العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التمويل العقاري باستخدام صيغة الإجارة الموصوفة في الذمة - دراسة فقهية مالية -

الحلقة 1

مستخلص

يهدف هذا البحث إلى الكشف الفقهي عن صيغة هامة في المعاملات المالية الإسلامية وهي صيغة الإجارة الموصوفة في الذمة حيث تتضمن هذه الصيغة معنيين من معاني العقود وهي صيغة الإجارة المعينة وصيغة السلم وذلك واضح من تصريح الفقهاء بذلك بأن صيغة الإجارة الموصوفة في الذمة هي سلم في المنافع.

ويستعرض البحث أيضاً الفروق بين هذه الصيغة وما يشابهها من المعاملات مثل الإجارة العينية والسلم والاستصناع والجعالة كما يستعرض أهم الخصائص التمويلية للصيغة التي تتمثل في وجوب تقديم الخدمات التابعة للمعقود عليه وإمكانية استيفاء المنفعة من أكثر من عين، وإمكانية استخدام الأجرة في أغراض خاصة للسيولة ولا يجب إنفاقها مباشرة على المحل المتعاقد عليه، كما تضمن البحث بعض التطبيقات الخاصة بالإجارة الموصوفة في الذمة في مجال تمويل العقارات مع بعض الإشكاليات الشرعية ومعالجتها.

مقدمة

إن من أولويات البحث في الاقتصاد الإسلامي البحث في المعاملات المالية التي تلبي حاجات المجتمع التمويلية والتي يمكن الاستفادة من خصائصها لتلبية حاجات متنوعة في التطبيقات المعاصرة وتتميز بالسلامة الشرعية والكفاءة الاقتصادية.

وقد وجدت أيضاً من الضروري الاهتمام بالصيغ التي قلت الكتابات فيها وانتشر التطبيق فيها انتشاراً واسعاً مع الحاجة إلى تأصيلها لمعرفة حقيقتها والضوابط الشرعية الحاكمة لها، وبين أيدينا في هذا البحث صيغة مساومة في الفقه الإسلامي اصطلح على تسميتها في المدونات الفقهية بأربع مسميات الأولى الإجارة الموصوفة في الذمة، والثانية إجارة الذمة، والثالثة الإجارة المضمونة، كما في المذهب المالكي والرابعة السلم في المنافع.

وقد طبقت في الصناعة المالية الإسلامية من خلال ثلاث منتجات الأولى في الصكوك الاستثمارية والثانية في تمويل الخدمات والثالثة والتي هي موضوع بحثنا في التمويل العقاري للمنشآت تحت الإنجاز، وقد لاقت قبولاً وانتشاراً واسعاً في الصناعة المالية الإسلامية لما تحتوى هذه الصيغة على مميزات عديدة للممول والمتمول.

ونحن نعلم أن التمويل العقاري للمنشآت تحت الإنجاز أهمية بالغة حيث بدأ الاهتمام بها كثيراً خاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي بدأت بعدها المؤسسات المالية تبحث عن صيغ تلبي لها حاجة التمويل قبل الإنشاء وإتمام العقار مع ضمان أن تكون هذه الصيغة لفترات طويلة لقابلية الصيغة التغيير في قيمة العقد طول الفترة.

والواقع أن صيغة الإجارة الموصوفة في الذمة فيها الكثير من الخصائص التي تحتم علينا كباحثين في الاقتصاد الإسلامي الكشف عنها والاستفادة منها في ضوء مقاصد الشرعية الإسلامية والمتطلبات الاقتصادية، لذلك نأمل من خلال هذا البحث الكشف عن المطلوب من هذه الصيغة سائلين المولى عز وجل التوفيق والسداد

المبحث الأول: تعريف الإجارة الموصوفة في الذمة.

الإجارة الموصوفة في الذمة هو عقد مسمى بالفقه الإسلامي يشتمل على معنيين من معاني العقود المسماة بالفقه الإسلامي هما:

1 - عقد السلم[1].

2 - وعقد الإجارة.

 أي انه يمكن تعريف عقد الإجارة الموصوف بالذمة بأنه:

1 - " بيع منافع مستقبلية بثمن حال ".

2 - أو هي "سلم في المنافع " سواء كانت منافع أعيان أو منافع أعمال.

