العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الفارق بين الرشوة والهدية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

المال وسيلة للحياة، ويمكن أن يكون عند الكثيرين هو غاية الحياة، لكن المرء يتخلّى عن جزء منه لغيره برضاه ظاهريّا، مع أنّه في واقع الأمر يكون له أهداف خفيّة عن النّاظر، لذا نسمع عن مصطلحات لا بدّ من الوقوف على حقيقتها فهناك الهديّة، وهناك الرشوة

وكل واحد منهما يصدر عن الرضا، ولا يخلو عن غرض، وقد حرمت إحداهما دون الأخرى، لذا نسأل ما الفارق بين الرشوة و الهدية؟ وتأتي الإجابة مفصّلة من علماء الدين الذين حرصوا على توضيح الطريق الموصل إلى رضا الله جلّ جلاله، والتّنبيه من الطّريق المودي بالإنسان إلى نار جهنّم.

يقول الغزالي في إحيائه:

إن باذل المال لا يبذله قط إلا لغرض، والغرض إما آجل كالثواب، وإما عاجل، والعاجل إما مال، وإما فعل وإعانة على مقصود معين، وإما تقرب إلى قلب المهدى إليه بطلب محبته، إما للمحبة في عينها، وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض وراءها. فالأقسام الحاصلة من هذه خمسة:

الأول: ماغرضه الثواب في الآخرة، وذلك إما أن يكون لكون المصروف إليه:

(١) محتاجاً، أو

(٢) عالماً، أو

(٣) منتسباً بنسب ديني، أو

(٤) صالحاً في نفسه متديناً.

فما علم الآخذ أنه يُعطاه لحاجته لا يحل له أخذه إن لم يكن محتاجاً.

وما علم أنه يُعطاه لشرف نسبه لا يحل له أن علم أنه كاذب في دعوى النسب.

وما يعطي لعلمه فلا يحل له أن يأخذه إلا أن يكون في العلم كما يعتقده المعطى فإن كان خُيّل إليه كمالا في العلم حتى بعثه بذلك على التقرب ولم يكن كاملاً لم يحل له.

وما يعطي لدينه وصلاحه لا يحل له أن يأخذه إن كان فاسقاً في الباطن فسقاً لو علمه المعطى ما أعطاه، وقلما يكون الصالح بحيث لو انكشف باطنه لبقيت القلوب مائلة إليه، وإنما سِتر الله الجميل هو الذي يحبب الخلق إلى الخلق. وكان المتورعون يوكلون في الشراء من لا يعرف أنه وكيلهم حتى لا يتسامحوا في المبيع خيفة من أن يكون ذلك أكلًا بالدين فإن ذلك مخطر، والتقي خفي لا كالعلم والنسب والفقر، فينبغي أن يجتنب الأخذ بالدين ما أمكن.

الثاني: ما يُقصد به في العاجل غرض معين كالفقير يُهدي إلى الغني طعماً في خلعته، فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفي حكمها، وإنما تحل عند الوفاء بالثواب المطموع فيه، وعند وجود شروط العقود.

الثالث: أن يكون المراد إعانة بفعل معين، كالمحتاج إلى السلطان يهدي إلى وكيل السلطان وخاصته ومن له مكانة عنده، فهذه هدية بشرط ثواب، يعرف بقرينة الحال، فلينظر في ذلك العمل الذي هو الثواب، فإن كان حراما كالسعي في تنجيز إدرار حرام أو ظلم إنسان أو غيره، حُرم الأخذ وان كان واجبا كدفع ظلم متعين على كل من يقدر عليه أو شهادة متعينة فيحرم عليه ما يأخذه وهي الرشوة التي لا يُشك في تحريمها.

وإن كان مباحا لا واجبا ولا حراما، وكان فيه تعب بحيث لو عرف لجاز الاستئجار عليه فما يأخذه حلال معها وفي الغرض وهو جارٍ مجرى الجعالة، كقوله: أوصل هذه القصة إلى يد فلان أو يد السلطان ولك دينار وكان بحيث يحتاج إلى تعب وعمل متقوم، أو قال: اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا أو ينعم علي بكذا، وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام طويل فذلك جعل كما يأخذه الوكيل بالخصومة بين يدي القاضي فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام وإن كان مقصود يحصل بكلمة لا تعب فيها، ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه أو تلك الفعلة من ذي الجاه تفيد، كقوله للبواب: لا تغلق دونه باب السلطان، أو كوضعه قصة بين يدي السلطان فقط، فهذا حرام لأنه عوض من الجاه ولم يثبت في الشرع جواز ذلك، بل ثبت ما يدل على النهي عنه كما سيأتي في هدايا الملوك. وإذا كان لا يجوز العوض عن إسقاط الشفعة والرد بالعيب وجملة من الأعراض مع كونها مقصودة فكيف يؤخذ عن الجاه؟

