العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الذكاء المالي ومحدداته

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يتم إعداد البيانات المالية دورياً، والأصل أنها تمثل الواقع من حيث تسلسل أحداثه الاقتصادية التي وثقتها دفاتر المنظمة المُعِدة لهذه البيانات، لتصبح بعد المعالجات المحاسبية تقارير مالية قابلة للتدقيق ومن ثم النشر.

يستخدم المحاسبون والماليون بيانات وتقديرات محددة لبعض الحسابات وصولاً لنتائج ختامية يُعبَّر عنها بالمركز المالي. ويساعد تعدد أنواع المحاسبة كمحاسبة التكاليف والمحاسبة الإدارية بتوليد بيانات وعناصر يمكن تحويلها إلى خطط تعبر عن توقعات مستقبلية.

تُعبّر التقارير المالية عن وجهة نظر المنظمة مُمثلة بمديرها المالي الذي يلتزم بسياسة إدارته التنفيذية ومجلسها، لكن عندما يقرؤها الآخرون تعكس وجهة نظر أولئك القُرّاء كل حسب اختصاصه وزاوية اهتمامه، وعندئذ يبدأ تشكّل رقابة السوق.

وتمثل المعايير المحاسبية ومعايير المراجعة والمعايير المالية سواء منها الدولية أو التي تصدر عن هيئات خاصة مثل AAOIFIومثيلاتها، وضعاً وسيطاً بين وجهتي النظر المذكورتين، فهي تعكس الأصول المهنية محققة المصالح المشتركة للمستفيدين من البيانات المالية سواء على مستوى البيئة المحلية ممثلة بمؤسساتها، أو على مستوى الأسواق الدولية ومنظماتها. لكن إشكالية تطبيق المعايير بين الإلزامية أو بقائها إرشادية، تبقى قضية مؤثرة في مدى فعاليتها.

وتضاف إشكالية عدم حياد الشركات المشاركة بوضع المعايير، كفعل شركة المحاسبة (أرثر اندرسون) المسؤولة عن فضائح شركتي "أنرون" و "وورلدكوم" العملاقتين،فضلاً عن تعبير بعض تلك المعايير عن مصالح تلك الشركات العملاقة.

ويضاف عدم التطبيق من قبل بعض من أسهموا بوضع المعايير (ومنها الشرعية) بل للأسف هم أكثر الخارجين عنها في ممارساتهم الرقابية.

إن التجمعات المهنية وما يصدر عنها ليست ابتكاراً حديثاً، فقد عبّر النويري عن المبادئ المحاسبية المقبولة عموماً GAAPالتي عُرفت في سنيّ القرن الماضي، عندما وضع أصول المحاسبة منذ حوالي سبعمائة سنة، قال: "كيفية المباشرة وأوضاعها وما استقرت عليه القواعد العرفية والقوانين الاصطلاحية" (نهاية الأرب في فنون الأدب، ص 194)، ثم أقرّ بأول مجمع محاسبي مهني، بقوله: "لقد حصل الاجتماع لجماعة من مشايخ أهل الصناعة ممن اتخذها حرفة من مبادئ عمره إلى أن طعن في سنّه"(نهاية الأرب في فنون الأدب، ص 305).

وذهب النويري إلى أبعد من ذلك، عندما طلب من المحاسب اقتراح ما يراه نصحاً وتوضيحاً، بوصفه الأكثر إدراكاً لما جرى ثَبتْه في دفاتره خلال العام. لذلك يُناط به تقديم مقترحات، وهي حسب قوله: لا يمكن ضبطها، إلا أنه مهما اقترح مما يكون سائغ الاقتراح ممكن العمل، لزم الكاتب عمله (نهاية الأرب في فنون الأدب، ص 297). وهي تشبه اليوم ما نسميه بالإيضاحات والتي  ليس لها شكل أو إفصاح محدد تجاه نواحي محددة.

كما اُشتهر مجلس أبي حنيفة الفقهي حيث تُناقش المسائل فيه بعد جلسات عصف ذهني جماعي يضع فيها الأحكام والقواعد الناظمة.

فما هو الذكاء المالي؟ وكيف نميز غَثّه من سَمينه؟

هناك من يرى أن الذكاء عضوي حيث للعوامل الوراثية دورٌ فيه، وهناك من يراه تفاعلاً بين العوامل الاجتماعية والفرد نفسه، وهذا مُحِددٌ يُضفي الذكاء على الأفراد، ومن تلك العوامل القدرة على فهم اللغة والقوانين والواجبات السائدة.. الخ، وهناك من اعتبر آثار السلوك بمثابة حاكم على ذكاء الأفراد. لذلك إن تعلّق الذكاء بالعوامل الوراثية كان فطرياً، وإن تعلّق بالعوامل الاجتماعية كان مُكتسباً، والاكتساب يكون بالتعلم عن طريق التلقين، أو يكون ناجماً عن الممارسة.

