العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

عندما تدق إدارة التغيير جرس الإنذار غَيِّرواْ قَبْلَ أَنْ تُغيَّرواْ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

تختزن أمثال الشعوب الكثير من الدلالات، فيُقال: سُبحان من يُغيِّر ولا يَتغيَّر، أي هناك من هو مُنزَه عن التغير، وهناك من يخضع لنواميس التغير، فالمُنزَه هو الخالق البارئ، أما من هم دونه فمخلوقاته يُغيّرهم كيف يَشاء، أو يُغيّرهم بنواميسَ وضعها لهم.

فمثلاً نقول عن حدود المعادلة الرياضية التالية: (س = ع) أن (س) هو متغير تابع، وأن (ع) هو متغير مستقل، والمتغير التابع تتوقف حاله على الأوضاع التي ستقف عليها تغيرات (ع) والتي توصف بأنها مستقلة (نسبياً).

وبازدياد عدد ونوع حدود المعادلة السابقة، تزداد صعوبة تتبع المتغيرات التابعة لارتباطها بعدة متغيرات مستقلة، ويتشعب الأمر وتزداد احتمالاته إذا ارتهن حال تلك المتغيرات المستقلة بمعادلات تخصها، كأن تكون المعادلة كالآتي: (س = 3 ج + 7 ك – ع).

إن كان ذلك في الأمور المجردة، فكيف تكون دراسة المتغيرات بين البشر الذين تتنوع آراءهم وتختلف أمزجتهم؟ وكيف يمكن إدارة التغيرات فيما بينهم خاصة إذا كانت عينة الدراسة مجتمعاً مؤلفاً من خمسين إلى مائة مليون إنسان مثلاً؟ وكيف يمكن تصنيف حالاتهم بين تابع ومستقل؟

إذا توقفنا عند بعض الحالات لنتأمل ما فيها من دروس وعِبر، نجد أننا تارة نستطيع الفهم، وتارة يغيب الفهم عنا، وأحيانا يُصيبنا العَجب من بعضها.

فمثلاً، لا يغيب عن بالنا سلوك خالد بن الوليد (رضي الله عنه) وهو القائد العسكري الفذ، الذي ما أخبرنا التاريخ عنه إلا انتصارات وحنكة ودهاء، وقد جاءه كتاب الخليفة عمر (رضي الله عنه) وهو يقود خضم إحدى معارك فتح الشام، وكان مضمون الكتاب عزله عن القيادة وتولية أبي عبيدة بن الجراح (رضي الله عنه).

إن فهم هكذا صورة قياساً على ما يحصل عادة هو أمرٌ صعبٌ للغاية، فمن هو في موقف خالد (رضي الله عنه) قد لا يكون مضطراً لتنفيذ هكذا أمر في الوقت الحرج، فهو ممسك بالسلطة والقوة والأتباع. وقد يغيب عن كثيرين فهم الصورة واستيعابها، فكيف يُفهم تصرفه (رضي الله عنه)؟ فقد كتم الخبر لغاية الليل ثم ذهب إلى أبي عبيدة ليسلم عليه كما يُحيي الجندي قائده، قائلاً: عُينتَ أنت القائد، وصِرتُ أنا جندي عندك، مُرني بما شئت يا أبا عبيدة.

فلله درّك يا خالد، لقد أتعبت من بَعدكَ.

وبالعودة إلى تشبيهنا التجريدي للقياس والفهم، فإن خالداً عبدٌ من عباد الله، فهو (متغير) لكنه (متغير تابع) لمتغير أعظم منه حنكة ودراية واستقلالاً أي عمر (رضي الله عنه) الذي يعلم يقيناً أن تغيير هكذا قائد فذ في هكذا وقت قد يغلب موازين معركة عظيمة الشأن في حياة الأمة، لكنه موقن بأن النصر من عند الله، وما خالدٌ سوى عبد من عباده.

