العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تفعيل نظام الرقابة الذاتية للاستاذ الجامعي لتحسين جودة التعليم العالي

وليد خالد صالح

باحث في الاقتصاد

الملخص:

يهـدف البحـث إلى التعـريف بنـظام الرقــابة الذاتــية، وكــيفيـة تفعــيل هــذا النـظام والـذي هــو مـوجـود داخل كـل واحـد منا. ومــن ثم تـطرق البحــث إلى كيــفية تفعــيل هــذا الــنظام في الأستاذ الجــامعي، وذلك لوضـع أسس نحــو الارتــقاء بمـستوى التــعليم العالــي، وتحــقيق الجــودة فــي المؤسسات التعليـــمية وعـــليه فـقـد ركــز البـحث علـى أهم الأسباب الـتي تــسبب انخفاض مستوى الرقــابة الذاتيــة للأستاذ الجامعــي, على اعـــتبار إن تشخيـص هـــذه الأسباب سيساعد على معالجة المشاكل التي يتعـرض لها, ومــــن ثم تفعيل نظام الرقابــة الذاتــية. وقد توصل البحث إلى مجموعة من الاستنـتاجات أهمها عــدم وجــود برامــج وخطــط جـــادة تهــدف إلى تــطــوير واقع الأستاذ الجامــعي وحــتى بعــد حصـوله على شهـــادة الدكــتوراه أو بعــد حصــوله عــلى الترقية العلمــية إضافة إلى عـدم توفر الموارد المــاليـة الــكافــية لسـير العــملية الــتعليمــية وفــق الشكـل الـذي يجـب أن يكــون علـيه سـواء من حـيث أجور الــتدريسيين أو الموارد المخصــصة لــدعم البحــوث والــدورات التطويرية والمشاركة في المؤتمرات.

المقدمة:

لقد أقرّت النصوص الشرعية بأن الله تعالى رقيب على كل لحظات العبد وسكناته، وهو تعالى عالم الغيب والشهادة. وهذا ما ذكر في القرآن والسنة فقال تعالى " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجال كثيرا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" (النساء١ ). وقال رسول الله صلى الله علية وسلم في الحديث الصحيح " اعبد الله كأنك تراه فأن لم تكن تراه فأنه يراك".

إذن المقصود بالرقابة الذاتية هو إحساس العنصر البشري أيا كان موقعه سواء أكان في المعمل أم الجامعة أم أي مكان أخر بأنه مكلف بأداء عمل ما وعليه أن يؤدي هذا العمل على أكمل وجه لأنه مؤتمن عليه من دون وجود رقيب. حيث أن وصول الفرد إلى هذا المستوى من الرقي يعني أن النجاح أكيد وفق هكذا روح في العمل. إذن ينبغي أن يراقب الإنسان نفسه، وأن يكون مخلصاً في عمله لأن ذلك يعتبر أحد العوامل الأساسية لتحقيق الجودة في التعليم العالي.

مشكلة البحث:

إن الهدف الرئيسي لأي نظام رقابة هو التوفيق بين سلوك وتصرفات العاملين في أي مؤسسة وأهداف تلك المؤسسة، وعلى هذا الأساس فإن من الطبيعيّ عدم وجود نظام رقابة ذاتية فعال وقوي لدى الكثير من الأساتذة الجامعيين وبالتالي لا يمكن أن نتوقع بشكل عام تحقيق أهداف العملية التعليمية، وتصبح عملية تحقيق الجودة في التعليم العالي التحدي الأكبر الذي يواجه جامعاتنا، وهذا ما لاحظناه في السنوات الأخيرة من طفرات علمية متزايدة من قبل الجامعات الغربية لكل التصنيفات التي تصدر من قبل منظمات عالمية معترف بها في حين كانت أغلب الجامعات العربية تقبع في مؤخرة تصنيفات هذه المنظمات، والسبب يكمن في نوعية التدريسيين ومؤهلاتهم العلمية وجودة البحوث والنتائج التي تم التوصل إليها والمنشورات الأكاديمية وحتى في نوعية التعليم وعدد الطلبة في القاعة الواحدة واستقطاب أساتذة أجانب. إن هذا يدل على وجود مشاكل وعقبات عديدة يتعرض لها الأستاذ الجامعي يجب تشخيصها تشخيصاً سليماً، والسعي بأسرع ما يمكن إلى وضع الحلول اللازمة للمعالجة.