3 - أو هي "إجارة الذمة " لأن المنفعة المستوفاة متعلقة بذمة المؤجر وليست متعينة.

4 - أو الإجارة الواردة على منفعة مضمونة لأن المنفعة فيها يضمن المؤجر تقديمها في كل الحالات وهي متعلقة بذمته

ويطلق عليها باللغة الإنجليزية Ijaraforward.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية[2]في باب إجارة الذمة:

 قسم جمهور الفقهاء الإجارة باعتبار محل تعلق الحق في المنفعة المعقود عليها إلى قسمين:

1 - إجارة واردة على العين.

2 - وإجارة واردة على الذمة.

 

 أ - فالإجارة الواردة على العين.

 يكون الحق في المنفعة المعقود عليها متعلقا بنفس العين.

-        كما إذا استأجر شخص داراً أو أرضاً أو سيارة معينة.

-        أو استأجر شخصاً بعينه لخياطة ثوب أو بناء حائط، ونحو ذلك.

 وهذا النوع من الإجارة لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يشترط فيه قبض الأجرة في المجلس لصحة العقد أو لزومه أو انتقال ملكية المنافع فيه، وذلك:

-        لأن إجارة العين كبيعها إذ الإجارة بيع للمنفعة في مقابلة عوض معلوم.

-       وبيع العين يصح بثمن حال ومؤجل، فكذلك الإجارة.

ب - أما الإجارة الواردة على الذمة.

 فيكون الحق في المنفعة المعقود عليها متعلقاً بذمة المؤجر.

-       كما إذا استأجر دابة موصوفة للركوب أو الحمل بأن قال: استأجرت منك دابة صفتها كذا لتحملني إلى موضع كذا.

-        أو قال: ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب أو بناء جدار صفته كذا، فقبل المؤجر[3].

المبحث الثاني:مشروعية الإجارة الموصوفة في الذمة

 اختلف الفقهاء في مشروعية الإجارة الموصوفة في الذمة فذهب الحنفية إلى منع إجارة منافع الأعيان الموصوفة في الذمة، واشترطوا أن تكون العين المؤجرة معينة.

وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز إجارة العين الموصوفة في الذمة وعدوها من باب السلم في المنافع.

لذلك فمشروعية الإجارة الموصوفة في الذمة مستمدة من مشروعية عقد الإجارة وعقد السلم،

ونورد فيما يلي نبذة مختصرة عن صيغة الإجارة والسلم وأدلة مشروعيتهما:

·       الإجارة ومشروعيتها.

الإجارة في اللغة:مشتقة من الأجر، والأجر في اللغة له معنيان[4]:

1-    الكراء والأجرة على العمل.

2-    الجبر.

قال ابن فارس: الهمزة والجيم والراء أصلان يمكن الجمع بينهما بالمعنى، فالأول الكراء على العمل، والثاني جبر العظم الكسير، فأما الكراء فالأجر والأجرة، وأما جبر العظم فيقال منه: أجرت اليد.

 فهذان الأصلان، والمعنى الجامع بينهما أن أجرة العامل كأنها شيء يُجبر به حاله فيما لحقه من كدٍّ فيما عمله(1).

 وفي الاصطلاح هي:عقد على منفعة معلومة مباحة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم مدة معلومة (2).

أما الأدلة على ذلك من القرآن الكريم فمنها:

1-   قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمـْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (6) سورة الطلاق.

 حيث دلت هذه الآية على أن المطلقة التي لها ولد رضيع فإن لها أن ترضع ذلك الولد، ولها أن تمتنع، فإن أرضعت استحقت أجر مثلها.

فدلت الآية على مشروعية الإجارة، حيث أمر الله بإعطاء الزوجة الأجرة على الرضاع، فأجاز الإجارة على الرضاع، وإذا جازت عليه جازت على مثله وما هو في معناه.

2-   قوله تعالى:{وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم ما آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} (233) سورة البقرة.

 حيث نفى الله تعالى في هذه الآية الجناح عمن يسترضع لولده، أي يستأجر امرأة ترضع ولده بالأجرة، فدل ذلك على مشروعية الإجارة.

3-   قوله تعالى:{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ. قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} (26 - 27) سورة القصص.