إن عمر (رضي الله عنه) بوصفه (متغيراً تابعاً) قد أخذ قراراً لإفهام الناس وإقناعهم بألا يتعلقوا بأشخاص، لأنهم مجرد أسباب، فقد خشي على إيمان بعض الناس الذين من كثرة إعجابهم ردوا أمر تتالي الانتصارات لخالد (رضي الله عنه) من دون الله، فأراد أن يُعطيَهم درساً بأن الإيمان لا يكون بالأسباب بل برب الأسباب ومدبرها، فكان تغيير خالد (رضي الله عنه) تكتيكاً، ليحافظ على إستراتيجية أكبرَ وأعظمَ شأناً وهو إخلاص الإيمان لله تعالى.

ومضت المعركة ومضى غيرها من المعارك والمسلمون في انتصاراتهم، وبقي عمرٌ أميراً للمؤمنين وبقي خالدٌ سيفُ الله المسلول، وكذلك بقي أبو عبيدة وغيره من المقاتلين، فكلٌ يعلمُ محله من الإعراب ويدرك أهمية القيام بمسؤولياته في مجتمع يدور في فلك الإيمان برب كل شيء ومليكه.

إن هذه المواقف مدعاة لفهم إدارة التغيير، فما ذكرناه يمثل مدرسة أصلها أجلّ وأعظم. إنها مدرسة الصديق رضي الله عنه، الخليفة الأول، فعندما مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، هاج الناس وتغيرت أحوالهم، لكن موقف أبي بكر (رضي الله عنه) أعاد الأمور إلى نصابها فخطب الناس قائلاً: من كان يعبد محمداً فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، فذكّرهم بأن التعلق يكون بالله دون غيره ولو كان خير خلقه.

إذاً تنطلق إدارة التغيير من أسس لا يجب أن تحيد عنها، وأهمها ضرورة وجود ثابت تُشدّ إليه الرحال، وإلا تغير كل شيء ومال ميلاً عظيماً، فإذا كان الميل ميل أشخاص سهل تدارك الأمر، أما إذا مالت الأمة فالخسارة تكون غير قابلة للتعويض، فكم من أمم اندثرت واندثر ذكرها!

إن منطلق أبي بكر (رضي الله عنه) في إعادة الناس إلى أصل عظيم وإلا هلكوا واندثر ذكرهم، هو نفسه منطلق عمر (رضي الله عنه) في تذكير الناس بثباتهم وتعلقهم بالله لا بقائد معركة، فالمعارك كثيرةٌ، والقادة كُثرٌ.

ولإكمال المشهد سنتابع العودة خلفاً، وهو حوار حصل في بداية الدعوة عندما شرع رسول الهدى (صلى الله عليه وسلم) دعوته في التغيير والإصلاح، حوار دار بينه (صلى الله عليه وسلم) وعمه أبو طالب، الذي عرض عليه كل ما يبغيه مصلح أو داعية، فأخذه إلى آخر ما ينشده الناس فعرض عليه أن يكون مَلكاً، فالمَلك يمكنه تنفيذ أية تغييرات يشاؤها بعد أن يتربع على عرش مُلكه. لكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجابه جواباً غير ما يتوقعه قائلاً: يا عمَّاهُ، واللهِ لَو وَضعوا الشَّمسَ في يميني والقمرَ في شمالِي علَى أن أتركَ هذا الأمرَ حتَّى يُظهرَه اللهُ أو أهلِكَ فيه ما تركتُهُ.

عندئذ فهم العم المحنك أن ابن أخيه يسعى لما هو أعلى وأرفع شأنا من السيادة والمُلك. فاستوعب أنه (تابع متغير) وأن ابن أخيه أكثر منه استقلالاً، لذلك لم يتركه وشأنه، بل ذهب يدعمه ويحميه.

إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أراد نقل الناس من مراتب عبادة العباد إلى مراتب عبادة رب العباد، ومن نار تلظى إلى جنة السعادة، ليفلح الناس في الدارين. ولو رضي (صلى الله عليه وسلم) أن يكون ملكاً، لغيَّر فئة من الناس في تلك الفترة، ثم سرعان ما يذوب ذلك التغيير الحادث وقد يندثر، لكنه آثر إحداث تغييرٍ لا أمد له، فأرسى تعاليماً وأسساً ثابتة المصدر لا تتغير بتغير الظروف، ثم بنى من جاء بعده من الأتباع على بنائه فسارت السفينة تشق عُباب بحر الحياة لا تغير الرياح اتجاهها مع ما تفعله في أشرعتها يُمنة ويُسرة رغم تغيّر مشارب قادتهم وملوكهم وزعمائهم عبر التاريخ.

لقد استوعب أولئك الركب أن لله سنناً غالبةً، فسُنة التدافع قائمةً بين مخلوقاته جميعاً ونتاجها التغيير بشكل مؤكد، وأن تتابع التغيرات تحكمها سُنةٌ يختصرها قوله تعالى في سورة الرعد 17: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْ‌ضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِ‌بُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ). لذلك فإن ما ينفع الناس ماكثٌ في الأرض ومُستقِرٌ فيها شاء من شاء وأبى من أبى. وبين السُنتين السابقتين سُنة تمحيص، يقول المولى في سورة آل عمران 141: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِ‌ينَ)، وكذلك سُنة تمييز، يقول المولى في سورة الأنفال 37: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْ‌كُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُ‌ونَ).

خصائص التغيير:

التغيير يكون على مستوى المجتمع ككل والجميع يتحمل مسؤولية التغيير:

يبدأ التغيير بتغيير كل شخص لذاته، فعلى كل واحد أن ينظر في نفسه وليتهمها بالتقصير.فهي بداية صعبة وقاسية على النفس البشرية التي لا تقرّ بضعف ولا تعترف بخطأ يقول الله تعالى في سورة الأنفال ٥٣:(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرً‌ا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُ‌وا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙوَأَنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

التغيير يكون بالتغيير مع التحسين:

يصيب التغيير كل حال، حتى الإيمان ينتهي ويبلى ويجب تجديده، فإن أصاب التغيير الإيمان ولم يُلحقه بالتجديد كان فساداً، فإذا فسد وجب إصلاح حاله وصيانته.والصيانة في هذا المقام هي إعادة الشيء إلى ماكان عليه وليس تحسينها، فإن حَسُنت كنا أمام تغيير إيجابي لما فيه من تطور وتحسين.يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جوفِ أحدِكُم كمَا يَخْلَقُ الثوبَ، فاسألُوا اللهَ تعالى: أنَّ يجددَ الإيمانَ في قلوبكُم.

ويقول الله تعالى في سورة الرعد ١١: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). وكلمة قوم في معجم لسان العرب: هي الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، مما يعني أن ذلك يشمل كل المجتمع المؤلف من أفراد، أو يشمل الأفراد الذين يُكونون بمجموعهم المجتمع.

لذلك يُفهم من الحديث الصحيح: (من رأى منكرًا فلْيغيِّرهُ بيدهِ، فإن لمْ يستطعْ فبلسانِه، فإن لمْ يستطعْ فبقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمانِ)، ضرورة تغيير ما يُسيء للناس ونبذ ما يُنكرونه.

ويكون التغيير بالدفع بالتي هي أحسن، لقوله تعالى في سورة فصلت ٣٤: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).لذلك إن كانت جهة التغيير نحو الأفضل أو الأصلح كان بمثابة الضمان لبقاء نتائج التغيير واستمرارها، ومثال ذلك ترك العادات السيئة كعادة البخل مثلا، فالله تبارك وتعالى يدعونا إلى تغيير هذه العادة لما لها من آثار بغيضة اجتماعياً واقتصادياً، فإن لم يَستجب الناس لذلك، فقد يكون الزوال، كما في قوله تعالى في سورة محمد ٣٨: (هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم).

