العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اقتصاد المياه والاقتصاد بها.. الماء المورد الاقتصادي الأهم.. فالحياة من دونه معدومة

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

الحمد لله الذي خلق لنا الماء وجعل منه كل شيء حيّ، جعل الطهارة به، وجعل السقاية فيه، وجعل المطر وسيلته، والبحر والنهر والآبار مستوعبه.

عاش ويعيش بعضنا حرماناً قسرياً من المياه، عانى ومازال بعضهم يُعاني الأمرّين منه لتدبير نفسه وعياله، ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يهتمون بمأساتهم رغم أنهم إخوتهم في الإنسانية، بل إن منهم إخوتهم في الدين، والأنكى من كل ذلك أن بعضاً من الناس ممن يعيشون مع أولئك المعانين فيهم المسرفين، وفيهم المبذرين في صرف الماء، دون وجه حق غير آبهين بحاجات غيرهم.

لقد فضل الله أمة خير الأنام بثلاث خصال: يقول صلى الله عليه وسلم: فُضلنَا على الناسِ بثلاثٍ: جعِلتْ صفوفنا كصفوفِ الملائكةِ، وجُعلتْ لنا الأرضُ كلها مسجدا، وجعلَتْ تُربتُها لنا طهورا إذا لم نجدِ الماءَ  (حديث صحيح).

إن الماء في الوجود أمره عظيم، ففي الحديث الصحيح أن: اللَّهَ تعالى كانَ عرشُهُ علَى الماءِ ولم يخلُقْ شيئًا قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أن يخلُقَ الخلقَ أخرجَ منَ الماءِ دخانًا فارتفعَ، ثمَّ (أيبَسَ) الماءَ فجعلَهُ أرضًا، ثمَّ فتقَها فجعَلَها سبعَ أرضينَ، إلى أن قال: فلمَّا فرغَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ مِن خلقِ ما أحبّ استَوَى علَى العرشِ.

فأين اقتصاد المياه؟ وأين الاقتصاد بها؟

لقد سخر الله لنا ماء البحر وجعله أربعة أخماس الكرة الأرضية، فجعله طَهوراً، وحمل فيه السفن والأشرعة لنقل الناس وحاجاتهم، وجعل فيه الثروات الحيوانية البحرية طعاماً شهيّاً لذيذاً، ومنه يُخرَج الملح الذي لا يستقيم طعام الإنسان دونه، وفيه كنوز اللؤلؤ وما شابهها من حليّ وجمال خلاب. وبسبب القوة الاقتصادية لماء البحار، تقاسمته الدول فكانت مياهاً إقليميةً وأخرى دوليةً مشتركةً بما يحقق المصالح بينها.

ثم جعل الصانع المدبر الأبحُر مختلفة في كثافة ملوحتها لأسباب تقوم بها الحياة على الأرض، وجعل بينها فواصل تمنع انزلاق بعضها عن بعض، يقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (الفرقان: ٥٣).

وخلق سبحانه وتعالى في قطبي الأرض بحرين محيطين جامدين أو شبه جامدين من الماء العذب، هما أشبه بمستودعات تزود البحار بالماء كل حين، ويضمان حياة غريبة تحوي ما يخصها من الحيوانات التي هي مصدر غني لغذاء كثير من الناس. 

يتشكل المطر من ماء البحار الأُجاج، وكأن تلك البحور مخازن تؤمن للناس مصادر عيشهم ونقلهم وطاقتهم، وحاجتهم من مياه الأمطار التي يحملها السحاب في كل اتجاه، فيكون ماءً عذباً فراتاً سائغاً للشاربين فتقوم به الحياة.

يقول الله تعالى في سورة الواقعة عن الماء الذي فيه سبب كل حياة، بأنه لو قدّر سبحانه وتعالى له أن يكون مالحاً غير صالح للشرب فماذا سيحصل؟ ومن ذا الذي يُنزله من السحاب غيره تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠).

ثم إن الله تعالى قد سخر لنا مياه الأنهار وأسكنها حوايا الأرض ووديانها، وجعلها غير مالحة، فيها ثروات حيوانية ونباتية فريدة، ومنها تُسقى الأراضين لتُخرج من تربتها طعاماً مختلفاً طعمه ولونه (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) سورة النحل.

