العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التأمين التكافلي الاسلامي وآفاقه المستقبلية

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

التأمين التكافلي أو التأمين على الأشخاص نوع من أنواع التأمين الإسلامي الذي يشمل جميع أنواع التأمين التي تتوافر فيها أسس وشرط هذا التأمين، وقد قسم الباحثون التأمين الإسلامي إلى: تأمين على الأشياء، وتأمين تكافلي أو تأمين على الأشخاص. وقد اعتاد الكاتبون في التأمين الإسلامي على تسمية التأمين الإسلامي أي: الذي تتفق أحكامه مع الشريعة الإسلامية، بالتأمين التكافلي، أو التأمين التبادلي، أو التأمين التعاوني، وهذه التسمية تعني أن أهم أسس التأمين الإسلامي هو التعاون أو التكافل، أو التبادل. فالتعاون والتكافل من أهم أسس التأمين الإسلامي، ولكنه ليس الأساس الوحيد، ثم إن لهذا التعاون في نظر الشريعة الإسلامية ضوابط وشروطاً، لا يكون التأمين إسلامياً إلا بتوافرها، وعلى كل حال فإنه يمكن أن تضاف كلمة الإسلامي إلى عبارة التأمين التعاوني أو التكافلي للتعبير عن هذا المعنى، أي أن التعاون أو التكافل من أهم أسس التأمين، غير أنه يخضع للضوابط الشرعية.[1]

وقد اتصل التأمين بالفقهاء المسلمين للمرة الأولى في القرن التاسع عشر ولعل أول فقيه تحدث عن التأمين بصيغته المعهودة اليوم هو العلامة محمد أمين  بن عابدين المولود سنة 1784م. وقد عرف المسلمون عقد التأمين عندئذٍ من البحارة الأوروبيين إذ كانت سفنهم يغطيها التأمين البحري الذي يسمى في ذلك الزمن سكيوريتيه (بالفرنسية) واشتهر عند المسلمين باسم "سوكره"، فقال فيه ابن عابدين "إذا عقد في بلد إسلامي كان عقد معاوضة فاسد لا يلزم الضمان به لأنه التزام مالا يلزم شرعاً وهو باطل عند الأحناف". [2] وقد اختلف الفقهاء منذ ابن عابدين في حكم التأمين فمنهم من أجازه بلا تحفظ وهم قلة قليلة، ومنهم من أجاز أنواعاً منه حتى لو كان على صفة التأمين التجاري إلا أن جمهورهم منذ ابن عابدين قد منع التأمين التجاري، وأجاز ما يسمى التأمين التكافلي.

والتأمين لغة: [3]من الأمن ضد الخوف حيث يعطي هذا العقد الأمن، ويراد به طمأنينة النفس وسكونها بتوفر أسباب الطمأنينة، وعقد التأمين هو الذي يحاول أن يعطي الطمأنينة والأمان لمن يريده ويكون طرفاً فيه.

التأمين في اللغة العربية مشتق من الأمن وهو طمأنينة النفس وزوال الخوف. وله معان: منها إعطاء الأمان، مثل التأمين الحربي إذا نزل في بلاد المسلمين لأمر ينصرف بانقضائه، ومنها التأمين على الدعاء وهو قول آمين أي استجب

والتأمين إعطاء الأمن (كما أن التعليم اعطاء العلم) ومن هنا جاء معناها في المصطلح المالي المعاصر، فهو النشاط الذي يحصل فيه تأمين الأفراد والشركات عن بعض ما يخافون من المكاره مقابل عوض مالي فهو معنى جديد وإن كان اشتقاقاً صحيحاً من كلمة أمن.

وفي الاصطلاح القانوني: هو عقد بين طرفين، الأول يسمى (المؤمن)، والثاني يسمى (المؤمن له ) بمقتضاه يحصل (المؤمن له ) على تعهد لصالحه أو لصالح غيره من المؤمن إذا ما حدث حادث معين وبمقتضى هذا التعهد يلتزم (المؤمن) بتقديم أداء معين إلى (المؤمن له) لقاء قسط أو أقساط معينة يؤديها (المؤمن له) إلى (المؤمن) في الأوقات المتفق عليها.

