العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التمويل الأصغر فرصة ذهبية أمام التمويل الإسلامي

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

في وقت يتسم بسرعة التغير، يُعتبر القطاع الخاص المحرك الرئيسي لإيجاد الوظائف وفرص العمل ومصدر قرابة 9 من بين كل 10 وظائف بالعالم كله. وتمثل الصين النموذج الأكثر إثارة للإعجاب في التوسع في إيجاد الوظائف وفرص العمل من خلال نمو القطاع الخاص. ففي عام 1981، كان عدد موظفي القطاع الخاص يبلغ 2.3 مليون عامل، في حين كان عدد العاملين بالمؤسسات المملوكة للدولة يبلغ 80 مليوناً. وبعدها بعشرين عاماً فقط كان عدد العاملين بالقطاع الخاص في حدود 74.7 مليون شخص، متجاوزاً لأول مرة عدد العاملين بالشركات المملوكة للدولة الذي انخفض إلى 74.6 مليون عامل.وعلى النقيض من المتوسط العالمي، تمثل الدولة في بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جهة العمل الأولى، وهو وضع يمكن إرجاعه إلى عوامل الاقتصاد السياسي لحقبة ما بعد الاستقلال، وفي بعض الحالات إلى وفرة العائدات النفطية. فقد ظلت لفترة طويلة وظائف القطاع العام تُعطى للشباب من خريجي الكليات. ولكن مع انكماش الحيز المالي المتاح اللازم لاستمرار التوسع في التوظيف بالقطاع العام، أصبح الاصطفاف في طوابير التوظف بالقطاع العام أكثر شيوعا،ً وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور الاقتصاد غير الرسمي، وتخفيض المؤهلات التعليمية، وظهور أشكال من الإقصاء الاجتماعي. ولا تزال هناك قوة عمل شابة جيدة التعليم إلى حد ما عاطلة عن العمل. ويمكن القول بأن خلق الملايين من فرص العمل الجديدة والأكثر إنتاجية، كان القوة المحركة الرئيسية وراء انخفاض نسبة السكان في العالم النامي الذين يعيشون على أقل من 1.25 دولار أمريكي للفرد في اليوم (على أساس تعادل القوى الشرائية( من 52 في المائة في عام 1981 إلى 22 في المائة في عام 2008، ليهبط بذلك عددهم من 1.94 مليار نسمة إلى 1.29 مليار نسمة. ولا شك في أن عدم توافر مصادر التمويل وتنوعها يعد من اهم المعوقات لتوسع أنشطة الأعمال بكافة البلدان أيا كانت المرحلة الإنمائية التي تمربها.
وينظر للتمويل الأصغر على أنه طوق نجاة للدول النامية؛ إذ يمكنه أن يسهم في حل مشكلات انتشار البطالة، ومساعدة الفقراء ومحدودي الدخل على الاعتماد على أنفسهم ذاتيا في توفير احتياجاتهم المعيشية، خصوصا إذا علمنا أن الفقر المرتبط بانخفاض الدخل هو أحد أوضاع الفقر وليس كلها، فالفقراء تعوزهم الفرصة المناسبة، ويفتقدون إلى الصوت المسموع، وهم معرضون للعنف والمرض وللكوارث الطبيعية وتؤثر فيهم أكثر من غيرهم. ولا ننسى أنّ فقر العقل وخمول الجسد وضعف الإرادة هي الأكثر إيلاماً والأشد قسوة وتأثيراً في المجتمع.
وعلى مستوى العالم العربي يبلغ عمر هذه الصناعة عشر سنوات فقط، وعدد المؤسسات العاملة في الإقراض الأصغر 100 مؤسسة فقط، استفادت من مشاريعها 3.5 مليون أسرة فقيرة، 60% منها تحت خط الفقر، وقد قدر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009 أن من يعيشون في حالة الفقر بـ 65 مليون شخص. أما عدد المسلمين في العالم فيصل إلى 2.1 مليار نسمة، لا يقل عدد الفقراء عن نصفهم.
والتمويل الأصغر يشير إلى مجموعة من المعاملات المالية التي تتسم بالصغر من حيث المبلغ.. و من الممكن أن تكون هذه المعاملات حسابات إيداع، قروضا، أو تأمينا صغيرا، ومن الممكن أن تكون هذه المعاملات مبنية على منهجية تحديد أسعار فائدة، كما هو الحال مع البنوك التجارية، أو على أدوات التمويل الإسلامية كالمرابحة والمضاربة والمزارعة والسلم والإجارة، ويعود الأمر إلى المؤسسة التي تقوم على تنفيذ التمويل.
