العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دور مؤسسة الوقف فى مواجهة البطالة

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

لعل ما شهدته وتشهده عديد من الدول العربية من احتجاجات ومظاهرات ضد الغلاء والفقر والبطالة ليس بعيدا عن موضوع التنمية بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية، ودرجة شموليتها وحسن توزيعها. فمعظم الدول العربية تعاني من الفقر والبطالة والتراجع العام في مؤشرات التنمية. ولا مبالغة في القول بأن قضايا بطالة الشباب والتنمية المستدامة تمثل أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الدول العربية والاسلامية.
والبطالة لغة :(كما في لسان العرب) من بطل يبطل بطلانًا أي ذهب ضياعًا وخسرًا فهو باطل، والتبطل فعل البطالة وهو إِتباع الّلهو والجهالة.
والبطالة اصطلاحًا:  لفظ يشمل كلَّ الأشخاص العاطلين عن العمل رغم استعدادهم له وقيامهم بالبحث عنه بأجر أو لحسابهم الخاص، وقد بلغوا من السن ما يؤهلهم للكسب والإنتاج.
والبطالة في الفقه الإسلامي:  هي العجز عن الكسب، وهذا العجز إما أن يكون ذاتيًا كالصغر والأنوثة والعته والشيخوخة والمرض، أو غير ذاتيٍّ كالاشتغال بتحصيل العلم، وكذا العامل القوي الذي لا يستطيع تدبير أمور معيشته بالوسائل المشروعة المعتادة، أو الغني الذي يملك مالا ولا يستطيع تشغيله.
ويمكن تعريف البطالة بأنها التوقف الإجباري لجزء من القوة العاملة في الاقتصاد عن العمل مع وجود الرغبة والقدرة على العمل. والمقصود بالقوة العاملة هو عدد السكان القادرين والراغبين في العمل مع استبعاد الأطفال (دون الثامنة عشرة) والعجزة وكبار السن.
وفقا للمفهوم العلمي فإن البطالة تعني حالة عدم استخدام المجتمع قوة العمل فيه استخداماً  كاملاً أو أمثلاً. ووفقاً لذلك يوجد بعدين للبطالة الأول: هو عدم الاستخدام الكامل لقوة العمل والثاني عدم الاستخدام الأمثل لقوة العمل وفيما يتعلق بالبعد الأول فهو يشير إلى حالتي البطالة السافرة والبطالة الجزئية، والأولى تتمثل في وجود أفراد قادرين على العمل وراغبين فيه ويبحثون عنه ولكن لا يعملون، وبالتالي وقت العمل والإنتاج الذي يحققونه يساوي صفر والثانية تتمثل في وجود أفراد يعملون أقل من المعدل الطبيعي المتعارف عليه في المجتمع أو يعملون عدداً من الأيام أقل ومن ثم وقت العمل بالنسبة للبطالة الجزئية أقل من الوقت المتعارف عليه في المجتمع، ويطلق على البطالة السافرة والجزئية البطالة الأفقية، والبعد الثاني للبطالة والذي يتمثل في الاستخدام غير الكفء للعمالة فهو يشير إلى استخدام الفرد في عمل يحقق فيه إنتاجية أقل من حد أدنى معين، ويطلق على هذا النوع البطالة الرأسية. 
 
ويشير تقرير منظمة العمل العربية أن المنطقة العربية تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، حيث يعتبر المعدل الأعلى مقارنة بالمعدلات السائدة في المناطق الأخرى من العالم إذ يتجاوز 14 في المائة وأن المعدلات الأعلى للبطالة كانت بين الشباب، إذ يتجاوز هذا المعدل 25 في المائة . 
