العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

خياراتنا الصعبة بين ترجمة العلوم الاقتصادية وترجمة العقول الاقتصادية

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

الترجمة فنّ وعلم ، فهي علم لأنّها تحتاج إلى خبرة المترجم بقواعد لغتين وأساليبهما البلاغيّة ، وهي فنّ لأنّ المترجم مكلّف بنقل العقل والفكر من اللغة الأمّ إلى اللغة الثّانية بدقّة وسلاسة تجعل القارئ يفهم المقصود بلا ركاكة وتشويه للمعلومة ، لكن هل كلّ من يعرف لغتين يستطيع أن ينقل المعارف من هنا إلى هناك بسهولة ويسر ، ويتمكن من إيصال المعلومة العلميّة خاصّة إلى الدّارس في ميدان أكاديميّ ؟ أشكّ في ذلك والدّليل خبرة ذاتيّة حيث 

دعانيذات مرة أحد الذين اعتادوا ترجمة بعض الكتب الإسلامية من العربية إلى الإنجليزية لمراجعة ترجمته لكتاب عنوانه "الفائدة" من الإنجليزية إلى العربية قبل تسع سنوات تقريباً.

بدأت بقراءة الترجمة ، فشعرت أنني أفك ألغازا ،وأحلل كلمات متقاطعة، فمصطلحات لا تمت بصلة للاقتصاد، فضلا عن تراكيب لغوية سقيمة بسبب تأثرها الكبير باللغة الإنجليزية. فطلبت إليه أن يهتم باستخدام المصطلحات الاقتصادية ،وأن يهتم بإعادة بنية العبارة. اتصل بي متذمرا ،وشرح لي بعصبية خبرته الكبيرة في الترجمة حيث ترجم لكتاب فقه السنة للسيد سابق وغيره من الكتب الدينية، وأنه لا يطلب مني سوى مراجعة ترجمته العتيدة، فكانت النتيجة أني أهملت طلبه. مع أنّي وددت أن أسأله ما الذي يمنعك من الأخذ بوجهة نظر شخص آخر يجعل من عملك أمراً أفضل وذو نفع أكبر لك وللقارئ ولكن يصعب على المغرور أن يتعلّم .ومن خلال اطّلاعي على الكتب المترجمة في

 المكتبة الاقتصادية المتخصصة وجدت أن فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي تميزت بحركة ترجمة نشطة وواعية، فقد تمّ ترجمة أفضل ما كتب في الاقتصاد والتنمية والفكر الاقتصادي في الغرب، والمطلع على الكتب المترجمة في ذلك الوقت من قبل المصريين وأيضا العراقيين يستمتع بسلاسة العبارة ومتانتها العلمية وجمال بنيتها اللغوية والبلاغية دون أن يدرك أن أصل الكتاب بلغة أخرى.

لقد نفّذ تلك الترجمات وراجعها أساتذة متخصصون في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه كانوا يتمتعون بسلامة اللغة والنحو والبلاغة. والحقيقة ليس لدي معلومات دقيقة عن البيئة التي ساعدت على هذا النجاح، غير أنه من المؤكد أنه ساهم في ذلك الفكر القومي لجمال عبدالناصر الذي دعم رسميا هذه الحركة، وربما شهد العراق نشاط مماثلاً للأسباب نفسها.

لقد تمكن المصريون بلغتهم العربية السليمة أن يضعوا ترجمات علمية مختصرة ومعبرة لكل المصطلحات الاقتصادية، وأصبحت كتبهم تشكل مراجع علمية معتبرة للدراسة المنهجية وغير المنهجية. وأعتقد أن اعتماد الترجمات الناجحة للكتب الاقتصادية الدراسية أولى بكثير من اعتماد كتب عربية، لأن الواقع أثبت أن الكتب العربية المتخصصة في الاقتصاد ما هي إلا ترجمات تقل عن أصولها الإنجليزية في الفصول الدراسية والوسائل التعليمية، فلا يصل لطلبتنا من علم ومهارات إلا جزء مما يصل لنظرائهم في الجامعات الأمريكية.

في الثمانينات من القرن الماضي وما تلاها تلاشى تدريجيا هذا التميز في المواكبة في نوعية الكتب المترجمة وفي لغة الترجمة، ونشطت الترجمة اللبنانية بالتوازي مع نشاط ترجمة للكتب الدراسية المتخصصة في مجال الاقتصاد في السعودية، لكن المُطّلع على هذه الترجمات يلاحظ أنها تفتقد إلى كثير من العناصر الأساسية في فن الترجمة. وانتشرت في هذه الفترة كتب الأساتذة التي تفتقد إلى الهوية التي يمكن أن يتميز بها الدراسون للاقتصاد، حيث يكون الكتاب في أصله عبارة عن كتاب للمدرس قد ترجمه من أحد الكتب الإنجليزية أو نسخه مباشرة عن أحد الكتب العربية المترجمة أصلا ، ًوألزم به طلبته كمرجع دراسي والزمهم بشرائه أو تصويره وربما اتفق مع مركز التصوير لمقاسمة العائد.