أهمية البحث:

تبرز أهمية البحث من خلال تناول موضوع الرقابة الذاتية باعتباره من المواضيع حديثة العهد، وأثر الرقابة على جودة التعليم العالي ودراسة وتشخيص أهم المشاكل والأسباب التي تؤدي إلى انخفاض مستوى الرقابة الذاتية لكل فرد والمتمثل في بحثنا بالأستاذ الجامعي، ومن ثم اقتراح حلول لأجل تقديم خدمات بمستوى متميز من الجودة تستطيع من خلاله جامعاتنا منافسة نظيراتها من الجامعات الأخرى في الدول المتطورة.

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى التعريف النظري بمفهوم نظام الرقابة الذاتية وأثر تفعيل هذا النظام على الأستاذ الجامعي ومن ثم أثر ذلك على جودة التعليم العالي. كما يهدف البحث إلى عرض أهم المشاكل التي تواجه الأستاذ الجامعي في جامعاتنا، وكيفية إيجاد الحلول الكفيلة من أجل وضع اللبنات الأساسية باتجاه الارتقاء بواقع التعليم العالي.

فرضية البحث:

يقوم البحث على فرضية مفادها أن التشخيص السليم للمشاكل والمعوقات التي تواجه الأستاذ الجامعي هي من الأوليات التي يجب عملها باتجاه تحقيق الجودة في مؤسسات التعليم العالي، وهذا يعني أن بناء نظام الرقابة الذاتية للأستاذ الجامعي من شأنه أن يؤدي إلى الارتقاء بالجامعات نحو الجودة في التعليم العالي.

تعريف الرقابة الذاتية:

عرف نظام الرقابة الذاتية بأنه: امتلاك المنظمات عملية رسمية موثقة من خلالها تستطيع الإدارة ( أو مجموعات العمل المنغمسة في وظيفة ما) من الحكم على مدى فعالية العمليات الموجودة، وتحديد ما إذا كانت فرص تحقيق بعض أو كل أهداف المنظمة يمكن تأكيدها بشكل معقول (1995,Jordaan)

وعرف نظام الرقابة الذاتية بأنه: إحساس العنصر البشري العامل بأنه مكلف بأداء العمل ومؤتمن عليه من غير حاجة إلى مسؤول يذكره بمسؤولياته (العمر، 1:1997).

ومن التعاريف الأخرى لنظام الرقابة الذاتية بأنها: تقنية إدارية تهدف لاحتواء المخاطر وضمان وجود نظام تحكم في العمل بشكل فعال. (Kubitscheck,22:2000 )

وقد عرف أيضاً بأنه: وسيلة يتم بواسطتها فحص وتقييم فعالية نظام الرقابة الداخلية بهدف تقديم تأكيد معقول بأنه يمكن تحقيق كل أهداف المنظمة ((2:2006,Ernst&Young.

وعرف أيضا بأنه: منهج فعال من خلال توفير إطار لمساعدة المؤسسات على إدارة المخاطر من أجل تحقيق أهدافهم، كما أنه يحتوي على نهج منظم لتوثيق أهداف العمل والمخاطر والضوابط وجودة الإدارة التنفيذية والموظفين (2012,Haus).

ويرى الباحث أن نظام الرقابة الذاتية ببساطه هو: وسيلة لمساعدة المنظمة لتحقيق أهدافها، وهي تعتبر أهم عامل لنجاح المنظمة لأنها تغني عن كثير من النظم والتوجيهات والمحاسبة والتدقيق وغير ذلك...  وهي استشعار الفرد لرقابة الله تعالى عليه وهي أعلى مراتب الرقابة الفعالة، وهي صمام أمان لأي انحراف في سلوك الفرد.

لماذا الرقابة الذاتية:

إن كلمة رقابة ذاتية بالرغم من بساطتها فإنها تحتاج منا إلى جهد عظيم لتطبيقها ذلك التطبيق الفعلي لنجني منها الفائدة الكبيرة للمجتمع بأسره، وعندما نتفحص ما حولنا نرى أموراً كثيرة نستغربها بالرغم من أنها تكاد تكون عادية المشاهدة، ونتساءل في ذهول عجيب عندما نخلو بأنفسنا قليلا: لماذا نفعل هذا؟؟ هذا رجل عاقل واع يقف عند إشارة المرور يتلفت يمنة ويسرة, الطريق خالٍ لا وجود للرقيب يبادر إلى السير ويتجاوز إشارة حمراء وضعت من أجل سلامته، لماذا؟ فقط لأنه فقد الرقيب الداخلي بداخله فأين نحن من هذا كله؟ أين نحن كمجتمع وكأفراد من تطبيق هذا كله وديننا الإسلامي يدعوننا صراحة لتطبيق هذه الرقابة من خلال الخوف من الله تعالى. فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"(البخاري) فلا شك أن غرس الرقابة الذاتية في أفراد المجتمع سيولد لدى كل فرد منا رقابة ذاتية تعيننا بلا شك في تكوين مجتمع رائع، وسينسلخ المجتمع من جلده البالي الذي شققته المحسوبية والواسطة التي تأصلت في كل شيء، وتقدم الرقابة الذاتية مميزات ومنافع عديدة مما لو تم استخدام الرقابة التقليدية منها أنها تساعد على أن يصبح الموظف أكثر إلماماً ومســؤولية بخصــوص إجراءات الرقابة الفعالة والإحسـاس بالمخاطر وإدارتها (Ernst &young، مصدر سابق).

