العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مدى أهمية هامش الجدية في بيع المرابحة للآمر بالشراء

د. محمّد فيروز

باحث في الأكاديميّة العالميّة للبحوث الشرعيّة

تعريف هامش الجدية : هو المبلغ النقدي الذي يدفعه الواعد بالشراء بناء على طلب من البنك في حالة الإلزام بالوعد للاستيثاق من أن الواعد جاد في طلبه السلعة ، وليتأكد البنك بإمكان تعويض الواعد عن الضرر الفعلي الذي سيلحق به من أجل إخلاف الواعد بوعده. ومن المعروف أن للمرابحة صورتين رئيسيتين هما :

مرابحة فقهية ومرابحة للآمر بالشراء. ومرابحة للآمر بالشراء هي التي يمكن أن يطبق فيها مبدأ هامش الجدية لتحقيق هدف معين لأحد طرفي العقد. وغالبا ما يتمّ في بيع المرابحة للآمر بالشراء أن يطالب العميل البنك الإسلامي بشراء سلعةيحدد أوصافها، ويتوعد بشرائها من البنك الإسلامي بعد تملك البنك السلعة بثمنها وزيادة ربح معلوم. ومن المهم أن الوعد الذي صدر من العميل يلزم الواعد استيفاء وعده ، ويقتضي التعويض عن ضرر لاحق بطرف موعود له. وفي هذه المعاملة يجوز للبنك أن يشترط على العميل دفع هامش الجدية حتى يتأكد من قدرة العميل على تحمل ضرر فعلي لاحق به بسبب إخلافه الوعد. وفي حالة مخالفة العميل وعده، أخذ البنك المبلغ المدفوع تعويضا عن ضرر فعلي يتحمله حقيقة بسبب شرائه السلعة. ويجوز للبنك بيع السلعة في السوق حيث إنه يتعرض لمخاطر السوق بسبب انخفاض ثمن السلعة الذي يؤدي إلى خسارة البنك ، وحينئذ يأتي دور هامش الجدية في أن يأخذ البنك قدرا معينا أو الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع إلا أنه لايجوز للبنك أن يأخذ أكثر من قدر الضرر الفعلي اللاحق به.

وهناك حالة أخرى يمكن أن يستفاد منها هامش الجدية في المعاملات المالية المعاصرة خصوصا فيما يتعلق بالعملية المصرفية التقليدية المألوفة بين التجار في الصناعة المصرفية منذ زمن بعيد، فإنه من الصعوبة تطبيق مبدأ شرعي ما لوجود المخالفات الشرعية في تلك المعاملات التقليدية. تركز هذه المقالة على أحد القضايا التي تتعلق خصوصا بمبدأ هامش الجدية وتطبيقاته في بيع المرابحة للآمر بالشراء وهي موضوع هذه المقالة.

مثلا ، كما هو معروف، أن العادة التي يتعود الناس عليها ويألفونها اليوم في شراء السيارة مثلا، هي أن الراغب في شراء السيارة غالبا ما يكون حاله أن يعين البائع ،ويدفع مبلغا معينا أونسبة معينة من المبلغ المقطوع  مثلا مبلغ يساوي 10% من سعر السيارة المراد شراؤها . إذا كان سعرها 100,000  رنجبيت فإن %10منه يعادل   10,000 رنجيت ثم يلجأ العميل إلى البنك للحصول على التمويل الإسلامي حتى يتمكن من تسديد المبلع الباقي الذي يعادل 90,000رنجيت.فإذا كان التمويل الاسلامي مبنيا على المرابحة للآمر بالشراء، فإن البنك سيشتري السيارة من صانع معين بثمن حال ثم يبيعها للعميل بثمن مؤجل زائد على ثمنه الحالي والقضية التي نحن بصددها الآن هي التكييف الفقهي المناسب لمبلغ  10%. هل يعتبر عربونا فيكون العميل قد دخل في عقد البيع مع البائع أو الصانع ، ولا يجوز للبنك أن يشتريها من الصانع ويبيعها له مرابحة؟ أو أنه يعتبر هامش الجدية التي ليس بعقد فيجوز للبنك شراؤها من البائع؟ أو أنه يعتبر  من قبيل تصرف الفضولي حيث يكون العميل قد اشترى السيارة قبل أن يوكل به؟ وانتهى هذا كله إلى ثلاثة أشياء كالآتي:

