العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اقتصاد القناعة عند المادوري

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

اقتصاد القناعة[1]عند المادوري

يرتبط مفهوم الاقتصاد في أذهاننا بكلّ ما هو ماديّ لكنّ الإسلام الدين الشامل عمل على تهذيب نفس الإنسان المؤمن وسلوكه، وذلك عن طريق الدعوة إلى القناعة بالأرزاق والرضا بالأقدار كي تسير حياة المرء متوازنة خالية من أمراض القلب، ونحن ندعوكم في هذه المقالة إلى التعرف على اقتصاد القناعة عند الماوردي ولو تتبعنا ما ورد في صفحات الكاتب لطالعنا بمنهجية عقلية واضحة فهو يعمد إلى تعريف كلّ مصطلح يمرّ عليه، ويدعم كلامه بالشواهد الملائمة من الكتاب والسنة، ويرفدها بأقوال الحكماء والشعراء علّه يجد المؤيدين له فيما ذهب إليه من ضرورة التعرف إلى القناعة، وأهمية اكتساب هذا السلوك الإسلامي فيقول:

 

اللُّبُّ الْعَقْلُ. تَقُولُ: لَبِيبٌ ذُو لُبٍّ. وَالْجِدُّ فِي اللُّغَةِ الْحَظُّ، وَهُوَ الْبَخْتُ، وَالْجَدُّ أَيْضًا الْعَظَمَةُ. وَمِنْهُ قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا}. وَالْجَدُّ مَصْدَرُ جَدَّ الشَّيْءُ إذَا قُطِعَ وَالْجِدُّ بِالْكَسْرِ الانْكِمَاشُ فِي الأمُورِ أَيْ الاجْتِهَادُ فِيهَا، وَهُوَ أَيْضًا الْحَقُّ ضِدُّ الْهَزْلِ. وَبِالْحَاءِ إذَا مَنَعَ الرِّزْقَ وَمَجْدٌ مَجْدُودٍ لاَ يُقَالُ فِيهِمَا إلا بِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.

وَآفَةُ مَنْ بُلِيَ بِالْجَمْعِ وَالاسْتِكْثَارِ، وَمُنِيَ بِالإمْسَاكِ وَالادِّخَارِ، حَتَّى انْصَرَفَ عَنْ رُشْدِهِ فَغَوَى، وَانْحَرَفَ عَنْ سُنَنِ قَصْدِهِ فَهَوَى، أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ حُبُّ الْمَالِ وَبُعْدُ الأمَلِ فَيَبْعَثُهُ حُبُّ الْمَالِ عَلَى الْحِرْصِ فِي طَلَبِهِ، وَيَدْعُوهُ بُعْدُ الأمَلِ عَلَى الشُّحِّ بِهِ.

وَالْحِرْصُ وَالشُّحُّ أَصْلٌ لِكُلِّ ذَمٍّ، وَسَبَبٌ لِكُلِّ لُؤْمٍ؛ لِأَنَّ الشُّحَّ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ، وَيَبْعَثُ عَلَى الْقَطِيعَةِ وَالْعُقُوقِ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {شَرُّ مَا أُعْطَى الْعَبْدُ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ}.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْغَنِيُّ الْبَخِيلُ كَالْقَوِيِّ الْجَبَانِ.

وَأَمَّا الْحِرْصُ فَيَسْلُبُ فَضَائِلَ النَّفْسِ؛ لِاسْتِيلاَئِهِ عَلَيْهَا، وَيَمْنَعُ مِنْ التَّوَفُّرِ عَلَى الْعِبَادَةِ؛ لِتَشَاغُلِهِ عَنْهَا، وَيَبْعَثُ عَلَى التَّوَرُّطِ فِي الشُّبُهَاتِ؛ لِقِلَّةِ تَحَرُّزِهِ مِنْهَا. وَهَذِهِ الثَّلاَثُ خِصَالُ هُنَّ جَامِعَاتُ الرَّذَائِلِ، سَالِبَاتُ الْفَضَائِلِ، مَعَ أَنَّ الْحَرِيصَ لاَ يَسْتَزِيدُ بِحِرْصِهِ زِيَادَةً عَلَى رِزْقِهِ سِوَى إذْلاَلِ نَفْسِهِ، وَإِسْخَاطِ خَالِقِهِ.

وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {الْحَرِيصُ الْجَاهِدُ وَالْقَنُوعُ الزَّائِدُ يَسْتَوْفِيَانِ أَكْلَهُمَا غَيْرُ مُنْتَقِصٍ مِنْهُ شَيْءٌ، فَعَلاَمَ التَّهَافُتُ فِي النَّارِ}.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْحِرْصُ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَاَللَّهِ مَا عَرَفْتُ مِنْ وَجْهِ رَجُلٍ حِرْصًا فَرَأَيْتُ أَنَّ فِيهِ مُصْطَنَعًا.

وَقَالَ آخَرُ: الْحَرِيصُ أَسِيرُ مَهَانَةٍ لاَ يُفَكُّ أَسْرُهُ.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْمَقَادِيرُ الْغَالِبَةُ لاَ تُنَالُ بِالْمُغَالَبَةِ، وَالأرْزَاقُ الْمَكْتُوبَةُ لاَ تُنَالُ بِالشِّدَّةِ وَالْمُطَالَبَةِ، فَذَلِّلْ لِلْمَقَادِيرِ نَفْسَك وَاعْلَمْ بِأَنَّك غَيْرُ نَائِلٍ بِالْحِرْصِ إلا حَظَّك.

وَقَالَ بَعْضُ الأدَبَاءِ: رُبَّ حَظٍّ أَدْرَكَهُ غَيْرُ طَالِبِهِ، وَدُرٍّ أَحْرَزَهُ غَيْرُ جَالِبِهِ.

وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأدَبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ:

يَا أَسِيرَ الطَّمَعِ الْكَاذِبِ فِي غِلِّ الْهَوَانِ           إنَّ عِزَّ الْيَأْسِ خَيْرٌ لَك مِنْ ذُلِّ الأمَانِي

سَامِحْ الدَّهْرَ إذَا عَزَّ وَخُذْ صَفْوَ الزَّمَانِ          إنَّمَا أُعْدِمَ ذُو الْحِرْصِ وَأُثْرِيَ ذُو الْتَوَانِي

وَلَيْسَ لِلْحَرِيصِ غَايَةٌ مَقْصُودَةٌ يَقِفُ عِنْدَهَا، وَلاَ نِهَايَةٌ مَحْدُودَةٌ يَقْنَعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ بِالْحِرْصِ إلَى مَا أَمَّلَ أَغْرَاهُ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْحِرْصِ وَالأمَلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَأَى إضَاعَةَ الْغِنَى لُؤْمًا، وَالصَّبْرَ عَلَيْهِ حَزْمًا، وَصَارَ بِمَا سَلَفَ مِنْ رَجَائِهِ أَقْوَى رَجَاءً وَأَبْسَطَ أَمَلًا.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَيَبْقَى مَعَهُ خَصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَالأمَلُ}.

وَقِيلَ لِلْمَسِيحِ عليه السلام: مَا بَالُ الْمَشَايِخِ أَحْرِصُ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ الشَّبَابِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ ذَاقُوا مِنْ طَعْمِ الدُّنْيَا مَا لَمْ يَذُقْهُ الشَّبَابُ.

وَلَوْ صَدَقَ الْحَرِيصُ نَفْسَهُ وَاسْتَنْصَحَ عَقْلَهُ لَعَلِمَ أَنَّ مِنْ تَمَامِ السَّعَادَةِ وَحُسْنِ التَّوْفِيقِ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَنَاعَةَ بِالْقَسْمِ.

وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {اقْتَصِدُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ مَا رُزِقْتُمُوهُ أَشَدُّ طَلَبًا لَكُمْ مِنْكُمْ لَهُ وَمَا حُرِمْتُمُوهُ فَلَنْ تَنَالُوهُ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}.

وَرُوِيَ {أَنَّ جِبْرِيلَ (عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ) هَبَطَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَك: اقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَى}. فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ بِأَدَبِ اللَّهِ تَعَالَى تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتِ}.

وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: رُدُّوا أَبْصَارَكُمْ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا شُغْلًا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَأْوِيلِ قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قَالَ: بِالْقَنَاعَةِ.

وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: مَنْ بَاعَ الْحِرْصَ بِالْقَنَاعَةِ ظَفَرَ بِالْغِنَى وَالثَّرْوَةِ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قَدْ يَخِيبُ الْجَاهِدُ السَّاعِي، وَيَظْفَرُ الْوَادِعُ الْهَادِي.