حيث طلب والد المرأتين من موسى – عليه السلام – أن يؤجره نفسه لرعي الغنم مقابل عوض معلوم وهو تزويجه إحدى ابنتيه، ووافق موسى على ذلك، فدل ذلك على أن

 الإجارة كانت مشروعة عندهم، ولم يأتِ في شرعنا ما يمنعها، وشرع من قبلنا شـرع لنا إذا سُكت عنه.

4-   قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} (77) سورة الكهف.

وأما الأدلة من السنة فمنها:

1-   قوله – صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه: « قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره »[5].

 

 فقوله – صلى الله عليه وسلم –: « ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» يدل صراحة على مشروعية الإجارة.

2-   قوله – صلى الله عليه وسلم –: « أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله »[6].

 وهذا الحديث يدل صراحة على مشروعية الإجارة.

3-   عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: استأجر النبي – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صبح ليالٍ ثلاثٍ فارتحلا، وأخذ بهم طريق الساحل (1).

 فهذا الحديث ينص على فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – للإجارة.

·       السلم ومشروعيته:

السلم والسلف بمعنى واحد: وهو بيع شيئ موصوف في الذمة بثمن معجل، والسلم لغة قال الإمام النووي رحمه الله السلم هو نوع من البيوع ويقال فيه السلف وقال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر السلم بمعنى واحد، ويقال سلم وأسلم وسلف وأسلف بمعنى واحد هذا قول جميع أهل اللغة.

أما في الشرع فهو كما عرفه الإمام النووي:

 أنه عقد عل موصوف في الذمة ببذل يعطى عاجلاً، أي أن البضاعة المشتراه دين في الذمة ليست موجودة أمام المشتري ومع ذلك فإنه يدفع الثمن عاجلاً للبائع.

 والفقهاء يسمونهبيع المحاويج لأنه بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتابعين.

ومشروعيته جاءت بالكتاب والسنة والاجماع.

-        يقول تعالى: " يأيها الذين آمنوا إذا تدايتنم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " [7]

-       ومن السنة:

-        ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يسلفون في التمر العام والعامين فقال: " من سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".. رواه البخاري ومسلم.

-       أما الإجماع فقد نقل بن قدامه عن ابن المنذر قوله، أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على أن السلم جائز لأن المثمن في البيع أحد عوض العقد فيما زان يثبت في الذمة كالثمن ولأن الناس في حاجة إليه.

أركان السلم: أركان السلم هي:

1. العاقدان.

2. الصيغة " الإيجاب والقبول".

3. المعقود عليه.

- ضوابط الاستثمار عن طريق بيع السلم: وضع بعض الفقهاء مجموعة من القواعد التي تضبط الاستثمار عن طريق بيع السلم منها.

1)    أن يكون منضبطاً.

بمعنى أن كل ما يمكن انضباطه فإنه جائز فيه السلم لأنه مما تدعو إليه حاجة.

2)    أن يصفه بما يختلف فيه الثمن، فيذكر جنسه ونوعه.

 وقدره وبلده، وحداثته وقدمه، وجودته ورداءته، ومالا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكره.

3)    أن يكون الأجل معلوم.

 كالشهر ونحوه فإن أسلم حالاً أو على أجل قريب كاليوم ونحوه لم يصح.

4)    أن يكون المسلم فيه في الذمة.

 فإن أسلم في عين لم يصح.

5)    أن يكون المسلم فيه عام الوجود.

 في محله فلا يجوز فيما يندر كالسلم في العنب والرطب في غير وقته.

6)    أن يقضي رأس المال في المجلس.

 وذلك لئلا يدخل تحته بيع الكالئ المنهي عنه وأجاز مالك اليوم واليومين لاستلام رأس المال. وهذه الشروط متفق عليها الأئمة الأربعة.

 وقد أقر مؤتمر المصرف الإسلامي في دبي عام 79 هذا النوع من البيوع إذا كان المصرف يتقيد بالشروط التي ذكرها الفقهاء ومراعاة ذلك في كافة عقود السلم. ولا يشترط أن تكون البضاعة المشتراة من إنتاج البائع كما هو الحال في المصارف الإسلامية فإنها تستورد البضائع من بلدان أخرى ولا تقوم بإنتاجه، والفرق بين السلم وبيع المرابحة أن بيع السلم يتم الثمن حالاً أما بيع المرابحة فهناك وعد بالشراء، وفي كلتا الحالتين يكون المشتري من المنتج الأساسي هو المصرف الإسلامي لا المتعامل.