تعريف الجودة وجودة التعليم العالي:

اختلفت المفاهيم وتغيرت تبعاً لتغير الزمن والأساليب المستعملة في المنظمات للحصول على رضا الزبون، وقد حصل تنافس شديد بين المنظمات العالمية من خلال مفهوم الجودة. إذ أن المنظمات تقوم بتقديم منتجات أو خدمات تفي باحتياجات ومتطلبات الزبائن فلابد من أن تكون مرتبطة بمواصفات محددة وعلى هذا الأساس..

عرفت الجودة بأنها: عملية مستمرة من بناء و دعم العلاقات من خلال تقييم وتوقع وتلبية احتياجات الزبون (1:1996:Richard).

وقد عرفت الجودة بموجب قاموس أكسفورد الأمريكي على أنها: درجة أو مستوى التميز (ألنعيمي وآخرون 31:2009).

كما عرفت الجودة بأنها (سلمان، 2:2010 )

-         الملامح والخصائص لمنتج أو خدمة ما تمكنه من كسب رضا المستفيد وتحقق رغباته وتوقعاته.

-         القدرة على تقديم أفضل أداء وأصدق صفات.

-         تقنية لضمان بقاء واستمرار ميزة التنافس لمنتج أو خدمة ما.

-         تصور المنظمة لاحتياجات وتوقعات المستفيد حيث يحكم على جودة السلعة أو الخدمة بالمقارنة مع توقعاته، وما سيحصل عليه من المنظمة.

أما جودة التعليم العالي فقد عرفت وفق ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر اليونسكو للتعليم الذي أقيم في باريس في أكتوبر 1998 والذي نص على أن الجودة في التعليم العالي مفهوم متعدد الأبعاد ينبغي أن يشمل جميع وظائف التعليم وأنشطته (المناهج الدراسية , البرامج التعليمية ,البحوث العلمية, الطلاب, المباني, التعليم الذاتي الداخلي) (حسن ,4:2007).

كما عرفت على أنها: معيار للتميز والكمال تسعى من خلاله المنظمات التعليمية لتقديم أفضل ما لديها لزبائنها من أجل إرضائهم، وكسب ثقتهم، وأنها تسعى إلى ادخال السعادة إلى نفوس الزبائن وتحقيق رضاهم وأنها تعتمد الاهتمام في كل شيء، وبالتفاصيل على حد سواء من أجل الوصول إلى الغايات المنشودة. (ألغامدي،7:2007 ).

وقد عرفت جودة التعليم العالي على أنها: نشاط إداري هادف يستخدم مبادئ إدارة الجودة وفلسفتها لتطوير المدخلات والأنشطة والمخرجات في المنظمات التعليمية بما يعزز حالات التحسين المستمر لتحقيق رضا جميع الأطراف المستفيدة من التعليم ومخرجاته. (حافظ، 53:2011).

ويرى الباحث أن التعليم بلا شك هو محور ارتكاز الشعوب وسر حضاراتها، وأن جودة التعليم هي أهم أسباب تميزه وتميز مخرجاته المرجوة منه، وأن لجودة التعليم أسباباً ووسائل ينبغي تحقيقها سواء في جانب النظام التعليمي نفسه أو الجانب الإداري المساند له، وأن أبرز أسباب تحقيق الجودة في التعليم العالي هو جودة الأستاذ الجامعي الذي يعد من أهم عناصر العملية التعليمية باعتباره الركن الأساسي للأركان الثلاثة للتعليم الجامعي والتي هي (الأستاذ الجامعي، الطالب، الكتاب)، كما أن التميز الذي يصل إليه الأستاذ الجامعي ينعكس إيجابياً وبشكل كبير على الكفاءة الداخلية والخارجية للبرامج الأكاديمية ومن ثم إلى المجتمع وكما موضح في الشكل رقم (1).