وعلى صعيد آخر انتاب الضعف الدراسة الاقتصادية عندما تولاها العائدون من الدراسة في الجامعات الأمريكية والغربية فهؤلاء غابت عنهم المصطلحات الاقتصادية المستقرة التي تحدثنا عنها، وأصبحوا يُدخلون ترجمات جديدة لا ترقى إلى صفة المصطلح لكثير من المصطلحات الاقتصادية، فأحدث ذلك فجوة بين الدراسين للاقتصاد على أيدي الأساتذة المصريين الكبار والمراجع العلمية المترجمة ترجمة متميزة من جهة، وبين الدارسين الجدد من جهة أخرى، ولا أتوقع أن تميزا قد حدث بناء على هذا لصالح الدارسين الجدد؛ لأن المهمّة في الحال الثانية قد تدخل فيها صنّاع غير ماهرين كثر، ولم تكن وفق رؤية منهجية متكاملة.

لقد حصل هؤلاء الأساتذة على دراسة منهجية جيدة في بلاد الابتعاث، ولكنهم لن يستطيعوا بمفردهم نقل تلك المنهجية الدراسية بشكل متكامل لجامعاتنا. لا بد أن يكون ذلك في مختبر واحد على مستوى الجامعة أو الجامعات في الدولة. بل إن ممارساتهم الفردية قد أحدثت ازدواجية في المنهجية في جامعاتنا العربية .وبناء على توصيف المشكلة فإنّني

أرى أن جامعاتنا بحاجة ماسّة لمراجعة الكتب الدراسية المقررة في أقسام الاقتصاد ،وأمامنا خياران في هذا الاتجاه:

·       الأول: اعتماد منهجية دراسية متكاملة تتطابق مع منهجية الدراسة في الجامعات الأمريكية المتخصصة، واعتماد ذات الكتب بترجمات عربية متقدمة من حيث سلامة المصطلحات واللغة وصياغة العبارة، وهو عمل كبير ولا يمكن القيام به إلا من خلال فرق عمل كبيرة ورعاية حكومية وجامعية عليا. وتخدمنا في هذا سلسلة ملخصات شوم الدراسية بنسبة كبيرة لأنّها تتمتع بسلامة الترجمة في كل مجالات الدراسة المنهجية المتخصصة، وبالتالي نستغني عن كثير من التعب والعناء والتشتت الذي يواجهه المدرسون والطلبة في كليات الاقتصاد.

·       الثاني: اعتماد الكتب الدراسية كما هي في الجامعات الأمريكية المتخصصة بلغتها الإنجليزية، ودراستها باللغة نفسها، وهذا يريحنا من عناء الترجمة وضرورة مواكبة المستجدات. كماا يساعد على تلقي العقل الاقتصادي ليحفظ المصطلحات والمعاني والمرامي بلغتها الأم.

إنني أفضل دراسة الاقتصاد بلغته الأم ،أو عن كتاب مترجم ترجمة شاملة لشروط السلامة من حيث المصطلحات واللغة والصياغة مع ضرورة وضع المصطلح الإنجليزي والعربي مع بعضهما بصفة مستمرة، ولا أعبأ وألا ألتفت لعشرات الكتب المؤلفة في الكتب الدراسية الاقتصادية باللغة العربية؛ بل أرى أن البعد عنها من فضائل الأعمال. وكما يقول المثل: "اسأل مجرِّباً ولا تسأل خبيرا".

أتمنى من كليات الاقتصاد في العالم العربي أن تقوم بعمل توأمة مع جامعات أمريكية أو أوربية كحل دائم لتطوير دراسة الاقتصاد في بلادنا العربية، وهو أقصر الطرق لضمان أرضية سليمة منهجياً لخدمة الاقتصاد الإسلامي.

إن الذين أتحفونا بعطائهم في مجال الاقتصاد الإسلامي أبرزهم من دراسي الاقتصاد في الغرب، والذين شوهوا الاقتصاد الإسلامي بكتاباتهم الفارغة أبرزهم من خريجي الاقتصاد في جامعات عربية. أما أنا وأمثالي من طلبة الاقتصاد الإسلامي فمن همومنا أن نتلمس الطريق بين هؤلاء وهؤلاء لخدمة الاقتصاد الإسلامي بشكل أفضل.