 

المبحث الثالث: أنواع الإجارة الموصوفة بالذمة

تنقسم الإجارة الموصوفة في الذمة بحسب المحل المعقود عليه إلى ثلاثة أنواع هي:

1 – الإجارة التي يكون الثمن فيها موصوفاً في الذمة.

حيث أن الأجرة التي تترتب على المستأجر إما أن تكون معينة محددة مرئية أثناء العقد وإما أن تكون مقررة بالوصف وهنا لا يلغى بتلف ما قد عينه الأجير أو المكري لنفسه من الأجرة التي ضبطها موصوفة في ذمة المستأجر أو المكتري كما لا يلغى العقد بظهور عيب فيه.

والفرق بين الإجارة المعينة والموصوفة في الذمة هنا أن تلف الثمن المعين المرئي أو ظهور عيب فيه، ينطوي على مخالفة للشرط الذي التزم به الطرفان أما تلف الثمن أو الأجر الموصوف في الذمة فليس فيه ما يخالف الشرط المتفق عليه.

إذ الشرط هنا ليس متعلقاً في هذه الحالة بعين ما حدده المشتري أو المستأجر للبائع أو الأجير ابرءً لذمته وإنما هو متعلق بالجنس الثابت في ذمة كل منهما [8].

 

2 – الإجارة التي يكون العمل فيها موصوفاً في الذمة:

والإجارة الواردة على العمل لها حالتان الأولى أن يتعلق العقد بالشخص ذاته، كأن يقول له: استأجرتك لتفعل كذا، والحالة الثانية وهي أن يتعلق العقد بذمة الشخص المستأجر مثل ألزمت ذمتك أو أسلمت إليك هذه الدراهم في خياطة هذا[9]، وهنا عقد الإجارة لا يتعلق بشخص الأجير أو المستأجر، ولا ينحصر القيام بالعمل المطلوب منه في شخصه هو بل يتعلق العقد حينئذ بذمته، فله أن يمارس العمل المطلوب بنفسه، وله إن شاء أن يستأجر له من يراه أهلاً لإنجازه أو أن يوكله بذلك [10].

3 – الإجارة التي تكون فيها العين موصوفة في الذمة.

أمّا استئجار العين المتمثلة في شيء ما كالدواب والسيارات والسفن فقد درج كثير من الفقهاء على تسمية العقد المتعلق باستئجارها كراء وهنا العقد إما أن يقع على عين مخصصة مرئية، وإما أن يقع على شيء موصوف في الذمة [11]وهي كقول المؤجر للمستأجر جعلت لك منفعتها(أي العين الموصوفة بالذمة) سنة بكذا، وإذا كانت دابة مثلاً يجب ذكر جنس الدابة لاختلاف الغرض بها سرعة وبطئا [12].

المبحث الرابع: أحكام الإجارة الموصوفة في الذمة في الفقه الإسلامي

 الشرط العام المكون لضوابط وأحكام عقد الإجارة الموصوفة في الذمة هو استقصاء صفات سلم في موصوفة في الذمة أي الالتزام الكامل بشروط وضوابط عقد السلم لأن الإجارة الموصوفة بالذمة هي سلم في المنافع كما تقدم بيانه جاء في منتهى الإرادات:

(وشرط استقصاء صفات سلم في موصوفة بذمة) ؛ لاختلاف الأغراض باختلاف الصفات فإن لم توصف بما يضبطها أدى إلى التنازع فإن استقصيت صفات السلم كان أقطع للنزاع وأبعد من الغرر[13]، وفيما يلي الأحكام العامة للإجارة الموصوفة بالذمة:

ý   الأحكام العامة للإجارة الموصوفة بالذمة.

1)    لا يجوز تأجيل الأجرة ولا الاستبدال عنها ولا الحوالةبها ولا عليها ولا الإبراء.

 بل يجب التسليم في المجلس كراس مال السلم، لأنه سلم في المنافع.

 وقال ابن رشد " ومن شرط إجارة الذمة أن يعجل النقد عند مالك، ليخرج من الدين بالدين "لكن الفقهالشافعي والحنبلي فصل في بيان ذلك.

