العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

رياح التغيير وسطوة القرار أيهما أسبق القرار السياسي أم القرار الاقتصادي؟

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

إن التغيير أمرٌ طبيعيٌ وحتميٌ فهو رياحٌ لابد من هبوبها في كل وقت وفي كلّ حين من عمر هذا الإنسان، لذا نجده يحكم سلوك الناس عموماً وقادتهم خصوصاً من خلال قواعد يجب أن تكون أخلاقية حميدة، كما يجب أن يمتاز قادتهم بالأسوة الحسنة في الأقوال والأفعال كي يتمكّنوا من إقناع المرؤوسين . 

وللتّغيير اتجاهان متناقضان فإذا:
كان اتجاه التغيير من أعلى الهرم إلى أسفله فعندئذ يكون التغيير حكيماً متأنياً ويسعى لتنفيذه القادة الحكماء، أمّا إذا كان من أسفله لأعلاه فيكون التغيير ثورياً تصاحبه في الغالب قلة الحكمة وعدم التأني وهذا فعل الجماهير الغاضبة السّاعية إلى تغيير ربما لا تدري أبعاده. وما يهمنا في هذا المقام هو النوع الأول بوصفه الحالة المنشودة.
إن أداة التغيير القيادية هي اتخاذ القرار، والقرار إما أنه ذو مدخل سياسي أو اقتصادي، لكن أيهما يسبق الآخر؟ وأيهما هو المرتكز الصحيح؟
إن أسبقية أحد القرارين عن الآخر هي جدلية متموجة في حركتها التاريخية، فامتلاك القوة المالية يعتبر دافعاً كبيراً لاتخاذ قرارات سياسية، سواء منها ما كان المفيد أم غير المفيد، فعند نفاد الجيوب، يتقهقر القرار السياسي نحو الخلف ليختبئ خلف من يمول آثاره وتبعاته. إلا أن المدخل الاقتصادي غالباً ما تحكمه مصالح عمياء أو عوراء، مما يستدعي تدخل القرار السياسي حماية للمصالح العامة.
وفي الحالتين إن خضعت عمليات اتخاذ القرار لسلطة فرد أفضت إلى آثار مدمرة غير قابلة للتحكم، وإذا تمت صياغتها كقوانين ضمن قواعد وضوابط ناظمة فستكون آثاره قابلة للتحكم، فإن سيطر تيار على آلية اتخاذ القرار عدنا للمربع الأول، وإن أصابته البيروقراطية فسيصيب المجتمع فساداً عريضاً.
لقد شغل هذا السؤال بالي منذ سنوات دراستي الجامعية الأولى، وكتبت حينها أن القرار السياسي ضروري في فترات الإصلاح الثوري وخلال فترة الثورة، لكن بعد حصول الاستقرار والأمن بين الناس لابد من مشاركة القرار الاقتصادي والاجتماعي. إذن تارة تحصل مساواة بين القرار السياسي والاقتصادي، وتارة يتغلب أحدهما على الآخر بحسب ما تمليه الضرورات الاجتماعية وهكذا.
وبناء عليه، فإن للقرار السياسي وجهان: وجه اجتماعي ووجه شخصي، والربط بينهما يعبّر عن مصلحة اقتصادية، وهذا يشكل نقلة موضوعية في مجال القرارات السياسية. 
لذلك لابد من ارتفاع قدر القرار الاقتصادي إلى مصاف القرار السياسي، فاتخاذ قرار بإصدار أوراق نقد دون رصيد لمساعدة قطاع سياسي أو تغطية لحدث معين دون الاستناد لأسس اقتصادية، مؤداه ظهور تضخم مالي ضارّ. 
فمن هو المتحكم بالقرارات؟ 
هناك من يرى أن الاقتصادي لا يناقش الأهداف لأنها معطاة له، وهو يمكنه مناقشة توافقها أو تناقضها، ويمكنه أيضا أن يسهم ببعض اتجاهات السياسة الاقتصادية لأنه يشارك بصفته مواطناً يحق له ذلك.
وهناك من يرى أن للعوامل الاقتصادية أثر في القرار السياسي في حالات عديدة، منها:
1. 1- أن الاقتصاد هو موجّه السياسة.