وعلى هذا الأساس كانت هناك محاولات لتبني مفهوم الجودة في التعليم العالي والتأكيد على تطويره وذلك منذ أربع عقود ماضية، حيث تم بالأساس تطبيق برامج الجودة في التعليم العالي على الوظائف الإدارية وقد حصلت على النتائج الواضحة في عدد من المجالات مثل رضا الزبون وفرق العمل وتمكين العاملين والتغير الثقافي (315:2007,Anninos).

الشكل رقم (1)

اثر التعليم على المجتمع

المصدر: إعداد الباحث

أسباب ضعف نظام الرقابة الداخلية للأستاذ الجامعي:

إن ما حصل من تدهور في الرقابة الذاتية للأستاذ الجامعي هو ليس وليد الساعة فالمسألة متأصلة في تنامي الأجيال جيلا بعد جيل دون أن يكون هناك من ينبه إلى درجة المخاطرة لهذه المشكلة، والتي من الممكن أن تتعرض لها الأجيال القادمة. فكثير من المؤتمرات والندوات العلمية وفي مختلف الجامعات تناولت موضوع الجودة في التعليم العالي، ولكن من دون ذكر مسألة تفعيل نظام الرقابة الذاتية على اعتبار أن تفعيل نظام الرقابة الذاتية من وجهة نظر الباحث تعتبر الانطلاقة الأساسية والحقيقية نحو جودة التعليم العالي. إذن كيف نستطيع بناء هذا النظام؟ الجواب هو: النظام موجود داخل كل فرد منا لكن هناك عوامل عديدة تضعف هذا النظام يجب تشخيصها، وإيجاد الحلول لها وهي كالآتي، وكما موضحة في الشكل رقم (3): -

أولا/ الاكتفاء العلمي:

تعتبر القراءة من أهم وسائل الكسب المعرفي، فهي تمكن الفرد من الوصول المباشر لكل المعارف والعلوم وفي كل الأزمان لما فيها من أثر كبير في بناء شخصية الفرد. وللأستاذ الجامعي دور حيوي فهو بمثابة العمود الفقري في هيكل التعليم العالي وبالرغم من ذلك فهناك ضعف علمي واضح يصيب الكثير من أساتذة الجامعات سواء أكان في المجال العام للاختصاص أم التخصص الدقيق وحتى في بعض العلوم المساعدة، وهذا واضح جداً من النقاشات الدورية التي تحدث هنا وهناك في ثنايا الجامعات أو في العزوف عن المشاركة في المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تقام في فترات دورية وفي جامعات مختلفة رغم العلم المسبق للأستاذ الجامعي بموعد ومكان انعقاده. حيث نرى أن بعضهم وبمجرد الحصول على الشهادة العليا تنقطع عملية التغذية بالمعلومات سواء أكان عن طريق القراءة أم البحث العلمي أم الاطلاع أم أي وسيلة أخرى. في حين كان الأجدر بالأستاذ الجامعي أن يتقن عمله من خلال القراءة المستمرة والاطلاع على ما هو جديد والتحضير الجيد لمحاضراته، والتهيؤ الجيد لجميع الأسئلة التي قد تطرح من قبل الطلاب في المحاضرة وأن عليه أن يعرف أن الطالب الجامعي يميز جيداً بين الأستاذ الجيد عن غيره.

فيجب على الأستاذ الجامعي سواء بعد الحصول على شهادته العليا أو الحصول على الترقية العلمية الاستمرار في القراءة ضمن تخصصه وزيادة التبحر والتعمق وألا يمتنع عن اقتناء ما يصدر من كتب جديدة أو مجلات علمية حديثة أو دوريات ذات صلة بتخصصه. كما يجب على الأستاذ الجامعي أن يكون على اطلاع على كل التخصصات المتجددة والمتطورة والتي تتأثر بما يحدث من اكتشافات وما يوضع من نظريات جديدة وأن يكون متابعا لكل ما استجد في تخصصه سواء من خلال الدوريات والبحوث والمؤتمرات.

كما من المهم جداً التنوع الدوري في المواد التي يتم تدريسها لأن ذلك من شأنه إجبار الأستاذ الجامعي على قراءة مواد جديدة والتهيؤ لها وهذا الدور يمكن أن يقع على عاتق الأقسام المعنية.

وبالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون هناك دور بارز في مجال البحث العلمي وألا تختصر نظرة الأستاذ على البحث العلمي لأغراض الترقية العلمية فقط وعند الحصول على الترقية يتوقف جزء مهم من عمل الأستاذ الجامعي والمتمثل في البحث العلمي ومن دون البحث العلمي سوف لن نتمكن من اكتشاف الحقائق الجديدة كما يعتبر البحث العلمي من أهم الطرق لكسب المعرفة، وهذا يعني أن أهمية البحث العلمي تتجلى في كونه العامل الأساس في الارتقاء بمستوى الأستاذ الجامعي فكرياً وثقافياً ومدنياً بحيث تتحقق فيه أهلية الاستخلاف في الأرض والتي شرف بها الله عز وجل الإنسان.

ثانياً/ علاقة الأستاذ الجامعي بالإدارة

إن غياب الديمقراطية وروح الحوار الأكاديمي الخلاق في جامعتنا هو من أهم أسباب تخلف التعليم العالي. وهذا الغياب يولد نوعاً من الاستبداد الذي تمارسه إدارات الجامعات أو الكليات ضد أساتذتها، وهذا يمكن أن يجعل الأستاذ الجامعي في دوامة من القلق والتفكير والتوتر، ويصبح عاجزاً عن الإسهام والمبادرة والإبداع وهذا كله قد يسبب توتر العلاقة بين الإدارات الجامعية والأستاذ الجامعي مما ينتج عنه عدم القدرة على الخوض في حوار علمي أخلاقي، وتكون العلاقة في تجاذبات مستمرة، والتي سينتج عنها تقاعس الأستاذ الجامعي في عمله وأداء واجباته الأكاديمية، وبالتالي الخروج عن طوره الذي يجب أن يكون عليه. ولربما يصبح هذا التقاعس نوعاً من الانتقام للذات، وبالتالي سيؤدي إلى تعطيل الطاقة الإبداعية وكبت لقدراته العلمية.

كما أن الرقابة الذاتية تقل إلى أدنى مستوياتها، وتصل لدرجه إضاعة الأمانة عندما تكون الإدارة سيئة وخصوصاً في حالات المزاجية في اتخاذ القرارات أو المحسوبية في التعيينات أو الترقيات وبكل تأكيد يتسبب هذا بمشاكل كثيرة داخل الجامعات تصل إلى عدم إنجاز العمل بالشكل المطلوب وعدم الانضباط في الدوام وقلة الابتكار والإبداع والمشاركة.

ثالثاً/ علاقة الأستاذ الجامعي بزملاء المهنة

التعليم مهنة سامية ذات دور رئيسي في نمو المجتمعات وتطورها، ومن هذا المنظور فإن الأستاذ الجامعي هو المسؤول عن الالتزام الأخلاقي في أدائه لعمله وفي علاقته مع الآخرين من زملاء المهنة سواء أكانوا في جامعته أم في الجامعات الأخرى، ويعتقد الباحث أن هناك مجموعة من الأخلاقيات التي يجب أن يتصف أو يتحلى بها الأستاذ الجامعي وهي كالأتي:

-         احترام زملاء المهنة وبناء علاقات طيبة معهم.

-         مساندة الزملاء مهنيا وأكاديميا.

-         تسوية أي خلاف بينه وبين زملائه أو بين زملائه فيما بينهم بطرق ودية وعقلانية.

-         عدم التقليل من شأن زملاء المهنة بوجودهم أو بغيابهم.

-         احترام أهمية اختصاصه واختصاص الآخرين.

-         احترام خصوصيات الزملاء.

-         الحرص على بناء علاقات طيبة داخل القسم.

رابعا / الدعم المالي

يقصد بالدعم المالي: المساهمة المالية المباشرة أو غير المباشرة المقدمة من قبل وزارة التعليم العالي أو الجامعات إلى التدريسيين لتلبية كافة احتياجاتهم ومتطلباتهم الاجتماعية والعلمية من اجل النهوض بالواقع المعيشي والعلمي لهم وكما موضح في الشكل رقم (2)، وقد يأخذ الدعم المالي أشكالا متعددة:

-         الرواتب:

