العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

محمد بن موسى بن شاكر مهندس الحيل أو الميكانيكا

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

ذكرنا في (افتتاحية سبتمبر 2012) أن تحالف وحدات البحث والتطوير إنما يهدف إلى تعزيز مستقبل مؤسسات الاقتصاد الإسلامي، هو إستراتيجية.

 

محمد بن موسى مهندس يذكره العالم، ويذكر فضله إلى اليوم، وللأسف نحن دون العالم لا نذكره، بل لم يسمعْ كثير منا عنه.

هو محمد بن موسى بن شاكر البغدادي المهندس الفيلسوف (توفي 259 هـ = 873 م)،طال عمره واشتهر ذكره، صنف كتاب حركة الفلك، وكتاب الثلث، وكتاب الجزء، وكتاب الشكل الهندسي الذي بيّن (جالينوس) أمره، وكتاب أولية العالم، وكتاب المخروطيات، وكتاب مائية الكلام[1].

كان أبرّ الناس بحُنين بن إسحاق الطبيب المشهور، وقد نقل له حُنين كثيراً من الكتب الطبية[2].

له مصنف في المسطحات والكرويات، وله كتاب في الجبر، طُبع في لندن سنة 1831م مع ترجمة انكليزية، وقيل أن هذا المصنف يعود لأبي جعفر محمد بن موسى الخوارزمي المتوفى سنة 205 هـ[3].

برع موسى بن شاكر في علم الهندسة هو وبنوه، محمد وأحمد والحسن، وكانوا جميعهم متقدمين في الرياضيات وهيئة الأفلاك وحركات النجوم. وكان مشهورا لدى المأمون، وكان بنوه الثلاثة أبصر الناس بالهندسة وعلم الحيل، ولهم في ذلك تآليف عجيبة، تُعرف بحيل بني موسى، وهي (أي الحيل) شريفة الأغراض عظيمة الفائدة مشهورة عند الناس، وهم ممن تناهى في طلب العلوم القديمة، وبذلوا فيها الرغائب وقد أتعبوا نفوسهم فيها[4].

لقد اتسم[5] عصر الخليفة المأمون بفتح باب الترجمة على مصراعيه، وبأخذ الثقافة من مواردها الأصلية والبحث عنها في منابتها القاصية، فقد كان يُشجع على ترجمة أمهات الكتب الأجنبية من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية والقبطية، في مختلف علوم الفلسفة والطب والطبيعة والفلك والرياضة.

وكان ملفتاً للنظر طلب الخليفة المأمون من الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يعطيه مكتبةً من مكتبات الأستانة، كشرط من شروط عقد الصلح بينهما.

لكن النقل في ذاك العصر لم يكن مقصوراً على الدولة، بل كان لبعض الأفراد من أهل اليسار مشاركاتهم القوية التي احتذوا فيها ما احتذاه المأمون، ومنهم بنو موسى[6].

يُنسب إلى بني موسى ما عُرف بـ (حيل بني موسى)، فقد اعتنوا بكتب الأوائل، وبذلوا في طلبها الأموال، وبرعوا في علم الهندسة والموسيقى، ولهم عجائب في الحيل. بل قيل إنهم كانوا من شياطين العالم، استعان بهم المأمون في عمل الرصد[7]، وسنذكر بعضاً من تفاصيل ذلك لاحقاً.

لقد عُرفت (الحيل) في التطبيقات الشرعية، وأحدثت أقوالاً كثيرة، لكن الحيل التي نقصدها هي علم عرفه العرب والمسلمون بغير ما عرفته التطبيقات المشار إليها، فقد أطلق قدامى الإغريق اسم "الميكانيكا" على علم الحيل، ولا يزال يحمل هذه التسمية حتى الآن.

ازدهر علم الحيل في العالم الإسلامي بين القرنين الثالث والسابع الهجريين الموافقين للقرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين، واستمر عطاء المسلمين فيه حتى القرن السادس عشر الميلادي تقريبا. ويمثل علم "الحيل النافعة" الجانب التقني المتقدم في علوم الحضارة الإسلامية حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها تقنيا في كل ما يخدم الدين ويحقق مظاهر المدنية والإعمار. وقد جعلوا الغاية من هذا العلم الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير، بقصد:

§       استعمال الحيلة مكان القوة.

§       العقل مكان العضلات.

§       الآلة بدل البدن.

فالشعوب السابقة كانت تعتمد على العبيد، وتلجأ إلى نظام السخرة في إنجاز الأعمال التي تحتاج إلى مجهود جسماني كبير، ولما جاء الإسلام نهى عن السخرة وإرهاق الخدم والعبيد وتحميلهم فوق ما يطيق الإنسان العادي، إلى جانب تحريمه المشقة على الحيوان، فاتجه المسلمون إلى تطوير الآلات لتقوم بالأعمال الشاقة.