2. 2) أن هناك أوضاعاً اقتصادية تتطلب قرارات سياسية مباشرة.
3. 3) أن قرار المستثمر هو قرار اقتصادي بحت في معظم الأحوال.
4. 4) أن السعي إلى المزايا الاقتصادية دون نظر إلى ما حولها يثير جدلاً في القضايا الحساسة.
ويرى آخرون أن القرارات الاقتصادية هي آثار ناجمة عن قرارات سياسية، فتحسن الأسواق المالية يكون بسبب القرارات السياسية المتخذة، خاصة عندما يركز المتداولون على القرارات التي تدعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
واعتبر بعضهم أن قوة القرار السياسي ترجع إلى قوة الاقتصاد، فالمال يأتي بالساسة ويذهب بهم أيضاً، ومثال ذلك توحيد العملة الأوربية، فالدول المعنية اتخذت قرارها السياسي بعد إرساء الجوانب الفنية والإستراتيجية. 
كذلك كان استخدام العرب لسلاح النفط قراراً سياسياً مصاحباً لقرار اقتصادي. 
وبناء عليه نخلص إلى النتائج التّالية :
1. 1) إن القرار الاقتصادي بحاجة إلى أرضية واسعة، ومساحة واضحة للعمل، بينما لا يحتاج القرار السياسي ذلك لأنه يحتاج الإرادة ثم العمل.
2. 2) لا يوجد قرار سياسي دون قرارٍ اقتصادي، كما لا يوجد قرار اقتصادي دون إرادة سياسية موحدة، ومتى توافرت هاتين الإرادتين يمكن القول بأن هناك أملاً ومستقبلاً في حياة أفضل.
مثال ذلك: إن الاختيار والتعيين في المناصب يجب أن يتم حسب الأهلية العلمية والمهنية وليس لاعتبارات سياسية، وإلا فالمشاريع الاقتصادية والمؤسسات الإنتاجية ستتأثر أولاً بأول، وستكون خاسرة لا ينقذها إلا اقتصادي متمرس علمياً وعملياً، وحيث أن السياسي ما هو إلا صاحب قرارات سياسية ومنفذ لخطط سياسية فقط، فإن المؤسسة ستتحول إلى مؤسسة سياسية وستكون الاجتماعات هو عملها، والتنظير السياسي هو شغلها الشاغل، والأعمال الإنتاجية تصبح ثانوية.
ومما يزيد الأمر إشكالية أن القرار السياسي يسود في حالات كثيرة، فالمحاكمات القضائية للدول غير الموقعة على بعض الاتفاقيات تحتاج لقرار مجلس أمن وهذا يخضع للسياسة والمصالح المرافقة لها وليس لمنطق الحق والعدل، وهذا مؤسف حقاً. فقد أدت الحرب العالمية الأولى إلى انحسار منطقة الإسترليني رغم كون بريطانيا دولة عظمى، وأدت الحروب الأخيرة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى انحسار السطوة العالمية للدولار، ومنشأ الحروب غالبه قرارات سياسية!! وها هي الأزمة المالية التي تعيشها الحكومات الغربية تجعلها تعدل عن قرارات كثيرة كانت بالأمس القريب قرارات إستراتيجية لا تنازل عنها ولا نقاش حولها.
كما يعتبر انفراد الإدارة التنفيذية في قرارات تميل لتحقيق مصالحها ومصالح مجالس الإدارة دون مصلحة مساهمي الشركة التي يديرونها بموجب عقد الوكالة بمثابة قرارات سياسية لأنها لا تحقق في الحقيقة مصالح ملاك الشركة الحقيقيين.
وتعتبر قرارات المقاطعة العلمية والاقتصادية قرارات أساسها سياسي، وللأسف تطبقها الشركات الأجنبية وتلتزم بها تجاه حكوماتها، بينما تنأى الحكومات العربية والإسلامية عن اتخاذ هكذا إجراءات مهما كان المصاب جللاً، ويستثنى من ذلك حدث يتيم في التاريخ الحديث هو ما فعله الملك فيصل عام ١٩٧٣. وتطبيق هذه القرارات السياسية مؤداه نزف اقتصادي، فمبيعات (أيفون) نجدها محدودة في البلدان التي تقاطعها السياسات الأمريكية، بينما تحتل نظمٌ أخرى مكانها كالأجهزة التي تعتمد (أندرويد) مثلا.