هي ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي نهاية كل فترة، والتي عادة تكون شهرياً حيث يجب أن يكون الراتب الذي يتقاضاه الأستاذ الجامعي يكفي لسدّ احتياجاته ومتطلباته الأساسية والثانوية فلو تم مقارنة الرواتب التي يتقاضاها الأستاذ الجامعي وخصوصا في المنطقة العربية كالعراق وسوريا والأردن واليمن ومصر وبعض الدول الأخرى سنجد الفرق شاسعاً بين ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي في الدول المعنية مع أقرانه في الدول المتطورة، وهذا الانخفاض في الأجر سيؤدي بالأستاذ الجامعي إلى ممارسة أعمال خارج إطار العمل الجامعي بل قد يذهب إلى أبعد من ذلك فلربما يتجه إلى التدريس الخصوصي، أو طرق ملتوية أخرى، وذلك كله من أجل تلبية متطلبات العيش له ولعائلته، وهذا بالتالي سيؤدي من دون أي شك إلى انشغال الأستاذ الجامعي مما يتسبب في انخفاض جودة التعليم العالي.

-         المكافآت:

هناك دور كبير لعملية مكافأة الأساتذة المتميزين على سير العملية التعليمية حتى وإن كان بشكل دوري سنوي، ومهما كانت أشكال المكافآت مادية (نقدية ) أو معنوية تكون على شكل توجيه كتب شكر أو توزيع جوائز معينه أو أي صورة أخرى تراها الجامعات مناسبة، حيث سيعزز هذا روح الانتماء إلى الجامعة وبث روح المثابرة، ويخلق التنافس بين التدريسيين فيما بينهم، والفعل المعاكس يولّد الحال المعاكس تماما فنرى الرتابة والتكاسل وحتى الاستهتار في أداء العمل، وبكل تأكيد فان ذلك سيؤثر على جودة التعليم العالي.

-         الدعم المالي للمشاركة في المؤتمرات:

 إن مشاركة أساتذة الجامعات في المؤتمرات والندوات العلمية لها أهمية كبيرة لما لها من فوائد عظيمه تتمثل بصقل وتطوير الخبرات العلمية للمشاركين، وهنا ينبغي على كل المتخصصين المعنيين المشاركة في هذه المؤتمرات والحضور سواء أكانت هذه المؤتمرات داخل حدود البلد أم خارجه. وفي كلتا الحالتين من هو الداعم المالي لهذه المشاركة؟ وهل ستتحمل الجامعة تكاليف المشاركة والسفر والإقامة والطعام والشراب إلى بقية التكاليف أم سيتحملها الأستاذ الجامعي وحده؟ وإن تحملها لمرة واحدة على نفقته الخاصة هل يستطيع أن يتحمل هذه التكاليف مرة أخرى؟ وهنا سيعزف الأستاذ الجامعي عن هذه النشاطات، وسيبتعد عن المشاركات في هذه المؤتمرات، وبالتالي سوف يكون بعيداً جداً عن التطورات الحديثة في اختصاصه. ودعونا نتصور كم من الضرر سوف يصيب التعليم العالي وجودته !!.

 

-         المساهمة في تكاليف البحث العلمي:

يعد البحث العلمي استثماراً يحقق نتائج تستخدم في كافة مجالات التنمية، وتشير كثير من المصادر بأن الإنفاق الحكومي على البحث والتطوير بشكل عام وإنفاق الجامعات على البحث العلمي بشكل خاص متباين بين الدول المتطورة وبين بلدان المنطقة العربية، وهذا سيشكل عبئاً كبيراً على الأساتذة الباحثين بسبب ارتفاع تكاليف البحث، والتي سيتكبدها الباحث. وهذا يؤدي بالنتيجة إلى عزوف الأساتذة عن كتابة البحوث أو إجراء التجارب أو استخدام طرق ملتوية لتمويل بحوثهم سواء من خلال التجاوز على حقوق التأليف والنشر والطبع... الخ.

-         دعم المشاركة في الدورات التطويرية:

يعتبر التدريب إحدى خطوات الاستثمار في البشر لتحقيق أهداف المنظمة لما يحققه من تكوين للكوادر القادرة على الإسهام بفاعلية في تحقيق التطور، وعلى هذا الأساس هناك أهمية كبيرة للدراسات التطويرية لزيادة القدرات المعرفية، وصقلها، والتعرف على أساليب التدريس الحديثة على اعتبار أن الدرجات العلمية التي يحملها أعضاء هيئة التدريس بنيت على أعمال بحثية، ولم تبن على الأساليب التربوية الحديثة حيث أن معايير الجودة العالمية في التعليم العالي تتطلب التدريب واستخدام الأساليب المتطورة والحديثة في التعليم لذلك تحرص الكثير من المؤسسات الأكاديمية على إقامة مراكز التعليم المستمر في الجامعات والتي توفر تدريباً مناسباً لمدرسيها ولموظفيها، وبالتالي فإن الاهتمام بجودة التدريس وكفاءة من يقوم به أمر مهم جداً في أي عمل أكاديمي، ولكن بالرغم من أهمية هذه الدراسات والدورات فهناك إقبال ضعيف على المشاركة فيها بسبب عدم وجود التخصيصات المالية لتغطية المشاركة في هذه الدورات. وهذا يؤدي بالأستاذ الجامعي إلى الشعور بالغبن وعدم الرضا الوظيفي، وكل هذا سينعكس بشكل أكيد على نوعية التدريس ومن ثم نوعية المخرجات في العملية التعليمية. 