جدير بالذكر أن الظهور الحديث للتمويل الإسلامي بدأ منذ السبعينيات وزاد حجم سوقه بصورة ملحوظة، وهو يتراوح ما بين 800 بليون دولار الى 1 ترليون دولار أميركي في الآونة الحالية، ولابد من الإشارة إلى أنه ينمو حاليا بمعدلات سريعة تتراوح ما بين 10-15% سنويا. كما يقدر حجم السوق الدولي للصكوك الإسلامية حاليا بحوالي 80 بليون دولارـ وأنها نمت بمعدل يفوق خمس مرات في الفترة من 2004 الى 2007، ولكن إصدار هذه الصكوك تراجع لأقل معدلاته في السنوات الثلاثة الأخيرة خلال عام 2008 ليبلغ 15.8 بليون دولار فقط مقارنة مع 46.7 بليون دولار في عام 2007.
ويتميز التمويل الأصغر، الذي يعمل وفق هدي الشريعة الإسلامية وأحكامها، ويستخدم أدواتها المالية، بعيدا عن تحصيل الفوائد من الفقراء ومحدودي الدخل بأنه أولا: أكثر قبولا لدى المستفيدين بحكم الخلفية العقدية والثقافية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، وبحكم أن معاملاتها تمنحهم الراحة والطمأنينة لخلوها من أي حرام أو شبهة، ولأنها ثانيا: تعفيهم من الفوائد التي يضيفها التمويل الأصغر التقليدي على قروض المقترضين، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى 36% من قيمة القرض، ولا تقل عن 16% من قيمته، وهو ما يمثل عبئا كبيرا على الفقراء ومحدودي الدخل.
وعند تنفيذ نموذج الأعمال التجارية القائم على التمويل الأصغر الإسلامي، من المتوقع تحقيق المنافع/ الآثار المحتملة التالية:
1.    استهداف المزيد من الفقراء: يُمكن هذا النموذج مؤسسة التمويل الأصغر/ البنك من التركيز على الأفراد الأشد فقرًا مقارنة بالأفراد الذين يستهدفهم التمويل الأصغر التقليدي. ولذا يتأهل كثير من الأفراد الفقراء – الذين لا يتحملون الاستدانة أو الأفراد الذين تستبعدهم المجموعة (في حال منهجية إقراض المجموعة) أو مؤسسة التمويل الأصغر لعدم تمكنهم من توفير الضامن، وغير ذلك – للاستفادة في ضوء هذا النموذج إذا ما توفرت لديهم الموارد البشرية والإرادة والعزيمة اللازمة للتعلم والعمل بجد، وما إلى ذلك.
2.    أقل عرضة لمواجهة مشكلات فرط المديونية: يتطلب هذا النموذج المزيد من التحري الشامل عن العملاء، وخصوصاً لأن النماذج المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية لا تستخدم أية نوع من أنواع الضمانات باستثناء حالات الإهمال. علاوة على ذلك، يتعين على مؤسسة التمويل الأصغر التأكد من أيلولة أموالها إلى النشاط الاقتصادي وتنمية الأعمال. وفي واقع الأمر، تكون مؤسسة التمويل الأصغر هي من يشتري هذه الأصول في معظم الحالات. وبسبب هذه التركيبة، لن يكون ممكنًا لمؤسسة التمويل الأصغر تحقيق الأرباح والازدهار، في حين يعاني عملاءها، كما هو الحال على سبيل المثال في ولاية أندرا براديش في الهند من استغلال القائمين عليها.
3.    المزيد من التركيز على الأنشطة الاقتصادية المنتجة التي تساهم في زيادة الدخل القومي الإجمالي: من المتوقع أيضاً أن يركز هذا النموذج على الأنشطة الاقتصادية المنتجة بدلاً من الأنشطة التجارية. حيث تساهم هذه الأنشطة في زيادة الدخل القومي الإجمالي للبلاد.
4.    خلق مزيد من فرص العمل: هناك شبه إجماع على أن الائتمان الأصغر التقليدي ليس أداة جيدة لخلق فرص العمل لأنه عادة ما يركز المقرضون – الذين يتحاشون المخاطر – تركيزاً أكثر على الأفراد الذين يمتلكون أعمالاً تجارية ويتطلعون إلى توسيع نطاقها. لذا من الممكن أن يغير هذا النموذج قواعد المعادلة ويصبح التركيز أكثر على الأفراد الذين لديهم رأس مال بشري ومهارات أو يمكنهم اكتساب هذه المهارات التي تؤدي إلى خلق فرص عمل وأعمال تجارية لهم.
