العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الزكاة كأداة فعالة في تحقيق التنمية الاقتصادية

بوكليخة بومدين

ماجستير في العلوم الاقتصادية تخصص التحليل المؤسساتي والتنمية

الحلقة (1)

الملخص

 بعد التغيرات الكبيرة التي طرأت على مفهوم التنمية خاصة "تقرير البنك الدولي في نهاية عقد الثمانينات، أصبحت التنمية تعرف بأنها: عملية متعددة الأبعاد تتضمن تغيرات جوهرية في التكوين الاجتماعي، والقيم والمؤسسات العامة، بما يمكن من الإسراع بمعدل النمو الاقتصادي، وتقليص الفقر والبطالة، وتقليل التفاوت في توزيع الدخول، ومن ثمّ تحقيق التنمية الاقتصادية. غير أن الإسلام كان هو السبّاق في علاج هذه المشاكل من خلال الدور الكبير الذي تلعبه الزكاة في تحقيق التنمية الاقتصادية باعتبارها من أهم موارد الدول المالية، والمحرك الفعال الذي يحث المسلمين على استثمار أموالهم حتى لا تأكلها الصدقة، ونقل الأموال من الأغنياء إلى الفقراء هذا ما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك ومنه الاستثمار، وبالتالي حدوث انتعاش اقتصادي في البلد.

Abstract

 After the great changes that have taken place on the concept of development, especially " the World Bank report at the end of the eighties , development has become known as a multidimensional process include fundamental changes in the social structure , values ​​and public institutions, so as to accelerate the rate of economic growth, and reduce poverty and unemployment, and reduce disparities in the distribution of income , and achieve economic development is that Islam was a race in the treatment of these problems through the large role played by Zakat in achieving economic development as one of the most important resources of States of Finance, and the engine effectively , which urges Muslims to invest their money so do not eat charity, and the transfer of money from the rich to the poor, this is what leads to increased consumption from investment and thus economic recovery in the country.

المقدمة

 تعتبر الزكاة من أهم الأدوات المالية التي يستخدمها النظام الاقتصادي الإسلامي لتوفير الكفاية لكل مسلم، فالزكاة: هي الأداة المثلى في الإسلام التي تدمج الجانب الروحي والمادي، فهي تكليف مالي عقائدي يدخل في صميم الأعمال الإيمانية، وتكتسب حرمة دينية غير موجودة في أي من مصادر التمويل الأخرى، من هنا يظهر أثرها العظيم في النواحي الاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على إعادة توزيع الدخل والثروة، وحل العديد من المشكلات الاقتصادية الناجمة عن البطالة والفقر وكنز المال وعدم استثماره، وتشكل الزكاة أداة أساسية في النموذج التنموي الإسلامي لذلك سنقوم بشرح كيفية تأثير الزكاة على التنمية من خلال المحاور التالية:

أولاً:أثر الزكاة على السياسة النقدية.

ثانياً:الزكاة أداة توازن اقتصادي.

ثالثاً:أثر الزكاة على الاستهلاك.

رابعاً:أثر الزكاة في الحافز على الاستثمار ومحاربة الاكتناز.

خامساً:دور الزكاة في حل المشكلات الاجتماعية.

أولا: أثر الزكاة على السياسة النقدية.

1.     أهمية الزكاة في تحقيق الاستقرار النقدي.

 إن استقرار النقد هدف تسعى إليه كل دول العالم، وتعتبر الزكاة أداة مالية مساعدة ومكملة لأدوات السياسة النقدية في حالة تحقيق الاستقرار النقدي، ذلك لأن التأثير في نسبة 10 % إلى 14 % من الدخل القومي في مرحلة الجمع والتحصيل أو في مرحلة الإنفاق والتوزيع لها أهميتها في المساعدة على التخفيف من حدة الاضطرابات النقدية، ويتوقف ذلك على طريقة تحصيل الإيرادات من الأوعية الزكوية، وبالتالي تنمو حصيلة الزكاة ،وتتجدد بنمو وتطور النشاط الاقتصادي، فإذا أخذنا الجزائر كمثال على التأثير النقدي للزكاة نجد أن الناتج القومي يزيد عن 51 مليار دولار سنوياً فباعتبار أن الجزائر دولة تملك موارد معدنية وطاقوية تبلغ 10 % كمتوسط.