التعليم جوهر التغيير:

إن سمة أنبياءالله صلى الله عليهم وسلم كانت تغيير الواقع الذي عليه الناس، فغالبا ما يركن الناس إلى ما هم عليه، ثم غالباً ما يجعلون العُرف الذي اعتادوه قوانين صارمة لا تقبل التغيير فتصبح مسلمات غير قابلة للنقاش. وأمثلة ذلك كثيرة.

لقد بعث (صلى الله عليه وسلم) وحيداً وبدأ بتغيير ما حوله، ونهج في ذلك النهج القرآني العظيم في إدارة التغيير فنقل الناس من الجهل إلى العلم،ومن الشرك إلى عبادة الواحد الأحد، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الاحتراب إلى السلم، ومن السفاهة إلى العقلانية، فكان خير مثل، فهو:

§       مارس الإدارة بالسلوك وسمي ذلك بالسنة الفعلية فكان أول من يُطبق، وبه يُقتدى.

§       مارس الإدارة بالحب فأحبه أتباعه وتفانوا في العمل والإخلاص معه.

§       كان معلماً مستمراً لا يترك موقفاً إلا وجعل منه درساً وعبرةً، فالتعليم جوهر التغيير.

استمرار التغيير غير مرتبط بأشخاصه:

امتدت فترة التغيير التي قام بها (صلى الله عليه وسلم) ثلاثة عشر سنة قضاها في مكة، وعشر سنوات في المدينة، أسس فيهما أسساً نعيش عليها حتى الآن ونقتدي بها، وبها فُتحت آفاق الدنيا وانتشر الإيمان والأخلاق، ومازالا ينتشران رغم ضعف أتباعه (صلى الله عليه وسلم) وهوانهم على الناس، مما يدل على فعالية التغيير الذي أرساه. فالتغيير لم ينطلق من استمرار الأشخاص القائمين عليه بل ينطلق من ثوابت عادلة فيها الخير للجميع مسلمين وغير مسلمين.وحسبنا أن نتذكر اليوم الدعوة بعودة العالَم غير المسلم إلى القواعد الاقتصادية والمالية التي أرساها الإسلام عليه بشهادة أكابر غير المسلمين وعلمائهم.

فلنتصور كيف كنا الآن لو أننا حافظنا على التمسك بجميع تلك الأسس والقواعد؟

التغيير السلبي:

تتبعنا التغيير بالنهج القرآني وكان تغيراً إيجابياً وتحسينياً يفيد الناس، فسنن الله غاياتها خير الناس وسعادتهم.فكيف يكون التغيير سلبيا؟

يكون التغيير سلبيا بمخالفة أوامر الله، ويتبنى هذا النهج الفريق الذي يقوده الشيطان.يصف الله تعالى ذلك النهج في سورة النساء ١١٩ بلسان إبليس الذي يسعى إلى التغيير المخالف لأوامر الله: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ).

أنواع التغيير:

يُقسم التغيير إلى نوعين:

أولا: تغيير داخلي: ويتألف من تغييرين:

1.    تغيير إيجابي: وهو التغيير نحو الأفضل، وفيه يبدأ الإنسان التغيير من نفسه لا أن يطالب به الآخرين ثم لا يطبقه. كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).

2.      تغيير سلبي: وهو التغيير الذي يؤدي إلى الفساد مما يؤدي إلى زوال نعم الله، كقوله تعالى في سورة الأنفال ٥٣: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرً‌ا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُ‌وا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙوَأَنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

ثانيا: تغيير خارجي: وهو انعكاس للتغيير الداخلي ويظهر بتطبيقه، ويُقسم مثله.فحتى يستقيم أمر الكون ويبقى صالحاً للسكنى لابد من تقويم نتائج التغيير السلبي. يُلخص ذلك تطبيق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكرًا فلْيغيِّرهُ بيدهِ، فإن لمْ يستطعْ فبلسانِه، فإن لمْ يستطعْ فبقلبِه، وذلك أضعفُ الإيمانِ.