شكل رقم (2)

اثر الدعم المالي على تطوير الأستاذ الجامعي

المصدر: إعداد الباحث

خامساً/ المحسوبية

 

تحدث الباحثون والمنظرون كثيراً عن المحسوبية، أو كما يطلق عليها في مجتمعاتنا "الواسطة" واختلفت وجهات النظر حول هذه الظاهرة، لكنهم أجمعوا على أنها محاباة الأقارب والأصدقاء المقربين بسبب قرابتهم وليس كفاءتهم في إنجاز أعمال معينه كأن تكون في مسالة تعيين أو ترقية أو إيفاد أو تكريم... الخ.

كما تعني المحسوبية: محاباة شخص أو جهة ما على حساب شخص أو جهة أخرى في تقديم فائدة معينة كان من الأولى أن تذهب إلى من هو أحق بها من الآخرين. ومن أبرز الأمثلة في التعليم العالي عن المحسوبية إسناد وظائف مرموقة إلى شخصيات معينه لها صلة قرابة أو صداقة شخصية أو اختيار مجموعة دون الأخرى للمشاركة في دورات خارجية أو توجيه كتب شكر وترقية إلى أشخاص معينين وهناك من هو أحق بها.

وبالتأكيد فان استشراء مثل هكذا آفات في مجتمعاتنا بشكل عام والجامعات بشكل خاص ولّد و سيولد روح الانتقام والتذمر لدى من ظلم. وبالنتيجة كل هذا يؤثر سلباً على سير العملية التربوية والتعليمية للتعليم العالي.

 

سادساً/ الطائفية والتحزب

 

تعد المؤسسات التربوية والتعليمية اللبنة الأساسية في بناء النسيج المجتمعي، وأي خلل يحدث هنا أو هناك في تلك المؤسسات لصالح أي فئة على حساب الفئات الأخرى يؤدي حتماً إلى تمزيق لحمة هذا النسيج وعلى هذا الأساس فلابد من حفظ هيبة الحرم الجامعي، وعدم إقحامه في النزاعات الطائفية والسياسية وضرورة السعي إلى تطوير المستوى التعليمي، وتعزيز دور الكفاءات العلمية وحمايتها، وتفعيل دور الجامعة الأساسي وهو تطوير المجتمع والتعامل مع الكفاءات العلمية على أساس مكانتهم العلمية والاجتماعية، وضرورة أن يكون التميز بين هذه الكفاءات العلمية قائم على الكفاءة بعيداً عن المسميات ويقصد بالطائفية هنا التعبير عن تشكيل مجموعة أو حزب أو جماعة ذات توجه معين والطائفية هي سلوك التعصب لتلك المجموعات والأحزاب وهي معان واردة في مقام الولاء لجهة دون جهة والاقتداء بتعاليم جهة دون جهة أخرى.

الشكل رقم (3)

العوامل المؤثرة في نظام الرقابة الذاتية

المصدر: - إعداد الباحث

الاستنتاجات والتوصيات:

أولاً/ الاستنتاجات

-         لقد أعطى الإسلام الرقابة الذاتية الأولوية الأولى، لأنها تشكل رقابة وقائية مانعة وتعتمد على عدم الانحراف عن السلوك القويم وترتبط بشكل مباشر بالقيم والأخلاق السائدة.

-         إن تفعيل نظام الرقابة الذاتية يعتمد - وبشكل كبير- على ثقافة الجامعة القائمة على التواصل، حرية التعبير في الرأي، بناء الثقة، الانتماء للجامعة، العدل.

-         يمكن اعتبار الرقابة الذاتية بأنها إجراءات الرقابة غير الرسمية أو غير الملموسة، وفي المقابل توجد الرقابة التقليدية (الملموسة ) مثل الرقابة على الأصول، التوقيع على الأحداث، والتحقق من العمليات، الجرد... .الخ. ومن السهل هنا تقييم الرقابة الملموسة، والتحقق من تطبيقها وجدواها، وعلى العكس من ذلك الرقابة غير الملموسة هناك صعوبة في إجراء التقييم لها أو التأكد من تطبيقها.

