العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التراث ملك الإنسانيّة جمعاء وترجمة كتب الفقه الإسلامي ضرورة

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

سافرت إلى روما عام 2003 للمشاركة بدورة موضوعها (تنشيط خدمات التجارة الخارجية) أقيمت بإشراف الاتحاد الأوربي، واستغرقت الدورة شهراً. حاولت أثناءها كتابة ما أستطيع من معلومات، ونشرت ذلك في صحف محلية للانتفاع به ، فربَّ سامعٍ أوعى من مُبلّغ، وكنت قد أفردت فيها ملاحظات أحسبها تحتاج مزيداً من البحث. وطلبت في حفل تخريج الدورة إذناً بالكلام لتلخيص ما فهمته، فكان الحوار التالي:

قلت: ما فهمته من الدورة أن يشكل قطاع الزراعة 6-7% من الناتج القومي ، ولقطاع الصناعة مثل هذه النسبة، ثم يوجه الباقي والبالغ 85% إلى قطاع التجارة وخدماتها، فهل هذه رؤية الاتحاد الأوربي لهيكلية وبنية الاقتصاد للقرن الجديد؟ هل ما فهمته صحيحاً؟

قيل: نعم هذه هي أفضل هيكلية. فخدمات التجارة هي الوعاء الأوسع لتداول السلع والخدمات لتحقيق القيم المضافة، ولإشباع الحاجات محلياً، وتوجيه الفائض للتبادل الدولي.

فقلت: لقد قال وزير الاقتصاد عندنا منذ ألف عام: (تسعة أعشار الرزق في التجارة والحرث، والباقي في السائبات). وهو الماوردي، أي أنه جعل 90% للتجارة والزراعة، وترك 10% لباقي القطاعات الأخرى، والماوردي استقى من خبراته العلمية والمهنية.

وتابعت قائلاً، لقد أسهب الماوردي في شرح أنواع التجارة قائلاً بأنها نوعان:

1.    النوع الأول: (تقلُّب في الحَضر من غير نقلة ولا سفر وهذا تربص واحتكار وقد رغب عنه ذوو الأقدار وزَهدَ به ذوو الأخطار)، فاعتبر أن التجارة دون ربطها بخدماتها اللوجستية من نقل ، وما يستلزمه من تعبئة وشحن وتخزين وتحميل وغيره، والاكتفاء باحتكارها من زمن رخصها إلى زمن ارتفاع سعرها إنما هي تجارة يقوم بها أناس يتجنبون المخاطرة، ويلاحظ تسميته لها بالاحتكار إشارة لكراهتها لما تحدثه من تضييق على الناس، ولحرمتها أحياناً لأنّها استغلال لحاجاتهم الضرورية. وقد أشار الماوردي في أحكامه السلطانية لأهمية النقل في اتخاذ القرار وأثره على السعر، فقال: (ومن الناس من اعتبر شرطا رابعا وهو قُربها من البلدان والأسواق وبُعدها لزيادة أثمانها ونقصانها).

2.    النوع الثاني: (والثاني تقلّب بالمال في الأسفار ونقله إلى الأمصار فهذا أليق بأهل المروءة وأعم جدوى ومنفعة غير أنه أكثر خطرا وأعظم غررا). فكانت دعوة إلى التجارة البينية المنتجة رغم ما تحمله من أخطار وما يقابلها من ربح مغرٍ. لقد نهى عن التجارة غير المجدية التي تهدف لحبس الأشياء لحين الحاجة إليها، واعتبرها من الأخلاق الدون، فليس فيها تقليب للمال بل انتقال من حيّز لآخر.

وبذلك عبّر  الماوردي منذ ألف عامعما وصل إليه أكابر الاقتصاديين الآن في هيكلته للاقتصاد، بل أضاف البعد الأخلاقي في استبعاد صنف التجارة المسيء للمجتمعات قبل استفحاله، وهذه إضافة لم تتطرق لها الأدبيات الاقتصادية الحديثة.

بعد مداخلتي تلك، جلست ظاناً أني قد انتصرت لفكرة قد سبق إليها الاقتصاد الإسلامي، لكن فرحتي لم تكتمل لأن الرد كان سريعاً وغير متوقع.

