العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

هل الإعلام الاقتصادي هو إعلام النخبة؟

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

مما لاشكّ فيه أنّ للإعلام دوراً كبيراً في حياة الأفراد والمجتمعات، وليس يخفى على أحد دور الإعلام في تحريك الأسواق وتوجيهها، حيث يُنشّط عجلة التنمية الاقتصادية، ويجذب الفرصالاستثمارية والمستثمرين إليها.وقد برز الإعلام الاقتصادي مستخدماً الوسائط المتعددة، إضافة للصحافة والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، بل أضحى إعلاماً جوالاً بأخباره مرافقاً كل مهتم أينما كان عبر جواله أو بريده الالكتروني، أو عبر صفحاته الاجتماعية الشخصية.

يعتبر نشر أخبار البورصات إعلاماً هاماً وضرورياً، وتقوم بعض وسائل النشر الورقي والفضائي والالكتروني بهكما في حالة أسواق الخليج، وكذلك يعتبر نشر التقارير الدورية عن أخبار أسواق بعض الدول كما في حالة الاقتصاد السعودي.لكن هل يعبر ذلك عن الاعلام الاقتصادي؟

الإعلام الاقتصادي: هو نشر المعرفة الاقتصادية وترويجها:

من الواضح للعيان أنّ وسائل الإعلام صارت متاحة في جميع المجالات، ولدى كل الدول، لكن المهتمين بهذا الشأن لم يعودوا متلقين للمعلومات وحسب، بل صاروا مراسلين ومحررين في بعض الأحيان.

وبما أن الإعلام أداة فاعلة في إنتاج الوعي وتحريكه، ونشر الثقافة الاقتصادية في المجتمع كالتعريف بالقوانين والتشريعات والإجراءات التنظيمية وآثارها،وبيان أهداف الخطط الاستراتيجية الموضوعة، لذلك فهو يساهم في:

-  توعية الجمهور بأهمية الادخار وآليات توجيهه نحو الاستثمار، وإرشاده إلى مصادر الموارد المتجددة،فيحفزه للحد من الاستهلاك غير الضروري حفاظاً عليها، ويروج لماهية البدائل الممكنة، وللاستخدام الأمثل لها.

-  بيان تحديات وفرص الاستثمار في الأسواق، فالقول بأن ٨٠٪ من ملاك الصكوك السندات الإسلامية) هم من غير المسلمين يُفهم منه آليات تحرك أموال الاستثمار نحو الفرص المشجعة).

-  تحسس وقوع الأزمات الاقتصادية العالمية، وبيان آثارها المحتملة، مما قد يدفع نحو الانكماش إذا تراجع الإنفاق العام والخاص نتيجة للتوقعات المنشورة.

-  دعم المشاربع والصناعات المفيدة بالترويج لها بأسلوب مهني، مما يساعد على خلق منافسة أساسها المعلومات الصحيحة، فالجمهور لم يعد ساذجاً أو بعيداً عما يحصل في الأسواق العالمية والمحلية على حد سواء. فمن يتلقى المعلومات المتعلقة بسحب شركات عالمية لمئات الآلاف من منتجاتها من الأسواق لِعيب بسيط نسبياً، لن يقبل بعيوب منتجات يريدها سواء أكانت محلية أم غير محلية، لأن رأيه سيكون مستنداً إلى قرائن يصعب التغاضي عنها، وهذا سيشكل ضغطاً على الجميع معاً.

-  لقد دفعت تطورات التجارة الالكترونية الإعلام الالكتروني بقوة، فغيرت قواعده، وصار كل قارئ مهتم مراسلاً إعلامياً بمجرد ضغطه على خيار (شارك) لبث خبر يقرؤه إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا مثال بسيط يمكن البناء عليه.

تأهيل الاعلامي الاقتصادي:

بما أن الإعلام هو أداة التواصل الحيوي بين أطراف السوق من مؤثرين ومتأثرين، فقد تجاوزت مهمته الإخبار عن أحداث حاصلة، إلى تحليل نتائجها، وقد يكون سبباً في إحداث قرارات مؤثرة.

كما لم يعد الإعلام محصوراً بالأجهزة الإعلامية التقليدية، فصار لكل شركة أو مؤسسة منتجة منصاتها الإعلامية الخاصة بها سواء من خلال مواقعها الالكترونية أو بالاعتماد على عناوينها في مواقع التواصل الاجتماعي بجميع أشكاله،فطغى ذلك كله على الأشكال التقليدية من صحف ومجلات ورقية وحتى قنوات فضائية، مما أجبر جميع هذه الوسائل على تتبع التقنيات واستخدامها حتى تبقى في السوق الإعلامي، فلا تخرج منه صاغرة لتقادمها التقني.