كانت الحضارات السابقة للإسلام تستخدم علم "الحيل" في التأثير الديني والروحي على إتباع مذاهبهم، كاستعمال التماثيل المتحركة أو الناطقة بواسطة الكهان، واستعمال الأرغن الموسيقى وغيره من الآلات المصوتة في المعابد. ولما جاء الإسلام جعل الصلة بين العبد وربه بغير حاجة إلى وسائل وسيطة أو خداع حسي أو بصري، فأصبح لعلم "الحيل النافعة" هدف جديد هو التيسير على الإنسان باستعمال آلات متحركة.

وقد ظهر هذا التوجه عند المسلمين الأوائل على أيدي نفر من العلماء الأعلام، لعل أشهرهم أبناء موسى بن شاكر الذين عاشوا في القرن الثالث الهجري، وألفوا كتابهم المعروف باسم "حيل بني موسى". وقد قام دونالد هيل بترجمته إلى الإنجليزية كاملا في عام 1979م، واحتوى الكتاب على مائة تركيب ميكانيكي مع شروح تفصيلية ورسوم توضيحه لطرائق التركيب والتشغيل، وهو ما يدخل اليوم في نطاق علم "الهندسة الميكانيكية" المعتمدة على حركة الهواء، أو حركة السوائل والتزامها. وقد استعملوا نظام الصمامات الآلية ذات التشغيل المتباطئ وعَرِفوا طريقة التحكم الآلي والتشغيل عن بعد.

وتضمنت ابتكارات المسلمين الأوائل في علم الحيل النافعة تصميمات متنوعة لساعات وروافع آلية يتم فيها نقل الحركة الخطية إلى حركة دائرية بواسطة نظام يعتمد على التروس المسننة وهو الأساس الذي تقوم عليه جميع المحركات العصرية. ويعتبر كتاب "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل"، لبديع الزمان الرزاز الجزري الذي عاش في القرنين السادس والسابع الهجريين الموافق ل الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين من المؤلفات التراثية الرائدة في هذا المجال. ووصفه المؤرخ المعاصر "جورج سارتون" بأنه أكثر الكتب من نوعه وضوحا، بل يمكن اعتباره الذروة في هذا النوع من إنجازات المسلمين[8].

كانت للأخوة الثلاثة همم عالية في تحصيل العلوم القديمة، أنفذوا إلى بلاد الروم من أحضرها لهم وأحضروا النقلة من أطراف البلاد بالبذل السَني، وكان الغالب عليهم الهندسة والحيل في جر الأثقال والموسيقى والنجوم. وكان المأمون مغرم بعلوم الأوائل وتحقيقها، وقد رأى مثلاً أن دورة كرة الأرض أربعة وعشرين ألف ميل، كل ثلاثة أميال فرسخ، فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت، وأدير الحبل على كرة الأرض لانتهى بالطرف الآخر إلى تلك النقطة. ومُسح الحبل، فكان طوله أربعة وعشرين ألف ميل. فسأل الخليفة المأمون بني موسى عن حقيقة ذلك، فقالوا له: نعم هذا قطعي، فقال: اعملوا الطريق التي ذكرها المتقدمون حتى يتحرر لنا ذلك، فسألوا عن الأرض المتساوية فدُلوا على صحراء بسنجار، أو وطأة الكوفة، فأخذوا معهم جماعة يثق بهم المأمون وبمعرفتهم، وتوجهوا إلى صحراء سنجار، فوقفوا في موضع منها، وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي، وجعلوا في ذلك الموضع وتداً، وربطوا فيه حبلاً طويلاً، ثم توجهوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف حسب الإمكان، فلما فرغ الحبل نصبوا وتداً آخر، وربطوا فيه حبلاً آخر، وفعلوا فعلهم الأول، ولم يزالوا كذلك إلى موضع أخذوا فيه ارتفاع القطب المذكور فوجدوه قد زاد درجة فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبال فبلغ ستة وستين ميلاً وثلثي ميل. فعلموا أن كل درجة من الفلك يقابلها من الأرض ستة وستون ميلاً وثلثا ميل، ثم عادوا إلى الموضع الأول وفعلوا في جهة الجنوب كما فعلوه في جهة الشمال، وأخذوا الارتفاع في موضع فوجدوا القطب فيه قد نقص درجة، ومسحوا الحبال فوجدوا القدر الثاني من الجنوب كالقدر الأول من الشمال، فعلموا أن حسابهم صحيح وأن الذي ذكره أرباب الهيئة في ذلك محقق. فحضروا إلى المأمون، وعرفوه ما اتفق، فجهزهم إلى وطأة الكوفة، وقال: افعلوا فيها كما فعلتم في صحراء سنجار، فتوجهوا وفعلوا ما فعلوه هناك فطابق فعلهم ما رأوه في صحراء سنجار وتوافق الحسابان. فعادوا إلى المأمون وأعلموه ما صح معهم فعلم صحة ما حرره القدماء.