الرابع: ما يُقصد به المحبة وجلبها من قبل المهديّ إليه، لا لغرض معين، ولكن طلبا للاستئناس وتأكيد للصحبة وتودداً إلى القلوب، فذلك مقصود للعقلاء، ومندوب إليه في الشرع، قال صلى الله عليه وسلم: تهادوا تحابوا، أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وضعفه ابن عدي، وعلى الجملة، فلا يقصد الإنسان في الغالب أيضا محبة غيره لعين المحبة بل لفائدة في محبته، ولكن إذا لم تتعين تلك الفائدة ولم يتمثل في نفسه غرض معين يبعثه في الحال أو المآل سمى ذلك هدية وحلّ أخذها.

الخامس: أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته لا لمحبته ولا للأنس به من حيث أنه أُنسٌ فقط، بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها وإن لم ينحصر عينها، وكان لولا جاهه وحشمته لكان لا يهدي إليه، فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب، فالأمر فيه أخف وأخذه مكروه، فإن فيه مشابهة الرشوة، ولكنها هدية في ظاهرها، فإن كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية حتى ولاية الأوقاف مثلا، وكان لولا تلك الولاية لكان لا يهدي إليه، فهذه رشوة عُرضت في معرض الهدية، إذ القصد بها في الحال طلب التقرب واكتساب المحبة، ولكن الأمر ينحصر في جنسه إذ ما يمكن التوصل إليه بالآيات لا يخفى، وآية أنه لا يبغى المحبة أنه لو ولى في الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير، فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة واختلفوا في كونه حراماً، والمعنى فيه متعارض، فإنه دائر بين الهدية المحصنة وبين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه في غرض معين. وإذا تعارضت المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحمدهما تعين الميل إليه، وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك، وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن السحت فقال: يقضي الرجل الحاجة فتُهدى له الهدية، ولعله أراد قضاء الحاجة بكلمة لا تعب فيها، أو تبرع بها، لا على قصد أجرة، فلا يجوز أن يأخذ بعده شيئاً.

في معرض العوض شفع مسروق شفاعة، فأهدى إليه المشفوع له جارية، فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.

وسئل طاوس عن هدايا السلطان، فقال: سحت.

وأخذ عمر رضي الله عنه ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال، وقال: إنما أعطيتما لمكانكما مني إذ علم أنهما أعطيا لأجل جاه الولاية.

وأهدت امرأة أبي عبيدة بن الجراح إلى خاتون ملكة الروم خلوقا فكافأتها بجوهر، فأخذه عمر رضي الله عنه فباعه وأعطاها ثمن خلوقها، ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين. وقال جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما هدايا الملوك غلول.

ولما رد عمر بن عبد العزيز الهدية، قيل له: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، فقال: كان ذلك له هدية، وهو لنا رشوة. حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية أخرجه البخاري من حديث عائشة أي كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ونحن إنما نعطى للولاية.

وأعظم من ذلك كله ما روى أبو حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث واليا على صدقات الأزد، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك بعض ما معه، وقال : هذا لكم، وهذا لي هدية. فقال عليه السلام: ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا. ثم قال : مالي أستعمل الرجل منكم فيقول هذا لكم، وهذا لي هدية ؟ ألا جلس في بيت أمه ليهدى له والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئاً بغير حقه إلا أتى الله يحمله فلا يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت؟ حديث أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث واليا إلى صدقات الأزد فلما جاء قال مالكم وهذا هدية لي الحديث متفق

وإذا ثبتت هذه التشديدات، فالقاضي والولي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه فما كان يعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته، وما يعلم أنه إنما يُعطاه لولايته فحرام أخذه، وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولا؟ فهو شبهة، فليجتنبه.

(إحياء علوم الدين للغزالي - باب الحلال والحرام)