العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المتطلبات والشروط الأساسية ال مسبقة لبناء نموذج أعمال ناجح للتمويل الأصغر الإسلامي[1]

محمد خالد

المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء

على ضوء مشاركتي/إدارتي للعديد من الجلسات التي ناقشت هذا الموضوع ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الثامن لشبكة سنابل 7-9 يونيو/حزيران2011أو في ركن المتحدثين رقم44 (28-30 يونيو/حزيران 2011)، أرى أن هناك مجموعة من الشروط المسبقة التي ينبغي أن يتوافق عليها أولئك الذين يسعون لبناء نموذج أعمال ناجح للتمويل الأصغر الإسلامي في مستهل عملية البناء.
تتضمن هذه المتطلبات والشروط الأساسية المسبقة ما يلي:

أولا.. تعريف النجاح:
يتعين على القطاع الاتفاق على تعريف محدد للنجاح كخطوةٍ أولى. في رأيي الشخصي، ينبغي على نموذج الأعمال أن يحقق الانتشار، من حيث عمق التغطية ونطاقها وطولها، لكي يتسنى له النجاح. بعبارة أخرى، فإن مثل هذا النموذج لابد له أن ينفذ إلى أكبر عدد ممكن من الفقراء على أساسٍ يضمن له الاستدامة، وأن يترك بصمات واضحة على حياة هؤلاء الفقراء.

§         فنحن نستطيع أن نُنجز أفضل عمل على الإطلاق، ولكننا إذا فشلنا في توصيل هذا العمل إلى نطاق واسع من المستفيدين، فإن الأثر سيبقى محدوداً.

§         وبالمثل، يمكننا أن نصل إلى عدد كبير من الأفراد من خلال النموذج، ولكن إذا افتقر هذا النموذج لمقومات الاستدامة واعتمد على مصدر خارجي للدعم، فإنه سينهار بكل أركانه عندما يجف منبع التمويل أو يغيّر المانح أولوياته أو ما إلى ذلك من تغيّرات محتملة.

§         بطبيعة الحال، لا جدوى من الوصول إلى الكثير من الأفراد على أساس مستدام ولكن دون إحداث تغيير ايجابي في حياتهم (وأنا أعتقد أن هذا جزء من الفخ الذي وقعت فيه بعض مؤسسات التمويل الأصغر التقليدية أو مؤسسات الإقراض في الآونة الأخيرة).

لذا، فإننا إذا ما اتفقنا على هكذا تعريف للنجاح بهذه الصيغة، يمكننا المضي قدماً.

ثانيا.. الاعتراف بوجود مشكلة:
أود أن افترض هنا أن الاعتراف بالمشكلة هو الثمرة الطبيعية لتعريف النجاح. فرغم أن التمويل الأصغر الإسلامي حتى الآن لم ينجح في توسيع قاعدة عملائه، فإني رأيت وسمعت ممارسين كثيرين لا يعترفون حتى بوجود المشكلة. لهذا السبب فإني أعتبر أن الشرط المسبق الثاني هو إقرار من يرغبون في بناء مثل هكذا نموذج بأنهم يواجهون مشكلة وأننا فشلنا حتى يومنا هذا. خلال المؤتمر السنوي الثامن لشبكة سنابل، استقطبت جلسة التمويل الأصغر الإسلامي عدداً كبيراً من المشاركين، مما يبرهن على الاهتمام بهذا الموضوع، غير أني فوجئت بالعديد من الحاضرين لا يدركون أصلاً أن هناك مشكلة أو أننا قد فشلنا حتى الآن. إن بعض مؤسسات التمويل الأصغر تعمل في السوق منذ عشر سنوات ولا تخدم حتى الآن سوى 4-5 آلاف فقط من المقترضين، مع ذلك فهم يتوهّمون أن أداءهم رائع وأنه ليس هناك مشكلة، متعللين بأنه اذا توافر لديهم مزيد من المال فسوف يخدمون مزيداً من العملاء. كما انبرت بعض المؤسسات للتغزل في جمال "القرض الحسن"، ومدى ملاءمته للفقراء لأنه يعفيهم من تحمّل مبلغ الفائدة البنكية أو رسوم القرض أو أي مصاريف إضافية، كما لو أن هذا في حد ذاته يحل المشكلة. وتحدثت مؤسسات آخرى من منطلق الاعتقاد بأن كلمة "الإسلامي" تكفي بذاتها ليصبح كل شيء على ما يرام، ويتحلى جميع العملاء بالنزاهة، ويلتزموا بسداد قروضهم، ويفصحوا للمؤسسة بكل صراحة عن أرباح مشاريعهم الحقيقية. في ظل مثل هذا الاعتقاد السائد لدي هذه المؤسسات، تنتفي الحاجة للقيام بأي شيء جديد أو محاولة ابتكار نماذج أعمال جديدة وما إلى ذلك، لأن المريض إن لم يعلم حقيقة مرضه، فلن يذهب إلى الطبيب، وكذلك نحن إن لم نعترف بعجزنا عن تحقيق النجاح حتى الآن،فلن نفعل أي شيئا من أجل تغيير مسار أعمالنا.