إن نتائج التغيير السلبي هي الفساد، فالكون متوازن، لكن سلوك الناس المخالف هو ما يُفسده، يقول الله تعالى في سورة الروم ٤٠:(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، ومن ذلك مثلاً: أن الإنفاق ينبغي أن يكون باعتدال، فالزيادة فساد والتقتير فساد، يقول الله تعالى في سورة الفرقان ٦٧ واصفاً صفات عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا). فزيادة الإنفاق مؤداه تضخم الاقتصاد، وانخفاضه مؤداه انكماشه، والأمثلة كثيرة.

إن مسيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تبين منهجه الإصلاحي في التغيير. فقصة الطائف تُعلمنا بُعد نظر المصلح وقيمة هدفه، لذلك تجده يتحمل الكثير من أذى الناس لقاء أن يغيروا أحوالهم. وأهل الطائف أهانوا الرسول وأدموه، ومع ذلك رفض الانتقام منهم لما جاءه جبريل وملك الجبال، وقال له: إن شئتَ أن أُطبقَ عليهم الأخشبَينِ (أي الجبلين)؟ رفض لإنه لم يفقد الأمل من أهل الطائف رغم ما فعلوه، بل عقد أمله على الجيل القادم ومن بعده منهم، فقال: بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد اللهَ وحده، لا يشركُ به شيئاً.

والمتأمل لقوله (صلى الله عليه وسلم): فو الله لأَن يهديَ اللهُ بك رجلاً واحداً، خيرٌ لك من أن يكونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ، وفي رواية: خير مما طلعت عليه الشمس. يجد توجيهات كثيرة مؤداها أن تهدي رجلاً! ولم يقل كل المجتمع أو نصفه، أما الأجر فخير مما طلعت عليه الشمس، وبما أن الشمس تطلع كل يوم على المجرة الشمسية وليس فقط على الكرة الأرضية، فلنتصور فعل التغيير نحو الإصلاح وما يقابله. هكذا هو حال المصلحين، يتحملون كل أنواع الأذية دون ملل، إنهم أناسٌ إستراتيجيون ينظرون بعيداً.

التغيير يطال الأمة ودينها:

إن الأمر ليس منوطاً بالنفس، بل إن التغيير يطال الأمة ودينها أيضاً، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:(إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها). والتجديد هنا يكون بإزالة كل درن عالق بسبب العادات والتقاليد وانتشارها حتى غدت وكأنها من الدين.ويكون ذلك بولادة مجدد في آخر كل قرن، وهذا المجدد قد يكون فرداً أو مجموعة أفراد يشكلون مدرسة تجديدية يستفيد منهم الناس ومن أعمالهم بإحياء سنن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبالرد على الشبهات التي يثيرها المغرضون من هذا الدين، ومن ذلك صمود الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن مثلاً. ولعل أهم ما يتناوله التجديد:

1.    تجديد ما اندثر من الدين.

2.    نشر فقه النوازل وإنزال الأحكام حسب مقتضياتها الواقعية، فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان.

3.    تصحيح المفاهيم المغلوطة،التي تحصل بسبب إتباع الهوى أو الشبهات، أو تشديد غير مبرر، أو ترخيص غير منضبط، فيكون التجديد بإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

مستلزمات التغيير:

لكلّ عمل أدوات يعتمد عليها في سبيل إنجاحه، والتغيير سلوك يعتمده الإنسان لذا يحتاج إلى صفات نفسية خلقية وعقلية لتكون نتائجه إيجابية ومن أهمها:

1.    الصبر: فالدعوةللصلاة مثلاً تحتاج اصطبارا كما قال تعالى في سورة طه 132: (وَأْمُرْ‌ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ‌ عَلَيْهَا)، فالتغيير لا يحصل فوراً. ويلاحظ ذلك في قوله (صلى الله عليه وسلم): (علِّموا أولادَكم الصلاةَ إذا بلغوا سبعاً واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً وفرِّقوا بينهم في المضاجعِ)، كما كان تحريم الخمر على مراحل حتى يعتاد الناس التغيير.