وسخّر الله تلك الأنهار لتكون وسيلة لحمل الناس وحمل متاعهم فلا تغرق سفنهم وأشرعتهم، منها مشرب الحيوانات التي هي طعام الإنسان الأساسي في هذه الحياة الدنيا.

وقد تقاسمت الدول مياه الأنهار فكان منها الخاص ومنها المشترك، وغالباً ما كان ذلك سبباً لحروب طاحنة بين شعوب وقبائل ودول على مرّ التاريخ، قرأنا عن بعضها، ونسمع في هذه الأيام عن مثيلها، وستبقى الناس في شقاق طالما أنهم لم يقيموا العدل بينهم، ولم يلجموا سَفه شهواتهم إسرافاً وتبذيراً.

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح أربعة أنهر، وفي ذلك يقول: فجرت أربعة أنهار من الجنة: الفرات، والنيل، وسيحان، وجيحان.

ثم جعل الرحمن جلّ في عُلاه ما فاض عن الأنهار يَصب في الأبحُر، منعاً لضياع شيء منها دون فائدة، وفي هذا درس مستفاد في معالجة النواتج والبقايا وعدم هدرها أبداً. 

والمعلوم أن أنهار نصف الكرة الأرضية الجنوبية تنبع من جنوبها وتصب في شمالها، بينما تنبع أنهار نصف الكرة الأرضية الشمالية من الشمال وتصب في الجنوب، ولا يخالف هذه القاعدة سوى نهر واحد هو نهر العاصي فهو من أنهار نصف الكرة الأرضية الشمالية لكنه يتجه عكس أقرانه فسمي لأجل ذلك بنهر العاصي لعصيانه في الاتجاه لأقرانه من أنهار نصف الكرة الأرضية الشمالية.

وقد توزعت الحضارات وقامت حول المياه ومصادرها، وبزوال المياه تندثر المدنيات ولا يبقى منها إلا الأثر. كما أن للأنهار أحوالها، كالطوفان والمد والجزر، فقد تترك ما حولها غارقاً حيث تبتلع كل حياة فيه، أو تهجره تاركة الطمي المفيد. لكن حُمق بعض الحضارات جعلها تعبد الأنهار خوفا من آثارها، فاعتبرتها آلهةً تُعبد من دون الله الخالق، ومنها (أي الحضارات) من قدَّم القرابين لها لترضى أو لتكون وسيلة لرضى الآلهة المزعومة.

كما نشأت قصص غرام كانت سبباً لجرّ المياه من مملكة إلى أخرى، وتشهد مناطق (حماة) قصة شهيرة بين مملكة مصياف ومملكة السلمية وبينهما قناة شُقت لمد المياه بينهما سميت بقناة العاشق لأنها كانت مهر ابنة ملك السلمية مقابل إيصال الماء للملكة العطشى، ومازالت آثار أنابيب قناة العاشق شاهدة على عشق العاشق لمعشوقته، وعشق الناس للماء والحياة.

ويشكل المطر صلة الوصل بين البحار التي هي أربعة أخماس الكرة الأرضية، وخُمسها من البراري، حيث تحمله الرياح، لتضعه أين يشاء الله الصانع المبدع: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) سورة الروم. فالأنهار مستودعاته الظاهرة على الأرض والآبار مستودعاته الباطنة فيها: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) سورة الحجر.

ومن دون المطر تختفي الحيوات، كما تختفي بزيادته عندما يزداد عن الحاجة، فتكون الكوارث والفيضانات، والتدمير والضرر. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءً عند نزول المطر حتى لا يكون وبالاً، ففي الحديث الصحيح: قلنا: بينا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَخطُبُ يومَ الجمُعةِ، فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، ادعُ الله أن يسقِيَنا. فتغيَّمَتِ السماءُ ومُطِرْنا، حتى ما كاد الرجلُ يَصِلُ إلى مَنزِلِه، فلم تَزَلْ تُمطِرُ إلى الجمُعةِ المُقبِلَةِ، فقام ذلك الرجلُ أو غيرُه، فقال: ادعُ اللهَ أن يصرِفَه عنا فقد غَرِقْنا. فقال:(اللهم حوالَينا ولا علَينا). فجعَل السَّحابُ يتقَطَّعُ حولَ المدينةِ، ولا يُمطِرُ أهلَ المدينةِ.