 نلاحظ بأن حصيلة الزكاة تقدر بـ5,1 مليار دولار أي حوالي 408مليار دينار (سعر الصرف 1 دولار 80 دينار)، فالتحكم في طريقة تحصيل وإنفاق هذه الحصيلة له تأثيرات إيجابية في مجال تحقيق الاستقرار النقدي الذي يتناسب مع طبيعة الأوضاع الاقتصادية السائدة (أ.د. صالح صالحي، 2006).

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المضطربة مثل حالات التضخم والانكماش يمكن الاستفادة من الزكاة في تحقيق الاستقرار النقدي.

أ.حالة التضخم:

 التضخم هو الزيادة في كمية النقود التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، سواء أكانت هذه الزيادة من حيث العرض (الإصدار النقدي) أم الطلب (الإنفاق النقدي)، أم هو ارتفاع مستمر في مستوى الأسعار (د. ضياء مجيد الموسوي، 2006). وتلعب الزكاة دوراً هاماً في التخفيف من آثار التضخم عن طريق الجمع والتحصيل.

أ.1. الجمع النقدي لحصيلة الزكاة:

 من أجل التقليل من حجم الكتلة النقدية في الاقتصاد وصولاً لتحقيق المصلحة الحقيقية الهادفة إلى تخفيض حدة التضخم والتقليل من انعكاساته السلبية. ونجد في هذه الحالة أقوالاً لعدد من الفقهاء بجواز إخراج القيمة من الزكاة، فقد منعها كثيرون وأباحها بعضهم، وفي كلامهم ما يدل بشكل واضح أن الجواز والمنع هما بحق المزكي نفسه، أما إذا كان ذلك من مصلحة الفقراء، ومصلحة الأمة من مصلحتهم، وكانت الدولة هي التي تقرر الجباية عيناًونقداً، فإن لذلك ضوابط أخرى تحددها المصلحة العامة (د. مندر قحف، 1999)، إلا أن القول الراجح ما ذكره ابن تيمية في قوله: " وأما إخراج القيمة للحاجة أو للمصلحة أو للعدل فلا بأس به.."، وبذلك تستطيع الدولة أن تجمع الزكاة نقداً عند جمع الأموال الزكوية باعتبار أن ذلك يؤثر تأثيراً مباشراً في اتجاه محاربة التضخم، وبإمكان الحكومة أن تحدد نسبة معينة حسب الوضع التضخمي، كما بإمكانها توزيع قيمة ما تحصله سلعاً عينية.

أ.2. الجمع المسبق لحصيلة الزكاة:

 تستطيع الدولة أن تلجأ إلى الجمع المسبق لحصيلة الزكاة بغية تخفيض الكتلة النقدية المتداولة للحد من الآثار السلبية للتضخم ويكون ذلك حسب الظروف السائدة، ويتم عن طريق التراضي بين الهيئة المشرفة على عمليات الجمع والتحصيل وأصحاب الأموال، أما من ناحية وجوب تقديم الزكاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم تحصيل الزكاة من عمه لعامين.

ب.حالة الانكماش:

تقوم الدولة باستعمال الأدوات الإيرادية المتعلقة بالزكاة من أجل التأثير في حركة النشاط الاقتصادي عن طريق:

ب.1. الجمع العيني للزكاة:

 تقوم الدولة بأخذ زكاة الأموال عيناً كيلا يؤثر على الكتلة النقدية ،وتقوم بتوزيعها على المحتاجين على شكل نقود مما يساعد على توفير السيولة النقدية في البلد، ويكون ذلك حسب الوضع السائد ودرجة الانكماشية أي على حسب مقدار الانكماش تكون نسبة الجمع العيني.

ب.2. تأخير جمع الزكاة:

 كما قد تلجأ إلى تأجيل جباية حصيلة الزكاة كما ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أخر جمع الزكاة في الحجاز عام الرمادة، وهو تأجيل مؤقت يزول بزوال الظرف الطارئ.

ب.3. زيادة الإنفاق الاستهلاكي الزكوي:

 ويكون ذلك من خلال رفع نسب التوزيع النوعي ضمن المصارف الثمانية بصورة تؤدي إلى زيادة الطلب في الاقتصاد الوطني بشكل يساهم في تغيير مستويات الانكماش والعودة إلى النمو.

ثانياً: الزكاة أداة توازن اقتصادي.

 يتحقق التوازن على مستوى الاقتصاد الكلي عندما تكون السحوبات تعادل الإضافات من الدخل، ويعتبر هذا الشرط ضرورياً لتحقيق التوازن في الدخل القومي، أما إذا كانت الإضافة على الدخل أكبر من السحب الذي يقابلها فإن التوازن يتحقق في الدخل القومي وعند مستوى أعلى من التوازن.