بين أن تقع الإجارة الموصوفة في الذمة بلفظ السلم، مثل أسلمتك مبلغ كذا في منفعة دار صفتها كذا وكذا، أو في منفعة عامل (بناء) صفته كذا، لبناء حائط مثلاً وقبل المؤجر ففي هذه الحالة يجب تعجيل قبضه الأجرة في مجلس العقد، لئلاً يصير ديناً بدين، أما إن لم تكن بلفظ السلم ولا السلف مثل " ألزمت ذمته كذا، فإنه لا يجب في هذه الحالة تعجيل قبض الأجرة [14]، ومسألة تعجيل الأجرة عموماً مسألة خلافية وسوف يأتي تفصيل ذلك فيما يلي لأهمية الموضوع:

ý   الخلاف الفقهي في تعجيل الأجرة.

 إن القائلين بجواز إجارة الذمة اختلفوا في اشتراط تسليم الأجرة في مجلس العقد لصحتها، وذلك على ثلاثة أقوال[15]:

1.    الشافعية:يشترط المذهب الشافعي في صحة إجارة الذمة قبض المؤجِر الأجرة في مجلس العقد، كما اشترط قبض المسلم إليه" رأس مال السلم" في المجلس.

فإن تفرقا قبل القبض بطلت الإجارة، لأن إجارة الذمة سلمٌ في المنافع، فكانت كالسلم في الأعيان في الحكم سواء عقدت بلفظ الإجارة أو السلم أو غير ذلك.

جاء في تحفة المحتاج " ويشترط في إجارة الذمة)إن عقدت بلفظ إجارة أو سلم(تسليم الأجرة في المجلس)كرأس مال السلم ; لأنها سلم في المنافع فيمتنع فيها تأجيل الأجرة سواء أتأخر العمل فيها عن العقد أم لا والاستبدال عنها والحوالة بها وعليها والإبراء منها وإنما اشترطوا ذلك في العقد بلفظ الإجارة ولم يشترطوه في العقد على ما في الذمة بلفظ البيع مع أنه سلم في المعنى أيضا.

لضعف الإجارة بورودها على معدوم وتعذر استيفائها دفعة ولا كذلك بيع ما في الذمة فيهما فجبروا ضعفها باشتراط قبض الأجرة في المجلس [16]، ومنها يشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس إن كانت بلفظ الإجارة في الأصح؛(نظرا للمعنى).

 والضابط لهذه القاعدة أنه إن تهافت اللفظ حكم (بالفساد) على المشهور كبعثك بلا ثمن، وإن لم يتهافت فإما أن تكون الصيغة أشهر في مدلولها أو المعنى، فإن كانت الصيغة أشهر كأسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد، فالأرجح اعتبار الصيغة.

وذلك لاشتهار السلم في بيوع الذمم، وقيل ينعقد بيعا، وهو قضية كلام التنبيه، وإن لم يشتهر، بل كان المعنى هو المقصود كوهبتك بكذا فالأصح انعقاده بيعا، وإن استوى الأمران فوجهان، والأصح اعتبار الصيغة ؛ لأنها الأصل والمعنى تابع لها فإذا (أوقع) في إجارة الذمة لفظ السلم اعتبر قبض المال في المجلس قطعا، وإن (أوقع) لفظ الإجارة فوجهان.

والأصح:اعتبار المعنى (كما في) الهبة، وإن قال: اشتريت منك ثوبا صفته كذا بهذه الدراهم انعقد (بيعا في الأصح)؛ لتعادل المعنى والصيغةوالأصح اعتبار الصيغة فينعقد بيعا[17].

2.    المالكية: وهو أنه يجب لصحة إجارة الذمة تعجيل الأجرة، لاستلزام التأجير بيع الكالئ بالكالئ، وتعمير الذمتين، وهو منهي عنه، إلا إذا شرع المستأجر باستيفاء المنفعة –كما لو ركب المستأجر السيارة الموصوفة فبطريقه إلى المكان المشترط أن تحمله إليه- فيجوز عندئذ تأخير الأجرة، لانتفاء بيع المؤخر بالمؤخر.

حيث إن قبض أوائل المنفعة كقبض أواخرها فارتفع المانع من التأخير... ولا فرق في ذلك بين عقدها بلفظ الإجارة أو السلم.