ولبني موسى المذكورين أوضاع غريبة وأشياء عجيبة في جر الأثقال، وقال بعض الأذكياء إن الأعمال الثقيلة والعمائر الجبارة كلها عُملت بالطليات والبَكر من جرّ الأثقال[9].

لماذا نذكر تاريخ آل موسى بن شاكر؟ وما العبرة من ذلك؟

إن اليابانيين الموصوفون بأصحاب ثاني اقتصاد في العالم يدينون لـ (أوساهير) ويذكرونه ويبجلونه ويسيرون على خطاه وهو الياباني الذي نقل قوة أوروبا إلى اليابان عندما صنع أول محرك ياباني في خمسينيات القرن العشرين، فأحدث (أوساهير) نقلة غيّرت موازيين القوى الاقتصادية في العالم.

فلماذا أهملنا النتائج التي وصل إليها مهندسنا الميكانيكي الأول محمد بن موسى بن شاكر الذي لم نذكره أصلاً؟

لقد أعزّ اليابانيون مهندسهم الميكانيكي الأول (أوساهير) الذي هو من نسل عائلة (الساموراي) العريقة في اليابان، فأحدثوا ثورة اقتصادية وتقنية هائلة جعلتهم في المراتب الأولى عالمياً، فلماذا لم نُحدث نقلة نوعية في اقتصاداتنا التي ليس لها ترتيب يُذكر؟

لقد نقل المهندس (أوساهير) التقنية في خمسينيات القرن العشرين، ونقل محمد بن موسى التقنية في القرن التاسع الميلادي، لكن بعد ٣٠ عاماً صار الاقتصاد الياباني ثاني اقتصاد في العالم، وبعد ١٢٠٠ سنة ما فتئت اقتصادات العالم العربي والإسلامي من دون تصنيف يُذكر!

هل سنبقى قومٌ تُبعٌ مخالفين نصيحة نبينا صلى الله عليه وسلم (لا تكن إمعة)؟ فتظل اقتصاداتنا إمعات تمشي بمعية الآخرين؟ وإلى متى؟

كنت قد ذكرت ذات مرة أن المبادرات الفردية تلعب دورها في تنشيط الوضع الراكد عندما تغيب المبادرات الجماعية المنظمة، والأمة زاخرة بأولئك المبادرين، لكن عدم الاهتمام بهم، بل التضييق عليهم هو بمثابة عامل نبذٍ لهم، في حين أن عوامل جذبهم من البلدان الأخرى تسعى خلفهم حثيثاً.

لقد ساهم الخليفة المأمون بنشر العلم وقيامه، كما ساهم آل موسى وعلى نفقتهم بنقل العلوم وإعادة إنتاجها، وكذلك فعل إمبراطور اليابان وعلى نفقته الخاصة، وكذلك فعل (أوساهير) وعلى نفقته الخاصة أيضا.

لذلك إذا كنا راغبين عن المبادرات الجماعية المنظمة، فلنهتم بأصحاب المبادرات الفردية على أقل تقدير حتى نتوقع نهاية لنفق مستنقع آسن يُراوح أغلبيتنا فيه، هذا إن لم نقل جميعنا بلا استثناء. ولنعمل على تفعيل وحدات البحث والتطوير تعزيزاً ودعماً لمستقبل مؤسسات الاقتصاد الإسلامي بوصفها أداةً استراتيجيةً سواء في مختلف المؤسسات، وإن كان الأفضل تحالف بعضها فلنفعل لأن في الجماعة قوة.

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا /// وإذا افترقن تكسرت آحادا



[1]هدية العارفين الجزء 1 الصفحة 452

[2]عيون الأنباء في طبقات الأطباء الجزء 1 الصفحة 189

[3]اكتفاء القنوع بما هو مطبوع الجزء 1 الصفحة 84

[4]أخبار العلماء بأخبار الحكماء الجزء 1 الصفحة 136

[5]طبقات الأمم لصاعد الأندلسي ص64 المقدمة لابن خلدون ص480-481.

[6]من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، محمّد عبد الرحمن مرحبا 1/303-305.

[7]تاريخ الإسلام للذهبي الجزء 5 الصفحة 34

[8]أساسيات العلوم المعاصرة في التراث الإسلامي دراسات تأصيلية – د. أحمد فؤاد باشا، دار الهداية - القاهرة 1997م

[9]الوافي بالوفيات الجزء 2 الصفحة 119