثيرها على رفع مستوى الاستهلاك الكلي الخاص، كما تعتبر عنصرا من عناصر الحركة التلقائية للنظام الاقتصادي باتجاه التوازن (د. عبد الباري بن محمد علي مشعل، 2001).

إذن تؤدي الزكاة إلى زيادة الميل الحدي والمتوسط للاستهلاك لدى مستلميها وذلك في المدى القصير وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع دالة الاستهلاك في المجتمع.

رابعا: أثر الزكاة في الحافز على الاستثمار ومحاربة الاكتناز.

تعتبر الزكاة إحدى السياسات المالية العامة في تحفيز الميدان التنموي فهي بمثابة دافع للأموال نحو الاستثمار.لقوله تعالى: يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:  276] فالزكاة تعد بمثابة دافع للأموال نحو الاستثمار، وطالما أن الإسلام لا يقر أسلوب التوظيف المالي، فإن هذا الاستثمار سيكون في أصول إنتاجية تحتفظ بالقيمة الحقيقية لرأس المال في صورة قوة شرائية حقيقية وهو ما يعني تحقيق هدف المحافظة على رأس المال الحقيقي أي المادي والزكاة تعمل على ذلك من خلال عدم سريانها على الأصول الثابتة(د. سامي نجدي رفاعي، 1983).

ويعد الاكتناز من أهم العقبات في سبيل التنمية الشاملة المستمرة، وذلك لتقييده لمستوى النشاط الاقتصادي وتعطيل الموارد الإنتاجية، إذ يطلق بعضهم على أثر الاكتناز مرض تصلب الشرايين سواء أكان على مستوى الفرد أم على المستوى الحكومي، ذلك أن اكتناز أحد موارد الإنتاج يؤدي إلى عدم تمكن مستوى النشاط الاقتصادي من الوصول إلى الاستخدام الأمثل للموارد الإنتاجية المتاحة، إذ أن دفع المال المكتنز إلى الاستثمار الحلال هو الأساس من فرض الزكاة.

فالزكاة تمثل إنقاصاً تدريجيا للأموال المكتنزة القابلة للنماء، حيث أن استقطاع 2,5 % من الأموال التي تتجاوز النصاب يؤدي إلى استقطاع 10 % من الأموال المكتنزة في أقل من خمسة سنوات، وبالتالي فإن الزكاة تعتبر أداة فعالة لحفز الأموال والثروات المعطلة والصالحة للنماء للمشاركة في الإنتاج (فاطمة محمد عبد الحافظ حسونة، 2009).

وتعمل الزكاة على تحويل الموارد المكتنزة إلى مجالات الادخار وقنواته الرسمية، وبالتالي زيادة القدرات الاستثمارية وتنمية التراكم الرأسمالي في المجتمع وذلك يؤدي إلى تخصيص جزء من مدخرات الأفراد للأنشطة والمجالات التي تساهم في تطوير الاستثمار من مصادر مالية زكوية حتى يحافظ أصحاب الأموال على مدخراتهم ومواردهم لكي لا تقلل منها الزكاة في حالة عدم استثمارها وذلك بمعدل تخفيض للأموال المكتنزة يصل إلى 2,5 % سنوياً وتستمر في التناقص حتى تبلغ مقدار النصاب كما في الشكل(أ. د. صالح صالحي، 2006):

الشكل رقم (02):  أثر الزكاة على الأموال المكتنزة.

كما أن الإنفاق على الغارمين يؤدي إلى تقليل مخاطر الاستثمار، ويساعد ذلك على استقرار سوق الاقتراض (الائتمان) حيث أن هذا المصرف يعطي الثقة للدائن والمدين، وقد تكون هذه المصلحة عملاً من أعمال الإنتاج والتنمية التي تنفع المجتمع فالشريعة حيث تساعد على الوفاء بدينه من مال الزكاة تملأ صدور المقرضين طمأنينة على أن قروضهم لن تضيع (د. يوسف القرضاوي، 2001).وبهذا تعمل على إشاعة وتثبيت أخلاق المروءة والتعاون والقرض الحسن، كما تساهم في محاربة الربا. في هذا الجو تزداد حركة الأموال، وحركة الأيدي والعقول، وتعمل كل الطاقات لتنمية إنتاج الأمة، وبذلك تكون الزكاة وسيلة تأمين فريدة من نوعها غير موجودة في أي نظام غير النظام الإسلامي.