التعريف الاقتصادي: يمكن تعريف التأمين من الناحية الاقتصادية بأنه:  "أداة لتقليل الخطر الذي يواجه الفرد عن طريق تجميع عدد كافٍ من الوحدات المتعرضة لنفس ذلك الخطر (كالسيارة والمنزل والمستودع...الخ) لجعل الخسائر التي يتعرض لها كل فرد قابلة للتوقع بصفة جماعية، ومن ثم يمكن لكل صاحب وحدة الاشتراك بنصيب منسوب إلى ذلك الخطر".

وهناك العديد من الشواهد الدالة على إقرار الشريعة للفكرة الاجتماعية والفنية للتأمين التكافلي على النحو التالي: [4]

1-   من القرآن الكريم:
يقول تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَىوَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} سورة المائدة: من الآية2.
ويقول تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلا الَّذِينَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْابِالصَّبْرِ} سورة العصر الآيات 1-3
فالآيات التي تحث على التعاون في شتىالمجالات، تدل على أن الإسلام دين التعاون والتراحم، فالخالق سبحانه أمرنا بالتعاونعلى الخير ومحاربة الشر، وأوجب على الناس أن يعين بعضهم بعضاً في ميادين الحقوالخير والبر.
2- من السنة النبوية:
أ- قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامةرواه مسلم.
ب- قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه“ رواهمسلم.
ج- وفي قولـه صلّى الله عليه وسلّم: ”إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزوأو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم فيإناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم“ (أرملوا: فني طعامهم أو قارب). فهذه صورة مثالية للتكافلوالتعاون، وفي عمل الأشعريين دليل واضح على التأمين التكافلي أيده رسول الله صلّىالله عليه وسلّم بقوله عنهم إنهم مني وأنا منهم.

 

ويقوم نظام التأمين التكافلي الإسلامي على مجموعتين من الأسـس:
أسـس فقهيـة، وأخرى تعاونيــة، وفيما يلي نبذة موجزة عن طبيعة كلّ منهما:  [5]
1 الأســـس الفقهيـة لنظـام التأمين التكافلي الإسلامي، وتتضمن:  
أ- يعتبر التأمين التكافلي الإسلامي من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسؤولية عن نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر.
ب- خلو التأمين التكافلي من الربـا بنوعيـه ربا الفضل وربـا النسيئـة فليست عقود المساهمين ربويـة ولا يوظفون ما جمع من الاشتراكات في معاملات ربويـة.
ج- أنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التكافلي بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة.
د- الاستثمار الإسلامي لأموال المشتركين في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية وفي مجال الطيبات بعيداً عن الربـا.

2- الأســـس التعاونيـة لنظام التأمين التكافلي الإسلامي، وتشمل:

‌أ.        التعـــــــــاون:  يقوم النظام على أساس التعاون والتكافل والتضامن بين مجموعة من الأفراد لدفع الأضرار ومجابهة الحوادث.

‌ب.   خدمـة الأعضــاء:  يهدف نظام التأمين التكافلي الإسلامي إلى خدمـة أعضائه، والتي تتمثل في تأمينهم مـن المخاطـر عن طريـق تكافلهـم وتضامنهم في معاونــة من يصيبـه الضـرر منهـم ماليـاً، وليس الهدف هو المتاجرة بتوفير الأمان وتحقيق الأربـاح.

‌ج.     العضويـة المفتوحـة:  يعتبر كل فرد عضواً مشتركاً مع الآخرين وليس مساهماً، وما يقوم بسداده يعتبر تبرعاً منه عن رضـاء تام لتعويض من يصيبـه ضـرر، وإذا لم يحدث ضرر فيظـل مالكاً لما دفعه بالإضافة إلى نصيبه مما يكون قد ساقه الله من رزق من عائد استثمار الفائض، ويمكن لأي فرد الانضمام في أي وقت.