فَأَخَذَهُ الْبُحْتُرِيُّ فَقَالَ:

لَمْ أَلْقَ مَقْدُورًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ           فِي الْحَظِّ إمَّا نَاقِصًا أَوْ زَائِدَا

وَعَجِبْتُ لِلْمَحْدُودِ يُحْرَمُ نَاصِبًا           كَلَفًا وَلِلْمَجْدُودِ يَغْنَمُ قَاعِدَا

مَا خَطْبُ مَنْ حُرِمَ الإرَادَةَ قَاعِدًا        خَطْبُ الَّذِي حُرِمَ الإرَادَةَ جَاهِدَا

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ مَنْ قَنَعَ كَانَ غَنِيًّا وَإِنْ كَانَ مُقْتِرًا، وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ كَانَ فَقِيرًا وَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ إذَا طَلَبْتَ الْعِزَّ فَاطْلُبْهُ بِالطَّاعَةِ، وَإِذَا طَلَبْتَ الْغِنَى فَاطْلُبْهُ بِالْقَنَاعَةِ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) عَنَّ نَصْرُهُ، وَمَنْ لَزِمَ الْقَنَاعَةَ زَالَ فَقْرُهُ.

وَقَالَ بَعْضُ الأدَبَاءِ: الْقَنَاعَةُ عِزُّ الْمُعْسِرِ، وَالصَّدَقَةُ حِرْزُ الْمُوسِرِ.

وَقَالَ بَعْضُ الأدَبَاءِ: إنِّي أَرَى مَنْ لَهُ قُنُوعٌ يُدْرِكُ مَا نَالَ أَوْ تَمَنَّى وَالرِّزْقُ يَأْتِي بِلاَ عَنَاءٍ وَرُبَّمَا فَاتَ مَنْ تَعَنَّى وَالْقَنَاعَةُ قَدْ تَكُونُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:

فَالْوَجْهُ الأوَّلُ: أَنْ يَقْنَعَ بِالْبُلْغَةِ مِنْ دُنْيَاهُ، وَيَصْرِفَ نَفْسَهُ عَنْ التَّعَرُّضِ لِمَا سِوَاهُ. وَهَذَا أَعْلَى مَنَازِلِ الْقَنَاعَةِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: إذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا غَنِيًّا فَلاَ تَكُنْ عَلَى حَالَةٍ إلا رَضِيتَ بِدُونِهَا.

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ لاَ تَتَجَاوَزُ رَغْبَتُهُ مِنْ الدُّنْيَا بُلْغَتِهِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الرِّضَى بِالْكَفَافِ يُؤَدِّي إلَى الْعَفَافِ.

وَقَالَ بَعْضُ الأدَبَاءِ: يَا رُبَّ ضَيِّقٍ أَفْضَلِ مِنْ سَعَةٍ، وَعَنَاءٍ خَيْرٍ مِنْ دَعَةٍ.

وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأدَبِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهِهِ):

أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ                 وَأَيُّ غِنًى أَعَزُّ مِنْ الْقَنَاعَةْ

 فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِك رَأْسَ مَالٍ              وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَةْ

تَحَرَّزْ حِينَ تَغْنَى عَنْ بِخَيْلٍ                وَتَنَعَّمْ فِي الْجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَةْ

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِ الْقَنَاعَةُ إلَى الْكِفَايَةِ، وَيَحْذِفُ الْفُضُولَ وَالزِّيَادَةَ. وَهَذِهِ أَوْسَطُ حَالِ الْمُقْتَنِعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَا مِنْ عَبْدٍ إلا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِزْقِهِ حِجَابٌ، فَإِنْ قَنَعَ وَاقْتَصَدَ أَتَاهُ رِزْقُهُ، وَإِنْ هَتَكَ الْحِجَابَ لَمْ يَزِدْ فِي رِزْقِهِ}.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَا فَوْقَ الْكَفَافِ إسْرَافٌ.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ رَضِيَ بِالْمَقْدُورِ قَنَعَ بِالْمَيْسُورِ.

وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ:

تَطْلُبُ الأكْثَرَ فِي الدُّنْيَا                 وَقَدْ تَبْلُغُ الْحَاجَةَ مِنْهَا بِالأقَلِّ

وَأَنْشَدْتُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُدَبَّرِ:

إنَّ الْقَنَاعَةَ وَالْعَفَافَ             لَيُغْنِيَانِ عَنْ الْغِنَى

فَإِذَا صَبَرْتَ عَنْ الْمُنَى          فَاشْكُرْ فَقَدْ نِلْتَ الْمُنَى

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِ الْقَنَاعَةُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا سَنَحَ فَلاَ يَكْرَهُ مَا أَتَاهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَلاَ يَطْلُبُ مَا تَعَذَّرَ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. وَهَذِهِ الْحَالُ أَدْنَى مَنَازِلِ أَهْلِ الْقَنَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ. أَمَّا الرَّغْبَةُ؛ فَلِأَنَّهُ لاَ يَكْرَهُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا سَنَحَتْ. وَأَمَّا الرَّهْبَةُ؛ فَلِأَنَّهُ لاَ يَطْلُبُ الْمُتَعَذَّرَ عَنْ نُقْصَانِ الْمَادَّةِ إذَا تَعَذَّرَتْ.