أما إذا انقطع المطر وغاب، دعونا الله استسقاءً، وليس بالأنواء: قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: خِلالٌ من خِلالِ الجاهِليَّةِ: الطَّعنُ في الأنْسابِ، والنِّياحَةُ، ونَسيَ الثَّالثةَ، قالَ سُفيانُ: ويَقولونَ: إنَّها الاستِسقاءُ بالأنواءِ (حديث صحيح). لقد كان صلى الله عليه وسلم: لا يرفعُ يديه في شيءٍ من دعائِه إلا في الاستسقاءِ، فإنه كان يرفعُ يديه حتى يُرى بياضَ إبْطيْه(حديث صحيح).

إلا أن الدعاء واستجابته مرهون بحُسن العبادة وصحتها وصوابها دون الشرك بالله تعالى، فقد قرن الله تعالى في كتابه زيادة المطر بكثرة الاستغفار:(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِين (٥٢) سورة هود.  

وتعتبر صناعة الآبار وحفرها صناعة هامة للوصول إلى الماء سبيل الحياة وإقامتها، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس بها ماء عذب غير بئر رومة فقال (في جزء من حديث صحيح): مَن يشتَري رومةَ فيجعَلُ دلوَهُ فيها معَ دلاءِ المسلمينَ بخيرٍ لَهُ منها في الجنَّةِ. فاشتراها عثمان رضي الله عنه.

كما تعتبر صناعة استجرار المياه وتحليتها من الأنهار والبحور صناعة هامة بل هي سبب في بقاء حضارات بمكانها دون انزياح.

كما نشأت في العصر الحديث صراعات حول المحيطات المتجمدة لأنها بمثابة مخازن مياه قابلة للنقل والبيع شأنها شأن الصخر في الجبال. 

وشرعت كثير من الدول والحكومات فرض غرامات نقدية لمن يهدر الثروة المائية بهدف تحقيق الرشد والترشيد في استخدامها، فلا يحق لأحد رش الأرصفة والطرق وغسل السيارات وما شابه وخاصة بالمياه العذبة، فمن يسرف في الماء دون وجه حق إنما هو سفيه بسلوكه.

كما لا يحق لأحد أن يعتدي على الماء وموارده بأي حجة كانت، فتلويثه وتلويث مصادره جريمة لابد من ردع فاعليها، وليس لأحد أن يكون حراً في فعل ذلك، سواء أكان فردا أم جماعة أم دولة، فالناس شركاء في الماء. يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: النَّاسُ شرَكاءُ في ثلاثٍ في الكلَأِ والماءِ والنَّارِ، وإن لفظة الناس تشمل كل الناس بلا تحديد للون أو عرق أو دين.

والاعتداء على الماء ومصادره إنما هو إساءة لأهم عنصر من عناصر البيئة المحيطة، فحتى الحرب ليست بعذر لقطع الماء أو تلويثه عن المحاربين وغير المحاربين لأن فيه قتل للكائنات الحية ومنها الإنسان، فحتى للحروب ضوابطها. ومن يقرأ وصية أبي بكر للجيوش التي بعثها إلى الشام يظن أنه لم يسمح لهم قتل كائن حيّ! فقال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطع شجرا مثمرا ولا تخرب عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه ولا تغلل ولا تخبن.

فأين هذا ممن يلوثون الماء أو يقطعونها على من يحاربونهم وفيهم غير المحاربين من النساء والصبيان والشيوخ؟ بل كيف إن كانت على مسلمين؟ إنه القتل والإجرام.

تربية السلوك الفردي

مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف!قال: نعم، وإن كنت على نهر جار (حديث صحيح).

إن سعداً رضي الله عنه كان يتوضأ، والوضوء عبادة لله الخالق البارئ، لكن ذلك ليس بمبرر لصرف الماء دون وجه حق أي بزيادة الكمية المستعملة لأداء الغرض المحدد حتى لو كان العمل عبادة، فهذا سرف.