أما آثار الذكاء فتكون بنجاح الفرد الذكي في دراسته، وبفصاحته، وسرعة تفكيره، وكذلك بابتكاره لتطبيقات جديدة وأدوات جديدة تساعده وتساعد غيره على التكيّف مع مشكلات الحياة وظروفها المستجدة بوصفها بيئة عامة أو بيئة عمله.

وعليه فالذكاء المالي هو قدرة الفرد على فهم وتعلم الشؤون المالية والتعبير عنها وإجادة التفكير فيها وبتحليل نتائجها وإدراك آثارها. ويضاف لذلك مدى قدرته على التفاعل والتعامل مع الآخرين بحصافة لأن التعاملات المالية لا تتم بمعزل عن الآخرين. 

وبناء عليه فالذكاء يكون متمثلاً:

-        في قراءة ما وراء الأرقام، وهو ما نُعبّر عنه بالتحليل المحاسبي، والمالي، والفني، والأساسي، والشرعي.

-        ونجده كامناً في تقارير المحللين، والمدققين، والمراجعين، وضمن الدراسات الإحصائية والتفسيرية.

-        وفي تطوير وابتكار الأدوات المالية المفيدة وما شابهها.

-        كما تعتبر المعايير المالية والمحاسبية والشرعية ومعايير المراجعة ومعايير الأخلاق، التي طُورت بالممارسة والاستنباط معاً، وصارت شكلاً من أشكال الذكاء الجماعي.

لكن متى يتحول الذكاء إلى وبال؟

إن اختفاء محددات الثوابت الفكرية التي تمنع العقل من الجنوح عن جادة الصواب، يجعلنا نتحول من الذكاء إلى الاحتيال وكلاهما دهاء. والحِيل (بكسر الحاء) حسب الصّحاح، اسمٌ من الاحتيال، وفي لسان العرب، الحِيلة والقُوَّة، وذلك هو الحِذْقُ وجَوْدَةُ النظر والقدرةُ على دِقَّة التصرُّف، وهو أيضاً المطالبة بالشيء بالحيل.

أما الاحتيال اصطلاحاً فعرّفه الشاطبي بأنه ﺗﻘﺪﻳﻢ ﻋﻤﻞ ﻇﺎﻫﺮ ﺍﻟﺠﻮﺍﺯ لإﺑﻄﺎﻝ ﺣﻜﻢ شرعي ﻭﺗﺤﻮﻳﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﺇﻟﻰ ﺣﻜﻢ ﺁﺧﺮ، ﻓﻤﺂﻝ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺧَﺮﻡ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.

والاحتيال قانوناً حسب المادة 641 من قانون العقوبات السوري هو كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول (...) فاستولى عليها احتيالاً: إما باستعمال الدسائس، أو بتلفيق أكذوبة أيدها شخص ثالث ولو عن حسن نية، أو بظرف مهّد له المجرم أو ظرف استفاد منه، أو بتصرفه بأموال منقولة أو غير منقولة وهو يعلم أن ليس له صفة للتصرف بها، أو باستعماله اسماً مستعاراً أو صفة كاذبة. وتطبق العقوبة على المحتال نفسه كما تطبق على من حاول ارتكاب هذا الجرم.

لكن هل تحيّن وتصيّد الفرص ولو أطاحت بالآخرين مهما كان عددهم أفراداً ودولاً، ذكاءٌ أم تحايلٌ؟ وهل فعل الثري (سوروس) الذي وُصف بأنه "الرجل الذي أَفلَسَ بنك بريطانيا العظمى" ذكاءً أم تحايلاً؟ (الحكماء وتقلبات الأسواق، تشارلز موريس، ص 32).

وهل عمليات غسيل الأموال التي يقوم بها مجرمون دهاة إلا جرائم مالية؟ فهم يحتالون على النظم والقوانين ليسرقوا أموال الشعوب مستعينين بأنظمة المؤسسات المالية وبمصرفيين وماليين دهاة.  

إن الحيل ليست بدعاً حديثة العهد، بل عرفها الفقه الإسلامي ومارسها عديدون، وأُلّفت كتب تحمل هذا الاسم. وقد تصدى الفقهاء لتلك الحيل لمنع انتشارها حتى لا تُفسد حياة الناس وتخرب اقتصادهم ومعاملاتهم. ولأجل ذلك نشأت مهنٌ جديدةٌ تتصدى لتلك الأعمال كالمحققين الماليين ومعتمدي مكافحة غسيل الأموال ليكملوا عمل المدقق المالي ومراجع الحسابات والمدققين الداخليين. 

وعلى ذلك، التطور المالي كان موجودا وبشكل يكاد يعدل ما نحن عليه الآن! والاحتيال كان موجوداً وبشكل يكاد يعدل ما نحن عليه الآن أيضاً.

