العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أهمية رأس المال الفكري للمصرفية الإسلامية

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

شهدت الصناعة المصرفية الإسلامية في السنوات الأخيرة نشاطا متميزا في قطاعي التمويل والاستثمار الملتزمين بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، إضافة إلى الاهتمام بجانب الخدمات المصرفية ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي لتطوير أدائها،كماشهدت بعد الأزمة المالية العالمية مزيداً من الاهتمام النوعي والفكري واستقطبت اهتمام الخبراء ورجال الاقتصاد بل والسياسيين وغيرهم للتأمل في أسسها والاستفادة من المبادئ التي تقوم عليها. فهي نشأت في مجتمعات تطبق ، وتتعامل مع نظم مصرفية تقليدية مما فرض عليها نوعا من التحدي بالشكل الذي يقلل من ارتفاع درجة المخاطرة والسعي لكسب حصة أكبر من السوق المصرفي. ويقدر خبراء مصرفيون حجم المصرفية الإسلامية في العالم بحوالي 1.5 تريليون دولار، متوقعين أن يصل بحلول عام 2015 ما يقارب 2.1 ترليون بنسبة نمو 30 في المائة.

وفى ظل اقتصاد المعرفة أصبحت المعرفة من أهم الأصول الرئيسية لأي نمو اقتصادي أو اجتماعي، ومنه تحول العالم من البحث والتصادم من أجل مصادر الموارد النادرة إلى البحث والتصادم من أجل السيطرة على أكبر قدر ممكن من مصادر المعرفة. وهذا يعني أن المعرفة في هذا الاقتصاد تشكل مكونا أساسيا في العملية الإنتاجية كما في التسويق، وأن النمو يزداد بزيادة هذا المكون القائم على تكنولوجيا المعلومات والاتصال باعتبارها المنصة الأساسية لهذا الاقتصاد. ومن هنا تنبع أهمية رأس المال الفكري من كونه أكثر الأصول قيمة حاليا، إذ أنه يمثل القوى الفكرية العلمية القادرة على تطوير وتقدم المشروعات. وأصبح أهم مكونات الثروة القومية وأغلى موجودات الشركات والمنظمات الأخرى.

وحتى تستطيع الصناعة المصرفية الإسلامية المنافسة وكسب حصة أكبر من السوق المصرفي العالمي فإنها بحاجة إلى وجود رأس مال فكري، يمتلك المعرفة التي تنسجم مع خصوصيتها في جانب العمل المصرفي وكذلك الضوابط الشرعية لفقه المعاملات المالية، ويتصف كذلك بامتلاك المهارات والقدرات التي تناسب طبيعة هذه المصارف؛ نظرا لحجم التحدي الذي تواجهه من جانب ومن جانب آخر حتى تكون قادرة على جذب المودعين وتقديم الخدمات المصرفية اللازمة لمعاملاتهم المالية والمنسجمة مع أحكام الشريعة الإسلامية، إضافة إلى قدرتها في البحث عن فرص الاستثمار المناسبة والتي تلبي رغبة المودعين.

ويمكن تعريف رأس المال الفكري على أنه: مجموعة من الأشخاص الذين يمتلكون المعارف والخبرات والمنجزات التي تمكنهم من الإسهام في أداء المنظمات التي يعملون بها؛ وبالتالي الإسهام في تطور مجتمعاتهم بل والعالم بأسره، وتبعاً لذلك يمكن القول بأن رأس المال الفكري هو:

1.    جزء من رأس المال البشري للمنظمة.

2.    يتكون من مجموعة من العاملين الذين يمتلكون قدرات معرفية وتنظيمية دون غيرهم.

3.    يهدف إلى إنتاج أفكار جديدة أو تطوير أفكار قديمة.

4.     يسعى إلى توسيع الحصة السوقية للمنظمة.

5.    لا يتركز في مستوى إداري معين دون غيره.

6.     لا يشترط توافر شهادة أكاديمية لمن يتصف به.

فرأس المال الفكري هو المعرفة، لكن أية معرفة؟

مثال توضيحيّ : عامل في معمل للحديد له ميول أدبيّة و يتقن أحد الفنون كالشعر أو الزجل أو كتابة القصة، فمن المؤكّد أنّ هذه المعرفة  لا تفيد في العمل، لأنّ  هذه الموهبة الأدبية لذاك العامل  لا تقدم حلولا للعملاء. فرأس المال الفكري هو المعرفة المفيدة للمشروع، لكن إذا كان هذا العامل ذو الميول الأدبية يعمل في دار نشر مثلا فإن تلك المعرفة تعتبر رأسمالا بشريا. لأنّ مهارة العامل تصبح ذات فائدة ولها  قيمة عالية للمشروع.

في المحصّلة : رأس المال الفكري هو المعرفة التي يمكن توظيفها، فالمعرفة لا تصبح رأس مال إلا إذا تم العثور عليها أولاً وتوظيفها ثانياً بحيث يمكن استخدامها لصالح المشروع. فإذا كان لدى أحد عمال المصانع فكرة رائعة لتحسين الإنتاج فهذا أمر جميل لكنّه يبقى في ذهنه أو في محادثاته مع الزملاء مادة للحديث والتّسلية ، وبالتّالي لا فائدة من هذه الفكرة ، لكن عندما توضع في حيز التطبيق يصبح لها أهمية ، فلا طائل من وراء أية معرفة دون وضعها موضع التطبيق. فرأس المال الفكري الذي لا يجد طريقه للتوظيف والممارسة هو بمثابة رأس مال مدفون ومهدر.