‌د.       استثمار فائض الاشتراكات: يستثمر فائض الاشتراكات في المجالات التي تجيزها الشريعة الإسلامية، وبذلك تنتفي شبهة الربا، ومن أهم صيغ الاستثمار الإسلامي: نظام المضاربة والمشاركة والمرابحة والاستصناع والإجارة والسلم.

‌ه.     فائـض عمليـات التأمين: إذا أسفـرت عمليات التأمين عن فائض يـوزع على أعضـاء الجماعة التأمينية.

‌و.      الفصل بين أموال أصحاب الشركة وأموال الجماعـة التأمينيـة (المشتركين) يلزم أن تحتفظ شركة التأمين التكافلي الإسلامي بحسابات منفصلة لكل من أموال المؤسسين والمشتركين وتوزيع عائد استثمار الأموال بينهما، ولا يجوز للمؤسسين الاشتراك في فائض العمليات التأمينية.

‌ز.       المشاركة في الإدارة:  من حق كل عضو في الجماعة التأمينية أن يرشح نفسه في إدارة نشاط الشركـة، ولا يجوز أن ينفرد بإدارتها مجموعة مستقلة، ويجوز أن يحصل مجلس الإدارة على مكافأة تخصم من الفائض قبل التوزيع.

‌ح.     تكوين الاحتياطيات لمواجهـة العجز إذا تجاوزت التعويضـات: إذا تجاوزت التعويضات المدفوعة الاشتراكات المحصلة من المشتركين، يمكن لمجلس الإدارة تغطية هذا العجز عن طريق الاحتياطيات المكونة من الفوائض قبـل التـوزيـع.

‌ط.    تخضع الأنشطة والعمليـات للمراقبة الشرعية: للتأكد من أن كافة الأنشطة والمعاملات التي تقوم بها شركة التأمين الإسلامية تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية فيوجد في الشركة هيئة يطلق عليها اسم " هيئة الرقابة الشرعية والتي تتكون من فريق من علماء المسلمين المؤهلين في الشريعة الإسلامية والاقتصاد والتأمين، وتقوم هذه الهيئـة بالمراقبـة على تلك العمليات وتصـدر الفتـاوى المطلوبـة لتسيير العمــل.

ويعملفي سوققطاعالتأمينالإسلاميأكثرمن60 شركةمنتشرة فيأكثرمن  20دولة فيالعالم.وتتوقعسوقالتأمينالعالميةأنيصلحجمإجماليالأقساطإلى  10 ملياراتدولاربحلولعام2010.  بينماقدرتوكالةالتصنيف(موديز) أن إجماليأقساطالتأمينالتكافليبلغأكثرمن2 ملياردولارحتىعام2005 وأنها سترتفعإلى7 ملياراتدولاربحلولعام2015أما(ميركرأوليفروايمن)فقدرت نموالرقمخلالالسنوات 10-15 المقبلة إلىمابين15-20 ملياردولارسنويا. [6]

 وقد بلغالحجمالإجماليلسوقالتأمينالعربيحوالي7 ملياردولارمنها2 مليار دولارلإعادةالتأمين.[7]

وختامافانه من الضروري إبراز المزايا التي يتمتع بها نظام التأمين التكافلي فنياً ومهنياً للاستفادة منها في المنافسة الخيرة في الواقع العملي، فضلا عن إبراز مرتكزات وأسس التأمين التكافلي في وثائق التأمين وبيان خصائصه بوضوح، والعمل على إزالة الشبهات واللبس حتى لا يصاب المسلم بالحيرة فيما يأخذ وما يدع.   