فقيل: ولماذا أنتم مستهترون بما عندكم  فلا تكتبونه للناس ؟و لماذا تدعون الكرم وأنتم بخلاء بعلومكم فلا تترجمونها لغيركم ؟ فانتقلت من منصّة  المحامي إلى متهم في قفص ففي كلامه إدانة ولوم شديد لكلّ مقصّر

ً، واتهام  بحرمان الإنسانية من علوم وتراث غني. حرمناهم علوماً فتح الله بها علينا , و تركناهم يجربون ، يتعثرون ويتعلمون من أخطائهم بالممارسة حتى وصلوا لما وصلوا إليه. كنّا ومازلنا مقصرين ومضيعين للوقت فقد استغرق وصولهم إلى الأحكام التي وضعها العرب سابقا  ما يزيد على ألف سنة. شعرت أننا متهمون مهملون حيث شغلنا أنفسنا بأمور الحياة التافهة وتركنا الأمور الجليلة لغيرنا ، ولم نكلف أنفسنا حتى عناء التفاخر عليهم بما عندنا .

فإذا كان هذا عتب البروفسور الأوربي، فكيف سيكون عتب الماوردي علينا نحن- الاقتصاديين – العرب المسلمون ؟

أغلقت دفتر ملاحظاتي، وختمته بخط عريض: (يجب الترجمة إلى اللغات الأخرى).

كنت قد بدأت كتابة هذه القصة بعد نشر قصة مهندس الحيل والميكانيكا محمد بن موسى بن شاكر في العدد الخامس عشر، وذكرنا كيف اهتمت عائلة موسى بالترجمة في زمن الخليفة المأمون الذي اهتم هو أيضا بترجمة العلوم إلى العربية.

ثم وبعد مقالين متتالين نشرتهما عن إدارة التغيير تحاشياً للوم الذات وجَلدها وبغية بث الأمل باستمرار، عدت لنشر هذه القصة، خاصة بعد المقال ذي البعد الاستراتيجي للدكتور عبد الباري مشعل الذي نتشرف بعرضه على صفحات هذا العدد، والذي يُعالج نفس الإشكالية، لكن من جوانب أخرى، وقد لا أكون موافقاً له في بعض نقاط بحثه لكني لا أخالفه فيها.

استنتاجات وعبر

-       نجد في قصة المهندس محمد بن موسى: اهتمامه وأبوه وأخويه بالترجمة وإنفاقهم عليها من مالهم الخاص، وكذلك فعل الخليفة المأمون بوصفه شخصية اعتبارية، لذلك فإن القيام بنقل العلوم وترجمتها مهمة ملقاة على كاهل المجتمع ومؤسساته إضافة إلى الدول ومؤسساتها.

-       يلاحظ أن البروفسور الذي أجابني (لماذا لا تترجمون ذلك؟) لم يخجل في طلبه هذا رغم أنه كان في وضع الملقن المعلم من واقع تجربة ناجحة، فلعله صادق وموضوعي في طلبه للعلم، بل أنا الذي خجلت بوصفي أنتمي لأمة تكاسلت وارتضت لنفسها الخنوع عن طلب العلم حتى صارت إِمعةً بين الأمم.

وجهات نظر

انتهج الخليفة المأمون وعائلة بن موسى الترجمة من اللغات الأخرى إلى العربية، لإعادة إنتاج المعارف بشكل مزيد ومنقح.

وانتهج الدكتور مشعل نفس نهج قصة محمد بن موسى، وزاد عليهادعوته للقراءة بلغة تلك الكتب الأجنبية، لمن يجيد اللغة الأخرى بوصفها الحل الأخير. بعدما شعر بمرارة اليأس من اقتراب حلم التنفيذ لأنّه يحتاج إلى مهارة اللغة الأجنبية ومهارة التعامل معها ونقل المعلومة بمصداقيّة وموضوعيّة إلى اللّغة العربية ،كما أنّها تحتاج إلى هيئات مشجّعة ومموّلة بعيداً عن عوائق البيروقراطيّة والمحسوبيّة .