5.    مصادر تمويل تجلب مشكلات أقل: على الرغم من أن قطاع التمويل الأصغر التقليدي استغرق سنوات لجذب مصادر التمويل التجارية، إلا أنه من المتوقع ألا يكون هذا هو الحال في ظل هذا النموذج. وذلك ليس لأن التمويل الأصغر التقليدي قد مهد السبيل وحقق نجاحاً، لكن الأكثر أهمية لأن الإسلام يسعى إلى تخفيف وطأة الفقر وتوزيع الثروة في الاقتصاد. ومن المعتقد أن هذا لم يحدث حتى الآن لفشل مؤسسات التمويل الأصغر في إظهار نموذج واعد مربح وناجح يقنع هذه البنوك بتقبل المخاطر وتمويل محفظة مؤسسات التمويل الأصغر على أساس المشاركة أو المضاربة. لكن في حال تطوير هذا النموذج وتنفيذه، من المتوقع ألا تحجم البنوك الإسلامية وحتى رجال الأعمال المعنيين بالصيرفة الإسلامية عن تقديم التمويل اللازم. وثمة مثال على ذلك هو بنك الأمل الذي استثمر المستثمرون فيه مبلغًا يتراوح من 6 إلى 7 مليون دولار عندما بلغت محفظتها 2.5 مليون دولار.
ولتعزيز قدرة التمويل الأصغر الإسلامي ، يتطلب العمل في الاتجاهات التالية:
1.    تعزيز قدرة مكوّنات النظام المالي الإسلامي من سوق مالية موسعة ومنشآت تمويلية متخصصة لأكبر شريحة ممكنة وللأحجام التمويلية المختلفة.
2.    العمل على وضع معايير لصيغ التمويل الإسلامي تجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين وذلك بالاعتماد على عنصري التنوع والابتكار.
3.    العمل على توفير تشريعات وقوانين أو وضع أطر تنظيمية تعمل على الاستفادة من صيغ التمويل الإسلامي في تمويل المشروعات.
4.    تنمية وتطوير الكفاءات البشرية المؤهلة في قطاع التمويل الإسلامي. فصيغ التمويل الإسلامي تحتاج في تطبيقها لنوعية خاصة من العاملين ذلك لأن أنظمة عمل هذه الصيغ يمثل بناءً فكرياً خاصاً مصدره التشريع والفقه الإسلامي، كما أن آليات العمل بها تختلف عن أليات العمل في الأنظمة التي تعتمد سعر الفائدة، الأمر الذي يستدعى ضرورة توافر كوادر مؤهلة تحيط بالقواعد والضوابط التي تحكم عمل هذه الصيغ
5.    تشجيع إقامة مؤسسات اسلامية عامة أو خاصة تسعى لضمان مخاطر التمويل بالصيغ الاسلامية للمشروعات وخاصة الصغيرة والمتوسطة - والتي تعاني في كثير من الأحيان صعوبات في الحصول على قروض من المصارف التجارية دون توفير كفالة شخصية- لتحفيز وتشجيع المصارف والمؤسسات المالية لتفعيل تلك الصيغ.
6.    توفير الدعم والتدريب في وسائل الحصول على تمويل بواسطة الصيغ الاسلامية، وأوجه الشروط اللازمة للحصول عليها والجهات الضامنة والكافلة لها، وتوجيههم إلى كيفية إنشاء المؤسسات وتحضير الملفات الضرورية لاستفادة من هذه الصيغ، وتقديم الدعم والإرشاد بالتسويق للمنتج بحيث لا يكون هناك انقطاع في العملية الإنتاجية والتسويقية وبالتالي في العملية التمويلية.
7.    دعوة البنوك المركزية في الدول الإسلامية إلى تبني تنشيط دور صيغ التمويل الإسلامي وأنشطتها وتشجيع إنشاء بنوك وشركات متخصصة للتمويل بصيغ التمويل الإسلامي.
8.    تغيير منهج العمل المصرفي التقليدي إلى مناهج أكثر حداثة تعمل على تنويع أساليب التمويل وتوجيهه نحو القطاعات الإنتاجية والاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وختاما يشكل التمويل الأصغر فرصة ذهبية رائعة أمام التمويل الإسلامي حتى يعكس الأخير جوهر منظومة قيمه ومكنون رسالته. في الوقت نفسه يمكن أن يساعد الامتثال لأصول الشريعة الإسلامية وقواعدها، مؤسسات التمويل الأصغر على الوصول إلى عدد كبير من المسلمين الذين يفضلون أشكال الأنشطة المالية الممتثلة لأحكام الشريعة الإسلامية. وتتمثل إحدى الإمكانيات في التنسيق بين المانحين، لأن المؤسسات المالية الإسلامية ترى أن تخفيف حدة الفقر تعتبر عاملا مركزيا في صميم المسؤوليات الاجتماعية المؤسسية. كما تتمثل وسيلة أخرى للتعاون في إقامة شراكات تعاونية مع المصرفيين الإسلاميين حيث يمكن أن يتم في إطارها تقديم الخبرة والمشورة بشأن كيفية هيكلة المنتجات والخدمات الإسلامية. ولعله سيكون في وسع المصرفيين الإسلاميين أن يعملوا في المستقبل على توريق حوافظ التمويل الأصغر الممتثل لقواعد الشريعة الإسلامية حيث بدأنا نرى بداية تطبيق ذلك على التمويل الأصغر التقليدي.