كما يجب     اتباع الأساليب الفنية العلمية المعاصرة في قياس المخاطر واحتمالات حدوثها وفي تقدير الاشتراكات، فمن المسلم به أن طريقة وآلية الاشتراكات في نظام التأمين التكافلي تختلف عن طريقة حساب الأقساط في التأمين التجاري وكذلك طريقة وآلية حساب التعويضات وهذا وذاك أحدثه الالتزام بأحكام وضوابط الشريعة الإسلامية فلابد من العمل على تشجيع هذا التخصص وتوفير الإكتواريين الذين يعملون وفق أحكام الشريعة ومبادئها.

أيضا ضرورة الاهتمام بتأهيل العاملين في مجال التأمين التكافلي ومواكبة كل جديد في هذا المجال، ولا بدّ من اهتمام الباحثين بالمستجدات في مجال التأمين وبيان حكم الشرع فيها. فمستقبلالتكافل يرتكزعلىقدرتهاالتنافسيةتجاهشركاتالتأمين التقليديمنجهة،وتكاملهامعشركاتالتأمينالتكافليمنجهةأخرى. ولتحقيق ذلكلابدلهامنتحويلالتحدياتالتنافسيةإلىفرص. فالمنافسةالتجارية مشروعةبلمطلوبةلتحقيقالأهدافالمرجوةمنشركاتالتكافلإذاتوافرتفيها كل من الوسائلوالآلياتالمباحةشرعا،  و لابدّ أن تتسم بـ:

 -الشفافيةوالقيمالإسلاميةوالمساواةوتكافؤالفرصوالابتعادعنالاستغلال.

-  عدمالإضراربالآخرينولاالسطوعلىحقوقهمالماديةوالمعنوية

  وأمامذلكتتجسدتحدياتصناعةالتكافلمنها:

*    توحيدالمصطلحاتالفنية.

*     تطويرعناصرالمواردالبشرية.

*    ، تطويرمنتجاتالتكافلوإعادةالتكافل.

*    ،تطويراستراتيجياتالتسويقوالترويج.

*     انفتاحالأسواقظلاتفاقيةالتجارةالحرةالعالمية.[8]



[1]حسـين حامد حسان، أسس التكافل التعاوني في ضوء الشريعة الإسلامية، متاح في:

http://www.hussein-hamed.com/pagedetails.aspx?id=116

 

[2]علي بن عبدالمحسن التويجري، التأمين المعاصر في ميزان الشريعة الإسلامية، وزارة التعليم العالي، جامعة الملك سعود، كلية المجتمع بالرياض، قسم العلوم الإدارية، المملكة العربية السعودية،،1430هـ، ص ص 22-23

 

[3]راجع:

-عبدالحميدمحمودالبعلي،وائلإبراهيمالراشد، نظامالتأمين التكافلي الإسلامي، قواعدهوفنياتهمعالمقارنةبالتأمينالتجاري،الديوانالأميري،الكويت، ص 21

-         علي بن عبدالمحسن التويجري، التأمين المعاصر في ميزان الشريعة الإسلامية، وزارة التعليم العالي، جامعة الملك سعود،كلية المجتمع بالرياض، قسم العلوم الإدارية، المملكة العربية السعودية،،1430هـ، ص ص 2-3

-          محمد القري، التأمين التعاوني، متاح في

-         http://www.kantakji.com/fiqh/Files/Insurance/CoInsu.htm

[4]راجع:

-         علي بن عبدالمحسن التويجري، التأمين المعاصر في ميزان الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 32-33

-         ولمزيد من التفصيل راجع- عبدالحميدمحمودالبعلي،وائلإبراهيمالراشد، نظامالتأمين التكافلي الإسلامي، قواعدهوفنياتهمعالمقارنةبالتأمينالتجاري،الديوانالأميري،الكويت، الفصل الخامس، ص ص 144-170

[5]موقع شركة نيل تكافل، متاح في:

https://www.facebook.com/NileFamilyTakaful

[6]سامرمظهرقنطقجي، تطورصناعةالتأمينالتكافليوآفاقهاالمستقبلية، ص 3. متاح في:

http://www.univ-ecosetif.com/seminars/islamicfinance/8.pdf

 

[7]المرجع السابق، ص 4

[8]المرجع السابق، ص 10