ثالثا.. كيف ينبغي أن ننظر إلى التمويل الأصغر التقليدي:
نحن بحاجة أيضاً للاعتراف والتسليم بأن التمويل الأصغر التقليدي قد حالفه النجاح، وبأننا نستطيع أن نتعلم من إخفاقاته ونجاحاته. ان التمويل الأصغر التقليدي لن يحل مشكلة غالبية فقراء المسلمين في العالم لأنه لا يتوافق مع معتقداتهم الدينية، إلا أنه يخدم الملايين من فقراء العالم. يمكننا أن نتعلم أن مؤسسات التمويل الأصغر يجب أن تتخصص في مجال الخدمات المالية، وأن تعتمد على إيراداتها الذاتية لمواصلة تقديم خدماتها ومنتجاتها لأكبر عدد من الفقراء، ويمكننا أن نعي الدرس من الانحراف عن الرسالة الذي بدأنا نلاحظه في الآونة الأخيرة في بعض بلدان التمويل الأصغر التقليدي، وذلك لأن النموذج الإسلامي نفسه عندما ينجح وينمو، لن يكون محصناً ضد مثل هكذا انحراف. لا يكفي أن يكون المرء مسلماً، فالعديد ممن أسسوا حركة التمويل الأصغر التقليدي وممن أنشؤوا مؤسسات تمويل أصغر تقليدي في بلدانهم كانت تحركهم دوافع اجتماعية وكان هدفهم الرئيسي هو تحسين حياة الفقراء في بلدانهم وفي العالم، ولكن الزمن اثبت عدم كفاية هذه الدوافع والأهداف. إننا لن نتقدم قيد أنملة إن ظللنا نهاجم التمويل الأصغر التقليدي ونزعم بأنه عجز عن تحقيق أي إنجازات رغم مرور 25 سنة من انطلاقه وأنه رديء من كل الوجوه. إنما نحن بحاجةٍ لمد جسور التواصل وشق قنوات الحوار مع التمويل الأصغر التقليدي، لكي يتسنى لنا أن نتعلم ونعلّم.. علماً بأننا في المراحل المبكرة سوف نتعلم أكثر كثيراً مما نُعلّمُ.

