العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أدباء اقتصاديون

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

مقدّمة : لا يخفى على أيّ دارس في موروثنا الثّقافيّ أنّه عندما يتنقل بين صفحات كتاب واحد من هؤلاء العمالقة  أنّه يقابل شخصيّة موسوعيّة لأنّه  يستطيع أن يبحر بالقارئ  في أيّ علم من علوم تلك المرحلة ،قد تختلف درجات الإتقان ، وهذا أمر حتميّ لكنّ من غير أن ينقصه أمر التّفوّق في ميدان ما . وأديبنا لهذا اليوم ابن حزم الأندلسيّ المشهور في ميدان الأدب لكنّ آراءه في الاقتصاد قيّمة وتستحقّ منّا كلّ اهتمام

حيث ذكر في كتاب الأخلاق والسير - مداواة النفوس: قاعدة الوفرة والندرة الاقتصادية. فقال:

§  من عجيب تدبير الله عز وجل للعالم أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه كان ذلك أهون عليه، وتأمل في الماء فما فوقه.

§  وكل شيء اشتد الغنى عنه، كان ذلك أعزّ له، وتأمل في الياقوت الأحمر فما دونه.

لقد عزا ابن حزم قوانين الطبيعة المتوازنة لتدبير الله لأنه الخالق البارئ، فمن لطف الله أنه خلق البشر وهم بحاجاتهم يمثلون الطلب، وما خلقه الله من موارد لهؤلاء البشر إنما تمثل العرض.

وتجلت حكمة الخالق البارئ الخبير بخلقه وحاجاتهم أن جعل ما يحتاجونه ،ولا يستغنون عنه أبدا كالماء والهواء متاحاً بكثرة ، والحصول عليه لا تكلفة فيه كاستنشاق الهواء وشرب الماء وتحصيله، إلا في حالات استثنائية.

ثم جعل البارئ عزّ وجلّ الموارد التي لا يحتاجها الإنسان- بل ويمكنه الاستغناء عنها- عزيزة على التحصيل قليلة الكمية كالألماس والياقوت والذهب ما شابهها.

وبحسب قانون العرض والطلب فإن الكميات الوفيرة من الموارد الضرورية والماسة تجعلها عديمة القيمة أو ذات قيمة منخفضة جدا. والكميات النادرة من الموارد غير الضرورية لكمالية الحاجة إليها تجعلها مرتفعة القيمة، فكان لها دور النقود في خزن القيمة وتبادلها لصلاحيتها أمام عوامل الزمان والاستعمال.

لقد أدرك ابن حزم تلك القواعد الاقتصادية الهامة، فربط الحاجة بالكثرة والندرة، وتوقف عند الموارد التي تقف على النقيض من بعضها ، ثم فسرها بشدة الحاجة أو عدمها، ورد ذلك إلى خالق الموارد وخالق البشر والخبير بخلقه جلّ جلاله ولو ترك النّاس الطبيعة تسير على هدي الله لكان فيه راحة للبيئة من أذاهم وراحة لهم.