ولابد من التوقف في هذا الصدد عند كتاب السيطرة الصامتة لمؤلفته (نورينا هيرتس)، وخلاصته أن:
- الأفراد تخاف الحكومات لسطوتها عليهم.
- بينما تخشى الحكومات من الشركات لفسادها من جهة، والرغبة بجلب المصالح لبلادها من جهة أخرى.
- أما شركات فتخشى غضب الأفراد، لأنهم سبب عيشها وأساس موردها. وهذا يوافق القاعدة التسويقية بأن الزبون في النهاية هو الملك.
إذاً هي جدلية عقيمة، وستستمر ما لم يحكم التغيير قواعد أخلاقية حميدة تبدأ من رأس الهرم إلى أدناه جميعهم. 
فهل نجحت إدارة في إحداث التغيير؟
عرف الفقه الإسلامي ما يسمى بالسنة الفعلية وهي: ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال، فكان يجوع قبل الناس، ويشبع بعدهم، يصلي ثم يأمرهم بالصلاة كما يصلي، وشواهد هذ السنة تكاد لا تعد ولا تحصى. إلا أن التغيير الذي نجم عنها جاء في سلوك الناس بشكل رحيم فكان تغييراً راسخاً. أما أهم ما يمكن تمييزه فيه:
- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، كما وصفه العزيز الجبار في سورة فصلت ٢١: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا).
- كان منطق التغيير بالتي هي أحسن، يحكمه قول الله تعالى في سورة فصلت ٣٤: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). 
وتطبيقاً على ما ذكرناه من أمثلة والتي كانت على سبيل الذكر لا الحصر، فإن قرار اللجوء إلى إصدار أوراق نقد دون رصيد تحكمه قواعد الضرر، فإن أضرّ بمصالح الناس لم يكن دفعاً بالتي هي أحسن. ولا يكون توحيد العملة إحساناً إلا إذا كان سيجلب المنافع والمصالح للناس. وإذا كان استخدام الموارد الاقتصادية كسلاح لإحقاق الحق ودفع للضرر عن الناس كان إحساناً. كما أن اختيار العاملين للمناصب وخاصة منها العامة يجب أن يحقق مصالح الناس، لقوله صلى الله عليه وسلم: منِ استعملَ رجلًا منِ عصابةٍ، وفيهمِ منْ هوَ أرضَى للهِ منهُ، فقدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمؤمنينَ (السيوطي: الجامع الصغير ٨٤١٤).
كما أن المحاكمات القضائية للدول أو للأفراد يجب أن تحقق العدل، فقد روى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: إنما أَهلَك الذين قبلَكم، أنهم كانوا إذا سرَق فيهمُ الشريفُ ترَكوه، وإذا سرَق فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرقَتْ لقطَعتُ يدَها.
أما تفرد الإدارة التنفيذية بقرارات تميل لتحقيق مصالح غير المساهمين الذين وكلوها متناسية أن يدها ستتحول من يد أمانة إلى يد ضمان، مما يرتب عليها التعويض عن الضرر الذي أحدثته، وأن الإحسان يكون بعدم تقصيرها وتعديها، فللأسف إن كثيرا من الإدارات مقصرة ومتعدية وتأكل أموال المساهمين بالباطل، والأمثلة كثيرة والمقام لا يتسع لذكرها.
أخيراً إن المجتمع يجب أن يحكمه التراحم والإخاء لا الخوف والسطوة، ليسود التكافل بين الناس فيساند بعضهم بعضا ويتعاون الأفراد مع حكوماتهم فلا تذهب ريحهم ولا يذهب بأسهم بينهم وإلا هلكوا كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الآنف الذكر.
لذلك فلا غرو إن كان السبق للقرار السياسي أم للقرار الاقتصادي طالما أنه جاء بالتي هي أحسن ومن قدوة حسنة.