إن تصرف سعد رضي الله عنه هو بمثابة سلوك فرد واحد، لكن إن عممنا سلوكه، كنا أمام قضية كلية على مستوى الاقتصاد كله. لذلك نجد أن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم قد خاطب سعداً كفرد، بينما ختم حديثه الشريف بقاعدة اقتصادية كلية مؤداها أنه حتى لو كانت الموارد الاقتصادية متاحة فالاقتصاد حال المسلم. فنجده صلى الله عليه وسلم قد ذكر النهر الجاري وهو مورد طبيعي، مع أن  المخاطب كان فرداً واحداً، والمقصود بقوله كل فرد أي كل الناس. لذلك لا يحق لفرد أو لأفراد أن يسرفوا في استخداماتهم بما يقضي على هذا المورد لأنه ملك الجماعة. إن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم إنما يربي السلوك الاقتصادي الفردي وصولاً لرسم السياسة الاقتصادية الكلية، وفي حالتنا لن تقوم حياة ولن تستقيم معيشة دون توفر عنصر الماء. هذا العنصر الذي لا يتدخل بصنعه أو بكميته أحدٌ من الخلق ولو اجتمعوا، وهو شراب ليس له لون أو رائحة أو طعم، وهو قائم بأمر الله الخالق.

لقد أثبتت الأزمة المالية العالمية الأخيرة أن العالم قرية واحدة، فالاقتصاد المحلي يؤثر ويتأثر بالاقتصاد الدولي كعلاقة الجزئي بالكلي، وهما جزء من الاقتصاد العالمي، لذلك فإن الاقتصاد لابد أن يُبنى على أساس نظرة تعتمد على أن الكون وحدة متكاملة، فالكون كله سفينة واحدة لا يحق لأحد أن يُخرب فيها من طرفه مُدعياً عدم علاقة الآخرين به، وإلا غرق الجميع معا. وهذا ما شبهه لنا صلوات الله عليه وسلم بقوله:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجو جميعا" (حديث صحيح). لذلك لما ترك العالم الدول العظمى تفعل ما تشاء في اقتصادها وتوسعت بالائتمان دون عقلانية غرق العالم كله بالأزمة ولم يغرق الفاعلون وحدهم.

واعتماداً على حديث السفينة السابق ذكره، لابد من التذكير بالبلاء الذي إن ظهر، فلابد من استحقاق ما بعده من العقوبة، فقد جاء في الحديث الصحيح: أقبل علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال يا معشرَ المهاجرين خمسُ خِصالٍ إذا ابتليتم بهنَّ وأعوذُ باللهِ أن تدركوهنَّ:

1-  لم تظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بها إلَّا فشا فيهم الطَّاعون والأوجاعُ الَّتي لم تكُنْ مضت في أسلافِهم الَّذين مضَوْا.

2-  ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين وشدَّةِ المؤونةِ وجوْرِ السُّلطانِ عليهم.

3-  ولم يمنَعوا زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنِعوا القطْرَ من السَّماءِ ولولا البهائمُ لم يُمطَروا.

4-  ولم يَنقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلَّا سلَّط اللهُ عليهم عدوًّا من غيرِهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم.

5-  وما لم تحكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ تعالَى ويتخيَّروا فيما أنزل اللهُ إلَّا جعل اللهُ بأسَهم بينهم.

ففي البلاء الأول موت ونفقات استشفاء، وفي الثاني جوع وغلاء أسعار، وفي الثالث نقصان المطر وما ينجم عنه من خوف وعطش وقلة مصادر الغذاء من نقص غلات الزروع وموت الحيوانات. وفي الرابع استعمار العدو للبلاد فيسرق وينهب خيراتها، وفي الخامس ظلم وقسوة تجعل الحياة لا تطاق.

وأختم حديثي بالكلام عن نهر الفرات فقد (شُكي إلى ابن مسعود الفرات، فقالوا: إنا نخاف أن ينبثق علينا، فلو أرسلت إليه من يُسكره، قال: لا أسكره، فوالله ليأتين على الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماء ما وجدتموه وليرجعن كل ماء إلى عنصره ويكون فيه الماء والمسلمون بالشام)(مجمع الزوائد ومنبع الفوائد -صفحة أو رقم: ٣٣٣/٧).

ويعود بنا هذا الحديث إلى الشام بأهليها وأراضيها، مما يُرتب على المسلمين حُكاماً ومحكومين عدم تركها.

وبناء على ما سبق، فإن (اقتصاد المياه) يستوجب إيجاد تشريع دولي لوقفِ كل سفاهة فيه، بغض النظر عن فاعله، لمنع السرف أو التبذير بالماء لأنه ليس ملك أحد، ويجب أن يطال التشريع التدخل لوقف أي إفساد له سواء أكان الوضع حرباً أم سلماً.

حماة (حماها الله ٧-٦-٢٠١٢)