لقد عرف القرآن الكريم مفهوم مضاعف الزكاة في قوله تعالى:" مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 261] هذا المضاعف ليس ثواب الله فقط بل يمتد ذلك إلى النواحي المادية، حيث أن الزيادة في الاستثمار تؤدي إلى زيادة في الدخل بمقدار يفوق الزيادة الأصلية في الاستثمار، فإنفاق الزكاة يشمل الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الاستثماري، فالأول يتمثل فيما ينفقه الفقراء عند تسلمهم أموال الزكاة المستحقة، ولقد رأينا سابقاً كيف أن الميل الحدي للاستهلاك لدى الفقراء يكون مرتفعاً هذا ما يؤدي إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي.أما الإنفاق الاستثماري فيتم في حالة إقامة المشروعات الخاصة بواسطة الدولة لبعض أصحاب المصارف أو شراء الآلات والأدوات لبعض المستحقين والقادرين على العمل كما يتم بصورة غير مباشرة بواسطة المنتجين لمقابلة الزيادة في الطلب الكلي وبالتالي زيادة المبيعات والأرباح، ويرتفع معدل النمو الاقتصادي مما يؤثر بالزيادة في الدخل الوطني (حمداني نجاة،2009).

ويمكن الإشارة إلى أن الزكاة بدفعها الأموال العاطلة إلى ميدان الاقتصاد فإن المشروعات سوف تعتمد على المدخرات القومية وبالتالي يعتمد الاقتصاد القومي على رأس المال الوطني بدل اعتماده على التمويل الخارجي.

المراجع

1.    حمداني نجاة، (2009)، أهمية صندوق الزكاة كمؤسسة إسلامية في التنمية الاقتصادية، مرجع سابق، ص159.

2.    د. يوسف القرضاوي، (2001)، دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية، دار الشروق، القاهرة، ص46.

3.    مختار محمد متولي، (1983)، التوازن العام والسياسات الاقتصادية الكلية في اقتصاد إسلامي، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، م1، ع1، ص ص 5، 7.

4.    محمد مختار متولي، (1985)، رد على تعليق أحمد فؤاد درويش ومحمود صديق الزين، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، م2، ع2، ص ص159، 164.

5.    د. نادية حسن محمد عقل، (2011)، نظرية التوزيع في الاقتصاد الإسلامي، دراسة تأصيلية تطبيقية، دار النفائس، الأردن، ص271.

6.    د. سامي نجدي رفاعي، (1983)، دراسة تحليلية لآثار تطبيق فريضة الزكاة، المنهج الاقتصادي في الإسلام بين الفكر والتطبيق، المؤتمر العلمي السنوي الثالث، المنصورة، القاهرة، ص 1701.

7.    د. عبد الباري بن محمد علي مشعل، (2001)، آليات التوازن الكلي في الاقتصاد الإسلامي، بحث مقدم لنيل شهادة الدكتوراه، الرياض، السعودية ، ص56.

8.    فاطمة محمد عبد الحافظ حسونة، (2009)، أثر كل من الزكاة والضريبة على التنمية الاقتصادية، أطروحة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في المنازعات الضريبية، نابلس، فلسطين، ص122.

9.    أ. د. صالح صالحي، (2006)، المنهج التنموي البديل في الاقتصاد الإسلامي، دار الفجر، القاهرة، ص267.

10.           د. غازي عناية، (1989)، الاستخدام الوظيفي للزكاة في الفكر الاقتصادي الإسلامي، دار الجيل، بيروت، ص24.