1) بيع العربون

2) هامش الجدية

3) وتصرف الفضولي

التكييف الفقهي (1): بيع العربون

عرفه مجمع الفقه الإسلامي : بيع السلعة مع دفع المشتري مبلغاً من المال إلى البائع على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن  ، وإن تركها فالمبلغ للبائع (قرار رقم: 72 (3/8)[1]) . ويشترط أن يقيد بفترة زمنية يتفق عليها الطرفان. وأن العربون الذي يدفعه المشتري يكون جزءًا من الثمن إن أمضى البيع، وإلا فهو للبائع إن عدل المشتري عن الشراء، وهذا من باب خيار الشرط، وإذا كان مبلغ 10,000رنجية الذي دفعه العامل يعتبر فقها بيع العربون فإن على العميل فسخ هذا البيع أو المعاملة مع التاجر قبل أن يتعاقد مع البنك. فبيع العربون كما قرره مجمع الفقه الإسلامي يجب أن يتقيد بزمن معين التي من خلاله، مثلا شهر، يستطيع العميل أن يبحث عن ممول يمول له شراء السيارة فلجأ إلى البنك الذي سيشتري نفس السيارة من التاجر. إلا أن هذا لا يمكن إنجازه لأن بيع العربون من عقود المعاوضات اللازمة التي تترتب عليه آثاره الشرعية مثل انتقال ملكية السيارة بسبب ذلك إلى العميل والمبلغ الذي دفعه العامل يكون مملوكا للبائع. ويلاحظ هنا أن للبائع حرية في أن يبيع السيارة لمن شاء بعد مضي مدة العربون دون أن يدفع العميل جميع الثمن فلا فائدة في أن يبحث العميل الممول لشراء السيارة. وعلى هذا، فإن هذا التكييف الفقهي  لا يناسب التطبيق العملي لهذه المعاملة.

التكييف الفقهي (2): تصرف الفضولي

هناك من اقترح بأن تكون المعاملة بين العميل والبائع فضولية حيث إن العميل اشترى السيارة نيابة عن البنك قبل توكيله بذلك ،والحصول على إذنه في هذه العمليّة. فذهب مؤيد هذا الاقتراح إلى أنه ليس هناك مانع شرعي من أن يتحمل البنك المسؤوليات والمخاطر والضمان الذي يتحمله العميل بسبب شرائه السيارة ،ومن هذه المسؤوليات تحمّل مخاطر تسديد ما تبقى من ثمن السيارة كله الذي يجب دفعه في مدة العربون حتى لا يبيع البائع السيارة لشخص آخر. والبنك في هذه الحالة يتحمل تلك المسؤولية قبل أن يعين العميل وكيلا عنه في شراء السيارة  وفي الحقيقة، إنّ تصرف الفضولي الذي تحدث عنه الفقهاء يغاير ما مضى ذكره. إذا تأملنا حقيقة هذا الرأي، وجدنا أن الوكالة لها أركانها وشروطها التي يجب توفرها لترتّب آثارها الشرعية عليها والتي من دونها ليس للوكالة أثر شرعي. ومن تلك الشروط: أن يكون البنك قادرا على القيام بما وكل به العميل إلا أنه في هذه الحالة لا يستطيع البنك شراء السيارة من البائع لأن العميل قد ملكها عن طريق بيع العربون الصحيح عند من يقول به ،وتترتب عليه آثاره مثل انتقال الملكية.

التكييف الفقهي (3): هامش الجدية

بناء على تعريف هامش الجدية الآنف الذكر،نجد أن هامش الجدية دفع للتأكد من ثقة العميل بوعده شراء السيارة من البائع حتى يمكن للبائع أخذ هذا المبلغ منه في حالة نكوله الوعد إلا أن هذه القضية تختلف عن ممارسة عادية لهذا المبدأ لأن الذي وعد بشراء السيارة هو العميل والذي استوفى الوعد هو البنك. فهل يجوز مثل هذه المعاملة؟ أرى أنه ليس من المفروض أن يستوفي العميل وعده بنفسه بل يجوز لطرف آخر مثل البنك  أن يستوفي ذلك بشراء السيارة التي وعد بشرائها العميل ، ثم بيعها للعميل مرابحة شريطة أن يرضي بذلك العميل. ولأن البائع لا يلحق به أي ضرر والعميل قد حصل على مقصوده وهو شراء السيارة بما يتغابن به الناس ، وكذلك تحقق مقصود البنك في الحصول على الربح في هذه المعاملة.

الخلاصة

والخلاصة أن مبدأ هامش الجدية له أهمية كبيرة في صناعة المصرفية الإسلامية لا سيما فيما يخص الوعد الملزم من أحد طرفي العقد ليتمكن الموعود له التعويض عن ضرر فعلي الذي قد يلحق به من أجل عدم وفاء الواعد بوعده. إضافة إلى  أنه يكون حلا شرعيا لبعض المشاكل الشرعية التي حلّت بالعملية المصرفية المعاصرة بسبب ما يألفه الناس منذ القدم.