وبناء عليه، لم يعد الإعلامي التقليدي هو الشكل المتعارف عليه، أي بوصفه شخصاً غير مرغوب فيه، فينظر إليه كدخيل يترقب الحصول على معلومات ينشرها لتحقيق سبق يخصه أو يخص مؤسسته، بل دخل المهنيون وأصحاب الخبرات الاقتصادية أنفسهم هذا المضمار، وصار ظهورهم في مختلف الوسائل أمراً شائعاً بل منتظراً في أحيان كثيرة من قبل المهتمين، فضلا عن برمجة هذا الظهور من قبل عناصر الإدارة الواعية لدور الإعلام الاقتصادي للترويج لبرامجها ومنتجاتها بطريقة احترافية إعلامياً، محققة منافع قد تتجاوز ما تحققه حملاتها الإعلانية بهذا الشأن.

لذلك فإن تأهيل وتدريب الكاتب الصحفي والإعلامي ليكون اقتصادياً أو تأهيل الاقتصادي المتمرس ليكون إعلامياً صار ضرورة لتفعيل مشاركته في دفع عجلة التنمية نحو الأفضل.

وتعتبر مسارعة دبي إثر الإعلان عن أنها عاصمة الاقتصاد الإسلامي عالمياً بالإعلان عن دورة للإعلاميين حول ذلك الحدث وبما يتعلق بالاقتصاد الإسلامي دليلاً واضحاً.

لقد صار التعامل مع الرسوم البيانية والإحصاءات، قراءةً وتحليلاً من بديهيات تغطية الأخبار الاقتصادية، وكذلك تفسير المفاهيم المالية والنقدية والاقتصادية المعقدة التي تعتمد نشر نتائج الاقتصاد القياسي وتوصيلها للجمهور.كما أن إجادة قراءة التقارير المالية، وتحديد مواصفات المعلومة المحاسبية صار أمراً واقعاً، لأن ذلك يمنع أي لغط أوتشويه أوإغراق للمعلومات.

لذلك تحمل الإعلام الاقتصادي مهاماً جديدة، فعلى الرغم من فرضية حياد المعلومات المنشورة، فلابد من الاستفادة من تطبيق قاعدة تعارض المصالح بين الجهات ذات العلاقة، وهي:

1.           الإدارات المنتجة للتقارير المالية.

2.           الحكومات المصدرة لتعليمات واللوائح الناظمة.

3.           قياس أفعال وردود رواد السوق بمختلف أشكالهم.

وهذا ما يحققه الإعلام الاقتصادي بعد توافر وسائل وأدوات الإعلام الحالية، ودخول مصادر جديدة للمعلومات لم تكن متاحة بيسر سابقاً. وبذلك لم يعد اعتبار تخصيص صفة الاقتصادي بالإعلام شكلا من أشكال التبعية لما هو إعلامي أو اقتصادي، بل صار واقعاً ملموساً بوصفه حاجة وضرورة، فالأسواق ومرتادوها لن ينتظروا أشهراً بعد انتهاء السنة المالية للحصول على التقارير المالية، ولن ينتظروا من يترجمها لهم إلى لغات تخصهم، فقد صار كل ذلك ممكن التحقق بصورة آنية.

فهل صار الإعلام الاقتصادي حالٌ واقعٌ في الأسواق؟ وهل ممارسوه هم نخبة الحكومات ونخبة الشركات؟ فإن كان الجواب بنعم، فيبدو أنه صار لدينا نخبة من جمهور الأسواق أيضاً.

إن الأسواق باتت مفتوحة بشكل شبه كلي، وصارت حركة الاستثمارات مقرونة بحرية حركة الأموال، وكل ذلك إنما انعكاس طبيعي للتوزيع الطبيعي والرشيد للمعلومات المتاحة. وهذا ما نجده متوافراً في الأسواق الرشيدة ذات الإفصاح الكافي والشفافية الكاملة والتي يكاد الفساد يختفي منها.فقد صار هاجس الحكومات ألا تكون موطن الفساد، ولا حاضنا له، وذلك خشية هروب الاستثمارات الحقيقية، واستقرار الاستثمارات الوهمية في أسواقها، فصار صدور تقرير الشفافية مقلقاً لبعضهم ومطمئناً لبعضهم الآخر.