 والزكاة بالنسبة لدافعها هي اقتطاع من الدخل، وهي بمثابة دخل جديد لمن يقبضها والمفروض أن يكون الدخل الجديد يعادل الاقتطاع من الدخل الذي حصل نتيجة فرض الزكاة، لكن الذي يحصل جراء ذلك أن الدخول الجديدة تكون أكثر من الاقتطاع الأصلي من الدخل، وهذا ما يجعل التوازن في الدخل القومي في المجتمع الذي تفرض فيه الزكاة عند وضع أعلى مما يمكن أن يكون عليه في غياب الزكاة لذلك سنقوم بتوضيح ذلك عن طريق فكرة المضاعف (مضاعف الاستثمار)، والمعجل وأثره على الاستثمار "Accelerator"(طاهرحيدر حردان، 1999).

لدينا المعطيات التالية:

 Y: الإنفاق القومي 

C : الإنفاق الاستهلاكي 

I: الإنفاق الاستثماري.

Z: الزكاة.

C0:الإنفاق الإستهلاكي

b: الميل الحدي للاستهلاك.

نفرض أن:

20: Iمليون دينار.

20: C0 مليون دينار.

0, 75= b

أ. حالة مجتمع قبل فرض الزكاة:

معادلة الدخل الوطني تكون كما يلي:

Y=C+I

ب. حالة وجود الزكاة بنسبة 2,5 %:

تصبح المعادلة كما يلي:

نلاحظ أن وجود الزكاة بنسبة 2,5 % (بمقدار 4 مليون دينار) قد أدى إلى زيادة الدخل القومي بنفس المقدار أي 4 مليون دينار.

جـ. المعجل:

تقول فكرة المعجل أن هناك نسبة ثابتة بين الإنتاج ورأس المال، فإذا زاد الإنتاج فلابد أن يزيد رأس المال للمحافظة على نفس النسبة، ونعبر عن المعجل بالمعادلة التالية: 

W: هي نسبة رأس المال إلى الإنتاج وهي ثابتة (المعجل).

K: رأس المال.

Y: الإنتاج.

- نستطيع كتابة المعادلة رقم (1) على الشكل التالي:

K=W.Y

ولأن لو تغيرتلابد أن تتغير Kتصبح المعادلة:

بعودتنا إلى المثال السابق الذي وجدنا فيه الدخل القومي الذي هو الناتج القومي قد زاد بـ 4 مليون دينار بوجود الزكاة، فما هو تأثير ذلك على رأس المال في المجتمع الذي هو الاستثمار وعلى افتراض أن المعجل يساوي 30 %.

إذن الزيادة في الدخل القومي الناجمة عن الزكاة أدت إلى زيادة في الاستثمار بمقدار1,2 مليون دينار.

د. المضاعف:

يعني مضاعف الاستثمار أن كل زيادة في الاستثمار تؤدي إلى زيادة أكبر منها في الدخل القومي وذلك بأضعاف مضاعفة.

Y∆: التغير في الدخل القومي.

I∆: التغير في الاستثمار.

فإذا كانت الزيادة في الاستثمار تساوي 1, 2 دينار.

بالتعويض نجد:

وهكذا في كل مرة نحصل على توازن جديد في الدخل القومي عند مستوى أعلى مما كان عليه في السابق فالزكاة بالإضافة إلى أنها فريضة من الله و ركن من أركان الاسلام فهي أداة توازن اقتصادي و اجتماعي هذا ما أثبتته النتائج التي حققتها الزكاة عبر التاريخ عندما تم تطبيقها و الإشراف عليها بشكل جيد.

المراجع

1.     طاهر حيدر حردان، (1999)، الاقتصاد الإسلامي ( المال-الربا-الزكاة)، دار وائل للنشر، عمان، ص179.

2.     د. منذر قحف، (1999)، دور السياسات المالية وضوابطها في إدارة الاقتصاد الإسلامي، موسوعة الاقتصاد الاسلامي، دار الفكر المعاصر، لبنان، ط1، ص48.

3.     أ. د. صالح صالحي، (2006)، المنهج التنموي البديل في الاقتصاد الإسلامي، دار الفجر، القاهرة، ص616.

4.     د. ضياء مجيد الموسوي، (2000)، الاقتصاد النقدي، مؤسسة شباب الجامعة، الجزائر، ص 213.