2.    أن يباشر قائد التغيير الأمر بنفسه، فلما استلم عمر بن عبد العزيز (رضيالله عنه) الخلافة كان الفساد عريضاً، فطبق على نفسه وأهل بيته التغيير ثم أقاربه ثم سأل الناس ذلك. وللعلم دام حكمه حوالي سنتين وأربعة أشهر عادت فيها الخلافة عصية قوية ساد فيها العدل وفاض المال وشهد بذلك القاصي والداني والتاريخ حافل بشواهده. لذلك لا يصح أن يُقال بأن التغيير يحتاج عصاً سحرية أو أنه يستلزم سنوات طوالاً.

3.    التمسك بالثوابت: ومن ذلك قصة الفاروق عمر (رضي الله عنه)، حيث خرج عمر (رضي الله عنه) إلى الشام، ومعه أبو عبيدة، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة له، فنزل وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك، فقال: أوه، ولو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد. إنا كنا أذلّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.فلله درّك يا أمير المؤمنين، رغم الانتصارات والفتوحات بقيت متواضعاً مذلاً لنفسك أمام خالقها حتى لا يكون للكِبر طريقاً إلى نفسك الطاهرة. لكن وتماشياً مع التغيير الحاصل في البلاد، نصحه أبو عبيدة ليراعي بروتوكولات الزعماء، لكن الفاروق آثر أن يُسند التغيير وما تبعه من نجاحات للإسلام فهو مصدر العزّ، ولن يغيره ضرورات شكلية يرضى عنها الناس ويبجلونها.

رجال التغيير رجال إيجابيون:

رجال التغيير هم أناس إيجابيون يسعون إلى إعمار الأرض والقيام بواجباتهم التي خلقوا من أجلها لذا فهم:

-        ينظرون للنصف الملآن من الكأس: يقول (صلى الله عليه وسلم): يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا، وتَطَاوَعَا ولا تَخْتَلِفا.

-        يفكرون في الحلول بعكس السلبيين الذين يفكرون في المشكلة.

-        أفكارهم لا تنضب بعكس السلبيين الذين لا تنضب أعذارهم.

-        يساعدون الآخرين بعكس السلبيين الذين يتوقعون المساعدة من الآخرين.

-        لديهم آمالٌ يحققونها، بينما السلبيون لديهم أوهام تبدد كل أمل.

-        يرون في العمل أملاً، أما السلبيون فيرون فيه ألماً.

-        ينظرون إلى المستقبل ويتطلعون إلى ما هو ممكن، أما السلبيون فينظرون إلى الماضي ويتطلعون إلى ما هو مستحيل.

-        يناقشون بقوةٍ وبلغةٍ لطيفة، أما السلبيون فيناقشون بضعفٍ وبلُغةٍ فظة.

-        يتمسكون بالقيم ويتحاشون الصغائر، أما السلبيون فيتشبثون بالصغائر ويتنازلون عن القيم.

-        مُتفائلون في نظرتهم للحياة ومجرياتها، أما السلبيون فمتشائمون ونظرتهم للحياة سوداوية.

 

فسُبحان من يُغيِّر ولا يَتغيَّر، أرسل نبيه (صلى الله عليه وسلم) ليُغير حال الناس بالحسنى، فكان سلوكه مقياس التغيرات وسندها، راعى مصالح الناس، وعلّمهم الأخلاق الحميدة، وكان الأسوة الحسنة بالتطبيق.

لقد دامت التغييرات التي أرساها قروناً طويلة ومازالت وضاءة وستبقى ما شاء الله لها أن تبقى، وهذا دليل صحتها وجودتها. وحريّ بالناس العودة إليها وخاصة المسلمين منهم، فحالهم اليوم غير سارة، وهم أحوج ما يكونون إلى نهج التغيير الصحيح.

إن التجارب الاجتماعية ليست كالتجارب التجريدية أو العلمية، فهي تستغرق زمناً طويلاً وتكلفتها باهظة على الجميع، والتعلم بالممارسة غير مسموح فيها، لما فيه من هدر لحقوق الناس.

فانتبهوا أيها الناس.