رابعا.. الاستدامة:
نحن بحاجة إلى التفكير في كيفية ضمان استدامة النموذج من بداية نشأته، بمعنى أن مؤسسة التمويل الأصغر يتعين عليها تغطية جميع تكاليفها مع هامش ربح الذي تولّده من عائدات عملياتها، وليس من أموال التبرعات أو الصدقات أو الزكاة. فتلك التبرعات ينبغي أن تستخدم في معاونة المؤسسة على تحقيق الاستدامة، ولا ينبغي توجيهها إلى عملاء المؤسسة، نظراً لأن المؤسسات أو البنوك التي تحقق الاستدامة هي فقط التي تستطيع أن تصل بخدماتها إلى أعداد غفيرة من الفقراء. إن الإسلام يبيح لك استثمار مالك والتربّح منه، فلماذا تبدّل هذا المبدأ عندما تستثمر في مشروعٍ يديره الفقراء؟ بل أنه على النقيض من ذلك، اذا استطعنا تشجيع الأغنياء على الاستثمار في مشاريع الفقراء بحيث يحقق كلاهما أرباحاً، فإننا قد نصل إلى اللحظة التي يختفي فيها جميع الفقراء ولا يبقى منهم سوى أولئك الذين لا يملكون أي رأس مال بشري وهم الذين يحتاجون للإغاثة.

خامسا.. التفكير خارج الإطار التقليدي:
فلنبدأ في التفكير خارج الإطار التقليدي للتمويل الأصغر والتمويل الأصغر الإسلامي:نحن بحاجة لوقف لعبة القص واللصق أي التقليد الأعمى دون مواءمةٍ. لقد اقتصر التمويل الأصغر الإسلامي حتى يومنا هذا على المرابحة في المقام الأول، في حين أن المرابحة ذاتها جرى تصميمها على نحو يشبه القروض التقليدية مع مجرد تغيير اسم الفائدة البنكية ليصبح "رسوم المرابحة"، وهلم جرا. ماذا كانت النتيجة؟ منتج أعلى تكلفةً وأكثر إثارةً للشبهات. وبدلاً من التصدي لمسألة الحاجة إلى نموذج جديد للعمل، يحاول بعضهم الهرب من ذلك عن طريق التوصية بالانتقال إلى نطاق التمويل الصغير والمتوسط، حيث يحدوهم الأمل أن يؤدي هذا التحول إلى خلق فرص عمل للفقراء. بالطبع لا بأس في ذلكً، ولكني أري أن هذه المحاولات لا تمنحنا الإجابة على السؤال الذي نحاول الإجابة عليه هنا. نحن نتحدث عن نموذج إسلامي للتمويل الأصغر، وليس نموذجاً إسلامياً للتمويل الصغير والمتوسط وهو النموذج الذي لم يكن يوماً مثار خلافٍ، اللّهمَّ إلا إذا كنا قد توصلنا إلى رأي نهائي بأننا عاجز ون عن بلوغ النجاح في مجال التمويل الأصغر الإسلامي وأن الأفضل لنا أن نصعد إلى أعلى في اتجاه التمويل الصغير والمتوسط. بعبارة أخرى، إما أن نُقلّدُ التمويل الأصغر التقليدي أو نصعد إلى التمويل الإسلامي الصغير والمتوسط؟ تخيل لو كان محمد يونس ظل حبيس التفكير داخل جدران نماذج المصرفية التقليدية، هل كنا لنرى ما يُعرف اليوم باسم حركة التمويل الأصغر التقليدي أو كنا لنشهد ما حققته هذه الحركة من انتشار ونجاح؟

سادسا.. تحديد المجموعة المستهدفة:
في سياق التمويل الأصغر التقليدي، دار جدل هائل حول ما إذا كانت القروض الصغرى هي الأداة القادرة على خدمة جميع الفقراء بما فيهم أفقر الفقراء، أم لا. على الرغم من أنه لا تزال هناك خلافات ولكن الغالبية (في رأيي) اتفقت على ما يلي:

§         سيظل الفقراء المعدمين دائماً بحاجة للتبرعات الخيرية.