أما وجهة نظري الغيورة على اللغة العربيّة والمادّة العلميّة  فقد تناولت المشكلة من زاوية أخرى أكثر إيلاماً، تتلخص بترجمة أمهات كتب تراثنا الفقهي إلى اللغات الأجنبية، ليطلعوا وعليها ويستفيدوا منها ويطبقوها، بعد أن يضيفوا عليها ما عندهم نعود لنترجمها من خلال وجهة نظر ثانية عسى أن نقتنع بتجاربهم فنجتهد في نقلها واستيرادها إلى مجتمعاتنا، لنُفيد أبناءنا وأهلنا.

ومثال ذلك: وضعت في عام 2009 نموذجاً رياضياً للاقتصاد الإسلامي باللغة العربية نشرته على الإنترنت، وخلال ستة أشهر لم أسمع عليه تعليقاً واحداً،واكتشفت أنّني مخطئ لأنّني نسيت أن العرب لايكرهون شيئاً كراهتهم للقراءة ،والدّليل أنّه عندما  تفضلت الأستاذة إيمان البيج بترجمته للإنكليزية، وخلال أقل من شهر، جاءتني تعليقات ومداخلات ومناقشات كثيرة جداً، كان أهمها من الولايات المتحدة الأمريكية، فعلمت أنهم يقرؤون كل جديد ، ويأخذون به، لذلك سادوا الناس ويسوسونهم أيضاً. وكذلك حصل معي عندما وضعت نموذج (مقام) الرياضي حيث علمت من الأخ محي الدين حجار أنه قد أُدرج بمواضيع الدكتوراه في جامعة السوربون.

وفي ثنايا عرضي لهذا الموضوع أتوجّه بالشكر لمن قام بعملية ترجمة كتب تراثية كثيرة إلى لغات أخرى، ولحسن الحظّ اطلعت على تراجم تُعد حالياً لكتب ابن تيمية، وأخرى لفتاوى قديمة وحديثة، فقد سئم العالم من انتظار  أن نستيقظ من سباتنا الحضاريّ الطويل.

لقد صارت أفضل شهادات الدكتوراه لاختصاص اللغة العربية تعطى في بلاد الغرب، وأفضل شهادات الدكتوراه لاختصاصات الاقتصاد الإسلامي تمنح من بلاد غير عربية، منها الإسلامي ومنها غير ذلك، فماذا بعد؟

فإن سأل سائل لماذا هذا اللف والدوران؟ فلربما كان الجواب ليس ممتعاً ولا مقنعاً: إن أمة (اقرأ )التي ابتدأت دعوتها بكلمة (اقرأ)أمّة مهملة كسولة تحسن استهلاك كلّ شيء أمّة من إسفنج صناعيّ تمتصّ أيّ سائل لافرق بين ماء طاهر ولا ماء آسن بين أبنائها لأنّهم لا يحبّون القراءة ، بل ينتظرون الآخرين أن يقرؤوا لهم ، ويفرضون عليهم ما يريدون  ، لذا ينقلون فهم الآخرين إلى بلادهم و إلى مجتمعاتهم، وهيهات أن يكون النقل صحيحاً غير مشوه!.

الفجوة المعرفية

لقد اكتشفت في رحلتي تلك أننا نعيش فجوة معرفية عمرها مئات السنين، لقد صارت خياراتنا محدودة، فإما أن نقرأ في الكتب القديمة والتي يحلو لبعضهم تسميتها ذات الصفحات الصفراء التي تتميز بأسلوبها الأدبيّ الذي بات يحتاج إلى متخصصين لفهم أساليب تلك المرحلة من حيثجزالة المعاني ومتانة الأفكار. أو أن نقفز إلى الكتب الأجنبية التي تحتاج إلى متمكن باللغة الأخرى وفي كلتا الحاتين يصبح الأمر مشكلة عند الكثيرين .

فأين ذهبت المرحلة التي بينهما؟ ولماذا هذه الهوّة العميقة في أبعادها الثلاثة؟والمشكلة الأشد قسوة تتجسد بسؤال تائه يفتش عن جواب: وإلى متى؟