-         عدم وجود الدعم الكافي والمطلوب لتلبية متطلبات العملية العلمية سواء من حيث الرواتب المجزية أو المساهمة في تكاليف البحث العلمي أو دعم المشاركة في الدورات التطويرية.

-         الصلاحيات، الأمانة، حرية التعبير، الثقة، كل هذه تنعكس على تقييم الرقابة الذاتية فمن خلال زيادتها وعدم تقويضها يرتفع مستوى الرقابة الذاتية، أما إذا حصل العكس فإن نظام الرقابة الذاتية يصبح ذو تأثير محدود.

-         من خلال الاستقراء لواقع عدد كبير من مؤسسات التعليم العالي يتضح عدم وجود برامج وخطط جادة تهدف إلى تطوير واقع الأستاذ الجامعي، وحتى بعد حصوله على شهادة الدكتوراه أو بعد حصوله إلى الترقيات العلمية.

ثانيا/ التوصيات

-         يجب أن يكون هناك تسويق جيد لنظام الرقابة الذاتية يتم من خلاله الربط بين تفعيل هذا النظام وتحقيق أهداف الجامعة.

-         إن غرس الرقابة الذاتية في أفراد المجتمع عموماً وأساتذة الجامعات خصوصاً سيولد لكل فرد منا نظام رقابة ذاتية ينتج عنه بناء مجتمع متكامل ورائع يرتقي إلى مستوى المجتمعات في الدول المتطورة.

-         ضرورة تفهم الإدارات الجامعية أهمية خلق جو من العمل يساعد على بث روح الانتماء داخل الجامعات من خلال ترسيخ مبدأ الثقة، والتعامل، ودعم الكوادر العلمية، وإشاعة روح الحوار والنقد البناء بين الإدارات الجامعية والأساتذة الجامعيين، والابتعاد عن التشهير والتجريح.

-         مساعدة الباحثين من الأساتذة الجامعيين وتطوير قدراتهم البحثية ووضع خطط بحثية بعيدة المدى تكون مدعومة من قبل وزارة التعليم العالي والجامعات.

-         تنظيم دورات مستمرة لأعضاء هيئة التدريس لتزويدهم بالمعارف المتجددة، والتدريب على التقنيات الحديثة في اختصاصاتهم، وتنظيم برامج لربط أعضاء هيئة التدريس بقطاعات الإنتاج والخدمات ومجالات العمل التطبيقي.

-         دعم الأساتذة الجامعيين ووضع برامج معدة مسبقاً لمشاركتهم في ملتقيات مشتركة مع أقرانهم في الدول العربية لأجل الاندماج والتكامل والارتقاء سويا ليصلوا إلى ما وصل أقرانهم في الدول المتطورة.

 المصادر:

القرآن الكريم

1-    العمر، فؤاد عبد الله، أخلاق العمل وسلوك العاملين، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب في البنك الإسلامي للتنمية، الطبعة الأولى 1997.

2-    ألغامدي، علي بن محمد زهيد، تصور مقترح لتطبيق نظام الجودة الشاملة في المؤسسات التربوية والتعليمية السعودية في ضوء المواصفات الدولية، مؤتمر الجودة في التعليم العالي، 2007.

3-    ألنعيمي، محمد عبد العال، حويص، راتب جميل، حويص، غالب جميل، إدارة الجودة المعاصرة، مقدمة في إدارة الجودة الشاملة للإنتاج والعمليات والخدمات، اليازوري للنشر، عمان، 2009.

4-    حافظ، عبد الناصر، تصميم لنظام الجودة والاعتماد في التعليم العالي، أطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، كلية الإدارة والاقتصاد، 2011.

5-    سلمان، احمد عبد الرزاق، جودة التعليم العالي في العراق بين الواقع والطموح، مجلة جامعة الانبار للعلوم الاقتصادية والإدارية المجلد الثاني، 2010.

 

6-Anninos,Loukas, The archetype of excellence in universities and TQM journal of management history ,2007.

7-Ernst&Young,Introduction to internal control self assessment system(CSA),2005.

8-Hause Woter , Control self assessment(CSA),2012.

9- Jordaan ,Control self assessment ,1995.

10-Kubitscheck ,Vicky , CSA in financial services organization ,2000.

11-Richard , Winder , American society for quality ,1996.