وَفِي مِثْلِهِ قَالَ ذُو النُّونِ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ): مَنْ كَانَتْ قَنَاعَتُهُ سَمِينَةً طَابَتْ لَهُ كُلُّ مَرَقَةٍ.

وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {الدُّنْيَا دُوَلٌ فَمَا كَانَ مِنْهَا لَك أَتَاك عَلَى ضَعْفِك، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْك لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِك، وَمَنْ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ مِمَّا فَاتَ اسْتَرَاحَ بَدَنُهُ، وَمَنْ رَضِيَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَرَّتْ عَيْنُهُ}.

وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ الأعْرَجُ وَجَدْتُ شَيْئَيْنِ: شَيْئًا هُوَ لِي لَنْ أَعْجَلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَلَوْ طَلَبْتُهُ بِقُوَّةِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَشَيْئًا هُوَ لِغَيْرِي وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ أَنَلْهُ فِيمَا مَضَى وَلاَ أَنَالُهُ فِيمَا بَقِيَ يَمْنَعُ الَّذِي لِي مِنْ غَيْرِي كَمَا يَمْنَعُ الَّذِي لِغَيْرِي مِنِّي، فَفِي أَيِّ هَذَيْنِ أُفْنِي عُمْرِي وَأُهْلِكُ نَفْسِي.

وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:

لاَ تَأْخُذُونِي بِالزَّمَانِ وَلَيْسَ لِي تَبَعًا وَلَسْتُ عَلَى الزَّمَانِ كَفِيلاَ

مَنْ كَانَ مَرْعَى عَزْمِهِ وَهُمُومِهِ رَوْضَ الأمَانِي لَمْ يَزَلْ مَهْزُولاَ

لَوْ جَارَ سُلْطَانُ الْقُنُوعِ وَحُكْمِهِ فِي الْخَلْقِ مَا كَانَ الْقَلِيلُ قَلِيلاَ

الرِّزْقُ لاَ تَكْمَدْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي وَلَمْ تَبْعَثْ عَلَيْهِ رَسُولاَ

وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأدَبِ لِابْنِ الرُّومِيِّ:

جَرَى قَلَمُ الْقَضَاءِ بِمَا يَكُونُ             فَسِيَّانِ التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ

جُنُونٌ مِنْك أَنْ تَسْعَى لِرِزْقٍ              وَيُرْزَقُ فِي غِشَاوَتِهِ الْجَنِينُ

وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ مَسْئُولٍ، وَأَفْضَلَ مَأْمُولٍ، أَنْ يُحْسِنَ إلَيْنَا التَّوْفِيقَ فِيمَا مَنَحَ، وَيَصْرِفَ عَنَّا الرَّغْبَةَ فِيمَا مَنَعَ؛ اسْتِكْفَافًا لِتَبِعَاتِ الثَّرْوَةِ، وَمُوبِقَاتِ الشَّهْوَةِ.

رَوَى شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَبِي الْجِذْعِ، عَنْ أَعْمَامِهِ وَأَجْدَادِهِ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِينَ لَمْ يُعْطُوا حَتَّى يَبْطَرُوا، وَلَمْ يُقْتِرُوا حَتَّى يَسْأَلُوا}

وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:

عِنْدِي مِنْ الأيَّامِ مَا لَوْ أَنَّهُ              أَضْحَى بِشَارِبٍ مُرْقِدٍ مَا غَمَّضَا

لاَ تَطْلُبَنَّ الرِّزْقَ بَعْدَ شِمَاسِهِ              فَتَرُومَهُ شِبَعًا إذَا مَا غَيَّضَا

مَا عُوِّضَ الصَّبْرَ امْرُؤٌ إلا رَأَى           مَا فَاتَهُ دُونَ الَّذِي قَدْ عُوِّضَا



[1]أدب الدنيا والدين، علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الصفحات108- 119.