لقد استطاع الإعلام الاقتصادي أن يروج لقيم محددةبجعلها أكثر تداولاً بين الناس، كحالة وقوع التضخم العالمي، وحصول الانهيارات المالية الاقتصادية كما حصل في عام ٢٠٠٨وبدأ الناس يسمعون عبارات أقل ما يمكن أن توصَف به بأنها شفافة وعادلة، ومثال ذلك:

1.    القول: أظهرت بيانات أوروبية منذ أيام بأن دول منطقة اليورو دخلت رسمياً في مرحلة الركود..

2.    ذكرت فيتش أن إيطاليا دخلت فعلياً مرحلة ركود اقتصادي..

3.    ذكر بنك التعمير الأوروبي أن تباطؤاً شديداً يصيب اقتصادات دول شرق ووسط أوروبا..

4.    عقد الرئيس اجتماعاً طارئاً لإنقاذ الاقتصاد الفرنسي..

5.    وجهت مؤسسة ستاندرد آند بورز تحذيراً من إمكانية خفض تصنيف فرنسا وأربع دول أخرى إذا دخلت أوروبا في مرحلة ركود..

6.    سحبت تويوتا ٢.٧ مليون سيّارة لعطل فنّيّ فيها، وكذلك فعلت شركات أخرى..

7.    إن خفض معدل البطالة بمقدار نقطتين نسبيتين سيزيد الناتج بنسبة تتراوح ما بين (2-6%) والعكس بالعكس، وتعادل تلك النسبة ما قيمته (0.5-1.5) تريليون دولار في حالة أميركا، وأن هذا المبلغ يكافئ وضع نظام الضمان الاجتماعي في أميركا على قدمين ثابتتين لمدة تتراوح ما بين ٧٥-١٠٠ عام قادمة.

8.    تكون البطالة ثابتة إذا حقق الناتج القوميGDP نموا قدره ٣.٤٪ بشكل مجمل، وبالمقابل فإن لكل نسبة مئوية تزداد البطالة بنسبة ١٪ بشكل مجمل.لذلك صار تفسير غاية الحكومة اليابانية استهداف معدل محدد من البطالة أمراً مفهوماً رغم غرابة ذلك الهدف.

9.    وهكذا..

يلاحظ أن كل تلك العبارات تخص دول أوروبا وأمريكا واليابان وغيرها من الدول المتقدمة وشركاتها، فلماذا تغيب هذه العبارات عن أغلب أو كل اقتصادات العالم الإسلامي والعربي دولاً وشركات على السواء؟ مع الأخذ بالاعتبار لاستثناءاتنسبية ذكرناها، وهي لا ترقى لوصفها بأنها إعلام اقتصادي!

فهل هذه الاقتصادات لا تحتاج إلى هكذا بيانات؟ أم أن أسواقها ليست بحاجة للإفصاح والشفافية؟ أم أن المستثمرين فيها لا يهمهم تلك البيانات؟

وأكثر من ذلك:

إنه لم يعد إعلان بعض الحكومات عن استقبالها لمواد مؤذية لبيئتها، أو إقامتها لصناعات تصنف بأنها صناعات قذرة أمراً مقبولاً أو مرضياً، فالحكومات التي تعلن أمام شعوبها عن إقامتها مصانع إسمنت بوصفه إنجازاً، صار أمراً مرفوضاً، فالناس باتت تدرك آثار هكذا صناعات على بيئتها المحيطة، وباتوا يعون تماما لماذا تنقل الدول المتقدمة هذه الصناعات إلى بلدان أقل نمواً.

كما يتساءل العديدون عن سبب تخصص بعض بلاد النخبة بصناعات التكنولوجيا المتفوقة HITECوبقاء غيرها متخصص في إنتاج المواد الأولية أو بمنتجات تستنزف طاقاتها ومواردها الطبيعية.فقد تميزت اليابان بإنتاج التكنولوجيا الفكرية، والصين بإنتاج أشياء ذات قيمة متدنية (مع بعض الاستثناءات)،والمتانة والقوّة صارت رمز الصّناعة الألمانية، وتخصصت بعض الدول بالإنتاج الزراعي ذي المواصفات العالية، وتوجهت دول أخرى إلى إجادة اقتصاد الخدمات بمهارات عالية، لكن بقيت شريحة واسعة من الدول مستهلكة لكل شيء، بل تعتاش على بقايا يتفضل غيرها عليها به.

إذاً: يبدو أن الإعلام الاقتصادي هو إعلام نخبة من الدول وشركاتها ومستهلكيها، وليس لغيرهم نصيب منه، أو على الأقل حتى الآن.

حماة (حماها الله)بتاريخ ٠٤-١٢-٢٠١٣