جاء في حاشية الدسوقي " وجاز السلم أيضا بمنفعة شيء معين كسكنى دار وخدمة عبد وركوب دابة معينة إن قبضت ولو تأخر استيفاؤها عن قبض المسلم فيه بناء على أن قبض الأوائل قبض للأواخر وإنما منعت عن دين لأنه فسخ دين في دين.

 وهذا ابتداء دين في دين وهو أخف واحترز بمعين عن منفعة مضمونة فلا يجوز كقول المسلم للمسلم إليه أحملك إلى مكة بإردب قمح في ذمتك تدفعه لي وقت كذا[18].

وقد اعتبر المالكية في حكم تعجيل الأجرة تأخيرها اليومين أو الثلاثة، لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، كما في السلم.

3.    الحنابلة: وفي المذهب الحنبلي أن إجارة المنفعة الموصوفة في الذمة إذا جرت بلفظ "سلم" أو "سلف" كأسلمتك هذا الدينار في منفعة سيارة صفتها كذا وكذا لتحملني إلى مكان كذا، أو في منفعة آدمي صفتها كذا وكذا لبناء حائط صفته كذا، وقبل المؤجر، فإنه يشترط لصحة إجارة الذمة عندئذ تسليم الأجرة في مجلس العقد.

 

لأنها بذلك تكون سلماً في المنافع، ولو لم تقبض قبل تفرق العاقدين لآل الأمر إلى بيع الدين بالدين (أي المؤخر بالمؤخر) وهو منهي عنه، أما إذا لم تجر إجارة الذمة بلفظ السلم، أو السلف، فلا يشترط فيها تعجيل الأجرة، لأنها لا تكون سلما في هذه الحالة، فلا يلزَم فيها شرطه.

جاء في الكافي لابن قدامه[19]" وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة استحق استيفاء الأجرة عند انقضاء العمل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: }أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه{ولأنه أحد العوضين فلزم تسليمه عند تسليم الأجر كالبيع وإن شرطا تأجيلها جاز إلا أن يكون العقد على منفعة في الذمة ففيه وجهان:

أحدهما: يجوز لأنه عوض في الإجارة فجاز تأجيله كما لو كان على عين.

والثاني: لا يجوز لأنه عقد على ما في الذمة فلم يجز تأجيل عوضه كالسلم".



[1]عقد السلم ويعني شراء سلعة مؤجلة بثمن حال وهو يقع على تملك سلعة بخلاف الإجارة الموصوفة في الذمة الذي يقع على تملك منفعة مستقبلية بثمن حال.

[2]الموسوعة الفقهية، باب الإجارة.

[3]راجع:شرح منتهى الإرادات للبهوتي وجواهر العقود والشروط للمنهاجي، وهي أشهر المراجع التي تحدثت عن الإجارة الموصوفة في الذمة.

[4]السعدون، أحمد، الإجارة المنتهية بالتمليك، مكتبة المشكاة الإسلامية.

[5]أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب البيوع، في باب أثم من باع حراً، رقم الحديث (2227).

[6]أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الطب، في باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، رقم الحديث (5737).

[7]البقرة (آية 282)

 

[8]البوطي، محمد سعيد، الإجارة الموصوفة في الذمة، بحث مقدم إلى مؤتمر العمل المالي والمصرفي الإسلامي في البحرين، 2007، ص 3.

[9]تحفة المحتاج في شرح المنهاج(24/259)، وأنظر أيضاً بحث الدكتور محمد سعيد البوطي، ص 4.

[10]البوطي، محمد سعيد، مرجع سابق، ص 6.

[11]البوطي، محمد سعيد، مرجع سابق، ص 11.

[12]أسنى المطالب، (12/161(

[13]شرح منتهى الإرادات- فصل الإجارة ضربان-الجزء الثاني-صفحة 252

[14]شرح منتهى الإرادات، 2 / 360.

[15]حماد، نزيه، مرجع سابق.

[16]تحفةالمحتاج في شرح المنهاج» كتاب الإجارة- ج 6

[17]المنثور في القواعد، 2 / 442.

[18]حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 12 / 336.

[19]الكافي في فقه ابن حنبل لابن قدامة، 2 / 169.