العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

العوامل التي تحدد توزيع الأرباح على المودعين في البنوك الإسلامية ونموذج بنك الإنماء في احتساب الربح في حال خلط أموال المضاربة بأموال المضارب

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

الحلقة (3)

4. التوقيت الزمني لتوزيع الأرباح والاستثمار:

4/1 حساب النمر أو الأعداد:

4/1/1 مفهوم حساب النمر أو الأعداد: حساب النمر أو الأعداد (daiy product) هي حاصل ضرب المبلغ بالأيام، وهي عبارة مستخدمة في حساب الفوائد لدى المصارف الربوية، وفي حساب فوائد القروض عموماً. وتستخدم المصارف هذه الطريقة لتمييز الفوائد بحسب المبلغ والمدة، ففائدة مبلغ لا تساوي فائدة مبلغ مساو له (بافتراض أن معدل الفائدة واحد) إلا إذا تساوت مدتهما أيضاً. ولما كانت الودائع في المصارف مختلفة المدد، عند حساب الفوائد في نهاية كل دورة زمنية فلا يمكن أن يتساوى في الفائدة مبلغ 1000 ريال لمدة سنة مع مبلغ 1000 ريال لمدة يوم واحد، فالمبلغ الذي بقي لمدة سنة استثمره المصرف وحقق من ورائه فوائد لا تتساوى مع فوائد مبلغ مساو له، ولكنه أودع في آخر من نهاية الدورة. وقد استعارت البنوك الإسلامية هذه الطريقة لتوزيع أرباح كل دورة على حساب الاستثمار المشترك لديها، ذلك أن الودائع مختلفة المدد، ولا يمكن التسوية بين مبلغين متساويين في المقدار ولكنهما مختلفان في المدة، ولا بين مبلغين متساويين في المدة ولكنهما مختلفان في المقدار. طبعاً لو تساوت المدد لتم التوزيع على أساس المبالغ فقط[1].

4/1/2 مشروعية استخدام حساب النمر:اعترف الاجتهاد المعاصر بطريقة النمر التي تراعي المبلغ والمدة كطريقة مشروعة وعادلة لتوزيع الأرباح على المودعين. جاء في فتوى ندوة البركة (11/4) بشأن استخدام طريقة النقاط (النمر) في توزيع أرباح حسابات الاستثمار العامة ما يأتي: "يجوز استخدام طريقة النقاط (النمر) لحساب توزيع الأرباح بين المشاركين في حسابات الاستثمار العامة، وذلك بالنظر إلى المبلغ والزمن لموجودات كل حساب. والتوجيه الشرعي لذلك أن أموال المشاركين في وعاء استثماري واحد قد ساهمت كلها في تحقيق العائد حسب مقدارها ومدة بقائها في السحاب، فاستحقاقها حصة متناسبة مع المبلغ والزمن (بحسب طريقة النمر) هو أعدل الطرق المحاسبية المتاحة لإيصال مستحقات تلك الحسابات من عائد الاستثمار لأصحابها، وإن دخول المستثمرين على هذا الأساس يستلزم المبارأة عما يتعذر إيصاله لمستحقه بهذه الطريقة. ومن المقرر أن المشاركات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعاوضات. وأن القسمة –في صورتها المشتملة على تعديل الحصص- تقوم على المسامحة". ويرتبط بحساب النمر قبول الاجتهاد المعاصر لتوزيع ربح المعاملات الآجلة طيلة مدة الأجل، ففي ندوة البركة (11/5) جاء ما نصه: "يجوز توزيع ربح المعاملات الآجلة على طيلة فترة الأجل أو على أقساط، وذلك لأن الربح مرتبط بثمن البيع، وناشئ عن تأجيل ذلك الثمن، فيجري على الربح ما يجري على الثمن المؤجل من توزيعه على مدة الأجل. ومن جهة أخرى فإن حسابات الاستثمار المشتركة لا يقتصر استثمارها على المعاملات المؤجلة وحدها، بل تستثمر أيضاً في المضاربة والمشاركات والبيوع الحالة والخدمات وغيرها، وهذه كلها يوزع ربحها على الزمن، فيسري ذلك المبدأ على ربح المعاملات الآجلة، لتعسر الفصل والتخصيص لعدم تعين النقود عند من يراه من الفقهاء. وثمرة الأخذ بهذا المبدأ أن من خرج في أثناء مدة الاستثمار أو دخل في أثنائها يحصل على نسبة من الربح تتفق مع مقدار مبلغه ومدة استثماره، وتكييف ذلك شرعاً أن من خرج يبيع حصته في المشاركة إلى وعاء الاستثمار ويمكن أن يكون ثمن هذا البيع ما يتفق عليه الطرفان. فلو اتفق الطرفان على أساس لتقويم الحصة يراعى توزيع الربح على مدة الأجل".