§         تعمل مؤسسة براك للتنمية (BRAC)ومن بعدها المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (سيجاب)ومؤسسة فوردعلى صياغة منهج للتعامل مع الفقراء المعدمين ومساعدتهم على تأسيس نشاط مُدرّ للدخل يتيح لهم كسب العيش. يشمل هذا المنهج: نقل ملكية الأصول، ورواتب الإعاشة المؤقتة، والتدريب، وبناء الثقة بالنفس، بالإضافة إلى عنصر الادخار. يهدف المنهج إلى مساعدة الأسر المعدمة في الاعتماد على نفسها والتخلص من حاجتها لرواتب الإعاشة المؤقتة، وربط هذه الأسر في المرحلة الثانية بمؤسسات التمويل الأصغر بحيث يمكنها أن تقترض من أجل توسيع مشاريعها. (لمزيد من المعلومات حول هذا المنهج، يرجى زيارة موقع:http://www. cgap. org/graduatio

§         الفقراء النشيطون اقتصادياً الذين نتحدث عنهم بوصفهم هدف للتمويل الأصغر (وهم يشكلون فئة يمكن تقسيمها إلى عدة مجموعات(.

أعتقد أننا بحاجة إلى الخروج بتعريف مماثل للفئة المستهدفة من قبل التمويل الأصغر الإسلامي. فمن الآن حتى نصل إلى تحديد واضح لمعالم هذا المجموعات، سيستمر الناس في الخلط بينها وستبقى الحلول المقترحة مثيرةً للبلبلة.. فالصدقات والخيرات والزكاة يمكن أن تذهب إلى المجموعتين الأولى والثانية، ويمكن كذلك أن توجّه لبناء المؤسسات التي تخدم المجموعة الثالثة، لكنها لا ينبغي إطلاقاً أن تذهب مباشرة لدعم تكلفة تمويل المجموعة الثالثة. وبما أن هذا الدعم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، فلا طائل إذاً من وراء بناء مؤسسات مُقدّرُ لها أن تنهار بمجرد أن يتلاشى عنها الدعم.

سابعا.. تغيير المصطلحات:
تندرج عقبة المصطلحات ضمن التحديات التي نحتاج للتغلب عليها في سبيل بناء نموذج التمويل الأصغر الإسلامي، حيث أننا مازلنا نستخدم بعض المصطلحات التي تستوجب التغيير. من بين هذه المصطلحات تأتي كلمة "القرض". فيما مضى، استغرقنا وقتاً طويلاً للانتقال من كلمة "المستفيد" إلى كلمة "العميل" أو "الزبون" وهذا التغيير كان له أثر بالغ على كثير من جوانب عملنا، ليس فقط فيما يتعلق بقضية الاستدامة وإنما في مجال خدمة العملاء. ففي واقع الأمر، هؤلاء الناس هم الذين يدفعون رواتبنا في نهاية المطاف وليسوا أناساً نمد لهم يد المساعدة الخيرية أو شيء من هذا القبيل. اعتقد انه اذا كنا نتحدث عن التمويل الأصغر الإسلامي، يتعين علينا أن ننسى كلمة "قرض". فالإسلام لا يبيح سوى نوع واحد من القروض وهو القرض الحسن الذي يخلو من الفائدة، وبالتالي لا يصلح في عالم الأعمال ولا يبقي قطاع التمويل الأصغر قادراً على تحقيق الاستدامة والتوسع. فلماذا نواصل الحديث عن القروض في حين أننا لا نمنح قروض هنا. إن هذا لن يؤدي إلى خلق البلبلة فحسب، وإنما من شأنه أن يجعل الممارسين ينظرون إلى التمويل الأصغر الإسلامي من منظور التمويل الأصغر التقليدي وهو أمر غير مفيد لهم. اعتقد أننا لن نرى بشائر حل كثير من التحديات التي تواجه برامج تقاسم الأرباح والخسائر إلا عندما تبدأ مؤسسات التمويل الأصغر في التفكير بوصفها مستثمراً وليس دائناً. لذا ينبغي علينا ألا نقلل من تأثير المصطلحات في هذا الصدد. وإني واثق من وجود مصطلحاتٍ أخرى تحتاج إلى إحلال مثل مصطلح "مسؤول القروض" وغيره.



[1] تم النشر بموجب الاتفاق مع بوابة التمويل الأصغر CGAP، http://www.sanabelnetwork.org/