وكما تشير التقديرات إلى أن معدل البطالة في الدول العربية كمجموعة أنه الأعلى بالمقارنة مع أقاليم العالم الأخرى، وذلك نظراً إلى أن النمو المرتفع في حجم قوة العمل خلال السنوات الأخيرة لم يقابله نمو اقتصادي بالوتيرة ذاتها، مما أدى إلى عدم مواكبة معدلات التوظيف للزيادة الهائلة في عرض العمل. ونتيجة لاستمرار الضغوط على أسواق العمل العربية من جراء تراكمات الفجوة بين معدلات نمو حجم قوة العمل من ناحية ومعدلات التوظيف من ناحية أخرى، فمن المقدر أن تحتاج المنطقة إلى توفير أكثر من 100 مليون وظيفة إضافية بحلول عام 2020 للقضاء على البطالة، مما يعني مضاعفة المستوى الحالي للتشغيل. كما أن دول المنطقة تحتاج سنوياً توفير أكثر من 4 مليون وظيفة إضافية لإبقاء معدلات البطالة عند مستواها الحالي. ويتطلب ذلك تحقيق معدلات نمو حقيقية في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ في المتوسط بين 6 و 7 في المائة سنوياً، وهو ما يفوق متوسط معدلات النمو المحققة في العديد من الدول العربية خلال العقود الأربعة الماضية. ورغم اختلاف تعريف وطرق قياس البطالة والمشاكل المرتبطة بتباين دقة البيانات بين الدول، فإن البيانات المتوفرة تظهر ارتفاع معدلات البطالة في معظم الدول العربية، والتي تمثل أكبر تحدٍ تنموي لهذه الدول.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن البطالة في الوطن العربي تحمل خصائص معينة لابد من أخذها في الحسبان حين وضع الحلول المتاحة لها وأهم هذه الخصائص:
1. تدني المستويات التعليمية للعاطلين عن العمل. 
2. البطالة ظاهرة شبابية. 
3. ضعف الخبرة المهنية المتوفرة لدى العاطلين عن العمل. 
4. غياب التدريب المهني الموجه لسوق العمل لغياب التخطيط. 
5. الهوة الكبيرة بين التأهيل التعليمي للشباب -إن توفر- وبين متطلبات سوق العمل.
6. نسبة الإناث المرتفعة من البطالة. 
وبناء على ذلك لابد أن تتصدر البطالة بخصائصها المذكورة محور اهتمام الحكومات العربية عمومًا فالبطالة تعتبر ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية متشعبة. ومواجهة مشكلة البطالة في اﻟﻤﺠتمع الإسلامي هو عمل مشترك واجب على الفرد والجماعة وأولياء أمر المسلمين .فالفرد يجب عليه أن يكون متعلماً متفقهاً مكتسباً قادراً إضافة لسعيه باحثاً عن الفرص التي تناسبه. وعلى الجماعة أن تتكفل أولاً بالمساعدة وتأمين الفرص المناسبة لتشغيل الأفراد ثم يدفع القادرون منهم الصدقات لمستحقيها من الفقراء والمساكين دون تفضل أو منة لأنها حق مفروض عليهم. إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين. أما أولو الأمر فعليهم توفير العمل لكلِّ قادر بتقديم المستلزمات الضرورية إن عجز عنها، وإدارة شؤون غير القادرين منهم بالإشراف أو بتأمين التمويل الحلال اللازم إن لزم الأمر، ثم تقديم النصح والمشورة، والإرشاد إلى مكامن الحلول، ومتابعة العمل حتى يتمكنوا من القيام بالعمل بأنفسهم.
والوقف يعد أحد مظاهر التأمين الاجتماعي في الاقتصاد الإسلامي، حيث يساهم في توفير صيغة فاعلة وصورة ناجحة للذين يرغبون في تأمين معيشة كريمة لهم، والوقف من خلال استخداماته المباشرة( من خلال ما تستخدمه المؤسسات الوقفية من اليد العاملة في مختلف الميادين: أعمال الإشراف والرقابة والإدارة، فضلا عن الخدمات الإنتاجية والتوزيعية، بما يسهم في تشكيل طلب كبير على الأيدي العاملة بالمجتمع)، وغير المباشرة (حيث يسهم الوقف في تحسين نوعية قوة العمل في المجتمع لما يوفره من فرص تعلم المهن والمهارات، مما يرفع من الكفاءة المهنية والقدرات الإنتاجية للأيدي العاملة)، يعمل على إيجاد حركة استثمارية شاملة، عن طريق إنشاء المشاريع العديدة بالصيغ المختلفة التي تخدم أغراض الوقف، والتي تعد إضافة مستمرة إلى الطاقة الإنتاجية القائمة.