4/2 التنضيض الحكمي:

4/2/1 مشروعية التنضيض الحكمي: يمكن أن يقتسم الربح مرة واحدة عند التصفية النهائية فهذا جائز عن الجميع، وهو الأصل، ويمكن أن يقتسم على دفعات مع استمرار المضاربة، والقسمة بهذه الصورة الأخيرة يمكن اعتبارها دفعة على الحساب، ويمكن اعتبارها قسمة نهائية، فلو حدث دفعة على الحساب كانت جائزة عند الجميع، وإذا اعتبرت نهائية كانت جائزة عند الحنابلة والزيدية والظاهرية[2]. ونظراً لتعذر إجراء التصفية (أو التنضيض) الفعلية عند كل سحب أو إيداع في حساب الاستثمار المشترك، فقد ذهبت ندوة البركة إلى جواز التنضيض الحكمي وأن له حكم التنضيض الفعلي، ونص الفتوى (8/2): "1- للتنضيض الحكمي بطريق التقويم في الفترات الدورية خلال مدة عقد المضاربة حكم التنضيض الفعلي لمال المضاربة، شريطة أن يتم التقويم وفقاً للمعايير المحاسبية المتاحة. 2- يجوز شرعاً توزيع الأرباح التي يظهرها التقويم، كما يجوز تحديد أسعار تداول الوحدات (في الصناديق) بناء على هذا التقويم". كما اعترف بالتنضيض الحكمي مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 30 (5/4) بشأن صكوك المضاربة ونصه: "إن محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي وهو الزائد عن رأس المال وليس الإيراد أو الغلة، ويعرف مقدار الربح إما بالتنضيض –أي الفعلي- أو بالتقويم المشروع بالنقد – أي التنضيض الحكمي- وما زاد عن رأس المال عند التنضيض أو التقويم فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك وعامل المضاربة وفقاً لشروط العقد". وقد تناول هذه المسألة المعيار الشرعي رقم (13) المضاربة في البند 8/8 ونصه: يستحق المضارب نصيبه من الربح بمجرد ظهوره (تحققه) في عمليات المضاربة، ولكنه ملك غير مستقر إذا يكون محبوساً وقاية لرأس المال فلا يتأكد إلا بالقسمة عند التنضيض الحقيقي أو الحكمي. ويجوز تقسيم ما ظهر من ربح بين الطرفين تحت الحساب، ويراجع ما دفع مقدما تحت الحساب عند التنضيض الحقيقي أو الحكمي. يوزع الربح بشكل نهائي بناء على أساس الثمن الذي تم بيع الموجودات به، وهو ما يعرف بالتنضيض الحقيقي، ويجوز أن يوزع الربح على أساس التنضيض الحكمي وهو التقويم للموجودات بالقيمة العادلة. وتقاس الذمم المدينة بالقيمة المتوقع تحصيلها، أي بعد حسم نسبة الديون المشكوك في تحصيلها. ولا يوجد في قياس الذمم المدينة القيمة الزمنية للدين (سعر الفائدة) ولا مبدأ الحسم على أساس القيمة الحالية (أي ما يقابل تخفيض مبلغ الدين لتعجيل سداده)[3].

4/2/2 شروط الأخذ بالتنضيض الحكمي:من أجل أن تكون المعلومات الناتجة عن التنضيض الحكمي موثوقاً بها وقابلة للمقارنة يتعين على إدارة المصرف أن تلتزم بجميع المبادئ العامة التالية:

1- الاعتماد على المدى المتوافر عن المؤشرات الخارجية – إذا توافرت- لتقدير القيمة النقدية المتوقع تحقيقها من الاستثمار مثل أسعار السوق.

2- استخدام جميع المعلومات المتاحة ذات العلاقة بالاستثمار عند تقدير القيمة النقدية المتوقع تحقيقها بما في ذلك السالب والموجب منها.

3- استخدام طرق منطقية ملائمة لتقدير القيمة النقدية المتوقع تحقيقها.

4- الثبات في استخدام طريقة التنضيض الحكمي لأنواع الاستثمار المماثلة بين الفترات المحاسبية المختلفة.