أمام ذلك قامت الهيئات مصدرة المعايير بإلحاق معايير الأخلاق بمعاييرها، لكن رغم ذلك مازالت قضية التطبيق قضية تتراوح بين الذكاء والاحتيال. فماذا بقي أن يُفعل؟

بالعودة إلى فضيحة السوق الأمريكية المتعلقة بشركتي "أنرون" و "وورلدكوم" حيث قرر مجلس الشيوخ الأمريكي تطبيق رقابة صارمة على شركات المحاسبة لدورها في تلك الفضائح وضرورة إصدار قانون يشدد عملية الإشراف على تدقيق الحسابات من أجل ضمان نزاهة حسابات الشركات واستعادة ثقة المستثمرين وتصحيح وتنظيم مهنة المحاسبة في الولايات المتحدة الأمريكية. ويدلّ هذا على وجود خلل في بنية المجتمع الذي أفرز تلك الشركات والقائمين عليها مع كشف تزوير الحسابات وجرائم أسرار العمل ونزاعات المصالح.

وهذا أيضا ليس بجديد، فقد وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول رقابة على السوق وسماها (المحتسب)، وأسند للقائم بها مهمة مراقبة الأسواق والتدخل عند حصول الغش والتدليس والتلاعب بظروف العرض والطلب وما شابهه تحقيقاً لقاعدة الحرية المنضبطة التي أرساها خير البرية صلى الله عليه وسلم (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)، ودعوا تعني خلوا والتخلية تكون بتنحية كل ما يشوه العدالة، وفي بعض الروايات سبق تلك القاعدة (لا يبِعْ حاضرٌ لبادٍ) وذاك نهي عن إخفاء سعر الوقت والتلاعب به، وهذا من الإفصاح والشفافية.

إذاً يتمتع كلٌّ من الذكي والمحتال بالدهاء فإن اختفت الضوابط الأخلاقية كان الوضع احتيالاً، ويمكن تمثيل ذلك بالمعادلتين التاليتين:

الذكاء + ضوابط أخلاقية                 = ذكاء مالي

الذكاء + دون ضوابط أخلاقية           = احتيال مالي

لكن أنموذج عمر بن الخطاب رضي الله عنه برقابة السوق، وقاعدة عثمان بن عفان رضي الله عنه بأن الله يزع في السلطان ما لا يزع بالقرآن، ثم ما فعله الكونغرس الأمريكي بإضافة رقابة السوق من خلال المعايير المحاسبية التي سبق إليها النويري بأكثر من 700 عام يجعلنا أمام المعادلة التالية:

الذكاء + ضوابط أخلاقية + رقابة السوق = ذكاء مالي

والرقابة والتدقيق مارسه الوزير العباسي علي بن عيسى بقوله: "لو لم نتفقد الصغير لأضعنا الكبير، وهذه أمانة لابد من أدائها في قليل الأمور وكثيرها" (الزهراني، ص 95)، وقد أُنشئ في العهد العباسي ديوان خاص للمراجعة الخارجية سُمِّي بزمام الأزِمَّة.

والفارق الجوهري هو عندما تكون مسألة الأخلاق قضية متغيرة لا ثابتة الحدود، وهذا ما عبرت عنه (نورينا هيرتس) في كتابها السيطرة الصامتة بأن المسألة ليست مسألة أخلاق إنما هي مسألة تجارة وأحيانا تتطابق مجموعتا الاعتبارات ولكن هذا لا يحدث دائما، فالشركات ليست حارسات المجتمع، إنها كيانات تجارية تعمل من أجل الربح، وهي مزدوجة أخلاقياً.

وهذا ما يأخذنا إلى أفضلية الشريعة الإسلامية وتميزها، فاستعراض القواعد الفقهية الكلية والجزئية يوضح انتظام عِقد الفقه وانسجامه، فقد جمعت هندسة بنائه بين السهولة والمتانة، فحصرت المحرمات في دائرة واضحة المعالم وجعلتها ثوابت لا تُخرم، ثم أطلقت العِنان لدائرة الابتكار في غيرها من دائرة المشروع.

لذلك نجد أن تربية السلوك الاقتصادي في سن مبكرة للأطفال والأجيال الناشئة يساعد في إنشاء جيل ناضج الفكر اقتصادياً ومالياً. وقد كانت الشريعة الإسلامية سباقة في إرساء هذه المبادئ والمُثل التربوية الاقتصادية والمالية ومن ذلك: محاربة الجشع والتواكل والعجز والكسل ومحاربة التبذير والإسراف وتعليم الاعتدال في الإنفاق وذم الدَّين والتحذير من مآلاته، والحض على العمل، والتخطيط الاستراتيجي.

وبذلك فإن عناصر كون الذكاء فطرياً ومكتسباً محقق في الثقافة الإسلامية، وتدعمه الضوابط الأخلاقية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الشريعة الإسلامية. وهذا ما يجب أن نعتز به وأن نسعى إلى تربيته وتزكيته في السوق الإسلامية عموماً.