فالوقف يؤمن وظائف للعديد من الأفراد، ويؤمن بالتالي حاجات العديد من العائلات فتعدد الوظائف في الوقفيات وإداراتها. فالمسجد مثلاً يحتاج إلى قراء ومؤذن وخادم للمسجد وعامل نظافة وخطيب وإمام، ومدرس، والأمر يكبر بالنسبة للمؤسسات التعليمية أو الصحية، فيؤمن بالتالي رزقاً حلالاً للباحثين عنه. يضاف إلى ذلك، أن الوقف يفتح الباب أمام ظهور جماعة من المتخصصين في الأعمال، فمن المبادئ الاقتصادية والمشهورة أن التخصص يرفع الإنتاجية ويزيد الابتكار، وبقدر ما نجد أوقافا مخصصة للإطعام، وأخرى للإيواء، وثالثة للتعليم، ورابعة للعلاج الطبي وهكذا، بقدر ما نجد أناسا متخصصين في توفير الغذاء وآخرين في توفير الإسكان وغيرهم في تقديم الخدمات الطبية.
كما يمثل الوقف نوعاً من التمويل الذي جاء به النظام الاقتصادي الإسلامي يمكن الاستفادة منه في تحريك المال وتداوله، وذلك لأن الأموال المدخرة عند الأغنياء إذا أوقفوها بحيث تستغل استغلالاً تجارياً يدر ربحاً على الموقوف عليهم، فإننا بذلك الاستغلال التجاري وجهنا جزءاً من المال إلى السوق التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة في الطلب، وهذا ما يترتب عليه زيادة في الإنتاج لتلبية رغبات الطالبين، وبالتالي ينشأ لدينا سوق عمل تساهم في إشباع هذه الاحتياجات، مما يترتب على ذلك تشغيل أيد عاملة كانت في السابق تعاني البطالة وقلة العمل، وهذه الأيدي العاملة يتحرك في يدها المال، ويصبح لديها احتياجات، فيزيد الطلب على السلع في الأسواق بسبب توفير السيولة النقدية، وهكذا نلاحظ أن العملية أصبحت متوالية ونشطة.
وبذلك يكون النظام الاقتصادي الإسلامي في تشريعه للوقف قد حقق عنصر التوازن من خلال المزيد من الاستثمارات الإنتاجية التي تهدف إلى التوزيع العادل للثروة، بإيجاد مصارف متعددة لتقليب وتدوير المال في الأيدي، بما يضمن توفير فرص أكثر للتشغيل، وتلبية أفضل لاحتياجات المجتمع ورغباته. لهذا فإنه من الضروري الاهتمام بالوقف الإسلامي على المستويين الأهلي و الرسمي، من خلال العمل على بعث و تفعيل دوره من جديد في الحياة الإسلامية المعاصرة، باعتباره عبادة مالية لها دورها المهم و البارز من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية في الدول الإسلامية.
 
المراجع:
1. حسين عبد المطلب الأسرج، المشروعات الصغيرة والمتوسطة ودورها في التشغيل في الدول العربية، مجلة الباحث، العدد 8، دورية أكاديمية محكمة، سنوية، تصدر عن كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، الجزائر، 2010 .
2. سامر مظهر قنطقجي، مشكلة البطالة وعلاجها في الإسلام، بيروت، لبنان، مؤسسة الرسالة، 2005. 
3. سليم هاني منصور، الوقف ودوره في التنمية الاجتماعية، بحث مقدم للمؤتمر الثاني للأوقاف بالمملكة العربية السعودية.
4. منظمة العمل العربية، موجز التقرير العربي الاول لمنظمة العمل العربية، حول التشغيل والبطالة في الدول العربية: نحو سياسات وآليات فاعلة، القاهرة، 2008 .
5. منظمة العمل العربية، تقرير المدير العام حول التشغيل والبطالة، مؤتمر العمل العربي، الدورة الخامسة والثلاثون، شرم الشيخ، مصر، 23 فبراير – 1 مارس / آذار 2008.