5- الاعتماد إلى المدى المناسب على أصحاب الخبرة لتقدير القيمة النقدية المتوقع تحقيقها.

6- الحيطة والحذر في التقدير وذلك عن طريق الالتزام بالموضوعية والحياد في اختيار القيمة النقدية المتوقع تحقيقها. (الفقرة رقم 95)[4].

 

5. نسب توزيع الربح والمقارنة مع سعر الفائدة وعائد المساهمين: تشمل هذه المجموعة عدداً من العوامل التي تؤثر في الأرباح الموزعة على المودعين، وتعود هذه العوامل بصفة عامة إلى الاتفاق بين الطرفين، أو مراعاة الحالات المشابهة، وسيتم بيانها على النحو الآتي:

5/1 نسب توزيع الربح بين أرباب الأموال والبنك: يشترط في الربح في المضاربة أن تكون كيفية توزيعه معلومة علماً نافياً للجهالة ومانعاً للمنازعة. وأن يكون على أساس نسبة مشاعة من الربح لا على أساس مبلغ مقطوع أو نسبة من رأس المال. ويجوز الاتفاق على أنه إذا زادت الأرباح عن نسبة معينة فإن أحد طرفي المضاربة يختص بالربح الزائد عن تلك النسبة، فإن كانت الأرباح بتلك النسبة أو دخلها فتوزيع الأرباح على ما اتفقا عليه (المعيار الشرعي رقم 13 المضاربة البندان 1/8، 8/5) [5]. وتؤثر نسبة توزيع الربح على المودعين بشكل جوهري، وتلعب المنافسة بين البنوك، وندرة رأس المال أو العمل دوراً في تحديدها. ورغم أن الوكالة تقوم على أساس تحديد أجر مقطوع للوكيل والربح كلها لرب المال، ويتحمل الخسارة إن وجدت، غير أن الوكالة ليست بمعزل عن هذا التأثير فتشير العديد من التطبيقات إلى أن الوكيل يأخذ أجراً مقطوعاً ويشترط لنفسه الحصول على ما زاد عن نسبة كذا من الربح كحافز له[6]. ويؤثر هذا العامل في توزيع الأرباح في حسابات الاستثمار المطلقة والمقيدة سواء أكانت على أساس المضاربة أم الوكالة بأجر.

5/2 نسب توزيع الربح بين مال المودعين ومال المساهمين: في حسابات الاستثمار المطلقة يتم خلط مال المودعين بمال البنك المضارب أو الوكيل، استناداً إلى تفويض رب المال، وفي هذه الحال يصير المضارب شريكاً بماله ومضارباً بمال الآخر، ويقسم الحاصل على المالين فيأخذ المضارب ربح ماله، ويقسم ربح مال المضاربة بينه وبين رب المال على الوجه الذي شرطاه. المعيار الشرعي رقم 13 المضاربة البند 8/9[7]. وكذلك الحال في الوكالة يأخذ الوكيل أجره المقطوع بصرف النظر عن نتائج الأعمال، وفي حال الربح يأخذ ربح ماله، ثم يأخذ ما زاد عن النسبة المحددة من الربح كحافز له في شرط ذلك.

5/3 التقارب بين معدل ربح المودعين والفائدة الربوية: من المشكلات التي تواجهها البنوك الإسلامية ارتباط معدل العائد الموزع على أصحاب حسابات الاستثمار المطلقة بمعدل الفائدة على الودائع في البنوك التقليدية، فمن الملاحظ أن نسبة العائد الذي يحصل عليه أصحاب الاستثمار تماثل تماما نسبة الفائدة على الودائع، رغم أنه من المقرر أن يزيد الأول عن الثاني كما كان يحدث في بداية حركة البنوك الإسلامية. وذلك لأن صاحب الحساب الاستثماري في المصرف الإسلامي يحصل على ربح وهو بالطبع أعلى من سعر الفائدة وأن المصرف الإسلامي يتعامل في السلع وأرباحها تتغير من سلع لأخرى، ومما لا شك فيه أن لهذا الربط بين العائد في المصارف الإسلامية والفوائد على الودائع في البنوك التقليدية له آثار سلبية على مسيرة المصارف الإسلامية ويغذي الشائعات التي تنتشر بين العامة أنه لا فرق بين المصارف الإسلامية وبين البنوك التقليدية[8].