لذلك فان الاهتمام بتطوير رأس المال الفكري في المصرفية الإسلامية يؤدي بها إلى:

1.    زيادة القدرة الإبداعية.

2.     جذب العملاء وتعزيز ولائهم.

3.    تعزيز القدرة التنافسية.

4.    خفض التكاليف وإمكان البيع بأسعار تنافسية.

5.    تحسين الإنتاجية كما ونوعا.

6.    الحاجة إلى إعطاء جهود التنمية البشرية والتدريب مضموناً استراتيجيا، يلبي احتياجات تنمية طاقات الإبداع والتعلم المؤسسي في جانب، وقيمة رأس المال المعرفي للمجتمع ومؤسساته في جانب آخر.

7.    يجعل هذه المشروعات تتأقلم مع مستجدات العولمة من دون حساسية وبأقل تكلفة ممكنة.

8.    يعمل على استغلال وتوظيف الأرباح المحققة للتمويل المحلي وتوسيع نشاط هذه المشروعات.

تتجلى إذا أهمية رأس المال الفكري في كونه أصبح دعامة تطور للمصرفية الإسلامية ونمائها، فكلما ازدادت معدلات المعرفة لدى الموظفين زادت قدراتهم العقلية والإبداعية، وهو ما يشكل ميزة تنافسية، بعدما تبين تفوق العنصر غير الملموس لقيمة التكنولوجيا المتقدمة على القيم الحقيقية لموجوداتها الحسية كالأبنية والمعدات، من هذا المنطلق جاء التركيز على رأس المال الفكري باعتباره إستراتيجية للتحول من صناعة صغيرة إلى صناعة أكثر تطورا.

ويكون ذلك من خلال:

·       تحفيز عمليات البحث العلمي والتطبيقي المرتبطة بالمنتجات المصرفية الإسلامية، وإنشاء نظام خاص يقوم به الاختصاصيون بتقديم الخدمات الإرشادية للتغلب على العقبات التي تواجه تطويرها.

·       عدم اعتبار المؤسسات المصرفية الإسلامية كيانات منفصلة بل هي جزء من مجموعة مترابطة ذات علاقات متداخلة من التعاون والتنسيق فيما بينها.

·       ضرورة إنشاء مراكز اعتماد التدريب الإسلامي لرفع المستوى المهني للعاملين في الصناعة المالية الإسلامية من خلال وضع المعايير والقواعد التي تحكم خدمات التدريب والإشراف على اعتماد كل من المدربين والبرامج التدريبية والهيئات القائمة على أعمال التدريب ، بالإضافة إلى تقديم برامج ودورات وندوات متعددة في مجال تطوير المنتجات الإسلامية وتسويقها والإشراف عليها.

ولهذا إذا أردنا التقدم فلا سبيل سوى قيام مؤسسات مالية إسلامية تقوم في الأساس على استغلال رأس المال الفكري باعتباره أهم أصول قيام ونمو المؤسسات، وبناءً على هذه الدّراسة  فإنني أوصى بما يلي:

1.    ضرورة تفعيل مفاهيم رأس المال الفكري ضمن الهيكل التنظيمي للمؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية وكذلك تطوير الهياكل الحالية وفقاً لمفاهيم ووظائف إدارة الموارد البشرية كفلسفة وليس كإجراءات، مما يساعد على تشجيع الأفراد على الابتكار والإبداع عن طريق إفساح المجال أمامهم لتقديم أفكار ابتكارية تهدف إلى التميز والتفوق.

2.     تطوير وإعداد الخطط الإستراتيجية للمؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية كي تستوعب مفاهيم وقيم وأهداف رأس المال الفكري والحرص على مشاركة المديرين في كافة المستويات في صياغتها.

3.    تبنى نشر مفاهيم وثقافة إدارة المعرفة وقيم رأس المال الفكري من خلال ورش عمل وحلقات نقاشية على أن يتم الإسراع في تنفيذ ذلك من أجل الارتقاء بالأداء.

4.    التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة لنشر ثقافة إدارة المعرفة ورِأس المال الفكري من خلال تشجيع المؤسسات والأفراد على ضرورة استيعاب مفاهيمه ومكوناته وطرق قياسه.

5.     استقطاب المواهب والكفاءات المتفوقة مع رعاية هذه الكفاءات عن طريق وضع برامج للاحتفاظ بهم والمحافظة عليهم وذلك لخلق بيئة ابتكارية تدعم القدرات التنافسية.

6.    وضع الإطار العلمي والعملي لتطوير وإدارة المواهب وصياغة النظم الكفيلة لتحقيق التميز المؤسسي لتنمية وتطوير المواهب على كافة المستويات ما يساهم في تعظيم رأس المال الفكري.