والأسباب الرئيسة لهذه المشكلة أن المصرف الإسلامي يسعر خدماته التمويلية والاستثمارية بسعر الفائدة الساري مثل بيع المرابحة [وكذلك الاستصناع والسلم والإجارة المنتهية] حيث لا يحدد هامش الربح على أساس نوع السلعة وهامش الربح فيها وإنما يحدد على جميع السلع استرشاداً بسعر الفائدة، بل يصل الأمر إلى الاتفاق في المشاركات والمضاربات على عائد للمصرف منها يعادل سعر معدل فائدة الإقراض في البنوك التقليدية، وإن كان ذلك ناتج عن ظروف المنافسة إلا أن المصارف الإسلامية لم تستطع حتى الآن إظهار أن التمويل والاستثمار فيها على مشاركة المصرف للعميل في تحمل المخاطر، بينما البنك التقليدي لا يتحمل أي مخاطر، ويحتسب الفوائد حتى في فترات الإعداد للمشروع و توقفه لأي أسباب[9]. ورغم جواز تعديل نسبة توزيع الأرباح في المضاربة باتفاق الطرفين حيث نص المعيار الشرعي رقم 13 المضاربة البند 8/3 على أنه يجوز في شركة المضاربة باتفاق الطرفين أن يغيرا نسبة التوزيع في أي وقت مع بيان الفترة التي يسري عليها الاتفاق، بيد أن المشكلة ليست في الجواز وإنما في أثر هذا التصرف على إثارة الشكوك والشبهات لدى جمهور المصارف الإسلامية.

5/4 التفاوت بين معدل ربح المساهمين وربح المودعين: يعد التفاوت   بين العائد على أموال أصحاب حسابات الاستثمار وبين العائد على الأسهم للمساهمين كبيراً، فعلى سبيل المثال بلغ معدل الربح للمساهمين في أحد البنوك 17% في حين لم تزد حصة أصحاب حسابات الاستثمار عن 2.5% إلى 4.5% حسب أنواع الحسابات (وهو يساوي الفوائد على الودائع في البنوك التقليدية)، وإذا كانت توجد مبررات للتفاوت منها اختصاص المساهمين بربح الاستثمارات الذاتية وعائد الخدمات المصرفية ونصيب المصرف من الربح بصفته مضارباً، إلا أنها لا تؤدي إلى هذا التفاوت الكبير، فكلا الطرفين يتحملون مخاطر الاستثمار، وبما أن تحديد نسب تواريخ الأرباح المحققة وكيفية تحققها لذلك فإنه يفضل تحقيقا للعدالة ألا يكون التفاوت في حصة الربح كبيراً، ويمكن للمصرف أن ينظر في تعديل نسب الربح قبل توزيع الربح لتقليل هذا التفاوت، وكما سبق القول  يجوز فقهاً تعديل نسبة الربح بعد التعاقد وقبل توزيع الربح[10].

وفي بادرة تدل على إحساس عميق بالعدالة تبرعت بعض البنوك الإسلامية من حصة المساهمين لدعم نصيب أصحاب الودائع. ويقترح بعض الباحثين[11]لتخفيف التفاوت في نصيب الأرباح بين المساهمين والمودعين أن ينص عقد المضاربة إضافة إلى نسبة توزيع الربح –ولتكن مثلاً 70% مثلاً لرب المال و30% للبنك- على شرط أنه لو بلغ مجموع الحصة الناشئة عن عمل المضارب في الربح الصافي للسهم –مقداراً معيناً- وليكن 2% أو 3% من رأس مال السهم، فإن ما يزيد عن ذلك المقدار يوزع على المضارب ورب المال بنسبة تؤدي إلى ثبات الفارق بين نصيب السهم ونصيب الوديعة الناشئ عن حصة المضارب عند المقدار المضروب أي 2% أو 3% في المثال.



[1]المصري، ص 62، وينظر حمود (1)، ص 416.

[2]المصري، ص 90-91.

[3]المعايير الشرعية، ص 225.

[4]معايير المحاسبة، ص 69-70.

[5]المعايير الشرعية، ص 224.

[6]ينظر: المعيار الشرعي رقم 23 الوكالة وتصرف الفضولي، البند 4/2، المعايير الشرعية ص 390، وأيضاً: عبدالباري مشعل، ص 44-81.

[7]المعايير الشرعية، ص 225.

[8]القري، ص 289، المصري (2)، ص 241.

[9]عمر، ص 407-408. وينظر: القره داغي، ص 20.

[10]قحف، ص 130-131، عمر، ص 408.

[11]قحف، ص131.