العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

وَزِيْرَاْ مَاْلِيِّة واِقْتِصَاْد يَسْأَلانْ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

 

1)    بفرض أني اقتنعت بتطبيق الاقتصاد الإسلامي، فماذا أفعل بالنصوص القطعية؟

2)    ماذا لدى الاقتصاد الإسلامي من سُبل لمواجهة مخاطر سعر الصرف ومخاطر التضخم؟ فكلاهما يقضمان أي تنمية.

سؤالان طُرحا إثر ورقتين ألقيتهما في مؤتمرين سابقين، طَلبت مني الجهة المنظمة مؤخراً إعادة صياغة جواب السؤال الثاني لطلب وزير الاقتصاد السائل، فآثرت الجمع بين إجابتي السؤالين لأهميتهما ولتداخلهما معا، ثم نشر ذلك لتعميم النفع (إن وُجد)، أو لفتح نقاش حول ذلك (إن كان مفيداً).

بُنيت شريعة الإسلام بطريقة مُحكمة، يتعلق قسم منها بفقه العبادات فيه النصوص قطعية وهو قسم صغير نسبةً للقسم الآخر الذي يتعلق بفقه المعاملات. يرسم القسم الأول العلاقة بين العبد وربه، وثمرته حُسن الخلق الذي ينعكس على تعامل العبد مع الآخرين. يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه (حديث حسن)، وبما أن الإيمان أفضل الإسلام، فإنه يتبلور بحُسن خُلق التعامل بين الناس.

إن فقه العبادات مبني على أساس الحظر إلا ما أورده الشرع، بينما بُني فقه المعاملات على أساس الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه. ولهذا البناء أهمية قصوى فيما سنذهب إليه. فمنطقة المحرمات أو المحظورات التي حددتها الشريعة هي منطقة محدودة وضيقة، تم توضيحها بجلاء كي يتجنبها العباد، أما خارج تلك المنطقة فلا حرج فيه والأصل فيها الحلّ، فأنواع اللحوم في الدنيا وفيرة جداً، حُرّم منها فقط لحم الخنزير والميتة أما غيرها فمباح أكله، وكذلك المشروبات كثيرة جداً حُرّم منها فقط ما يُسكر ويَذهب بالعقل كالخمر، أما غيرها فمباح شربه، وهكذا.

إن ما يُميز هذا البناء سهولة فهمه، وإمكانية العيش في ظله، أما فعاليته فهي بتركه باب الابتكار والتجديد مفتوحاً على مصراعيه بحسب اجتهاد المجتهدين، فالمجنبات معدودة والمباحات غير محدودة. والجدير ذكره أن منع الضرر بوصفه أصلاً من أصول المعاملات فهو السبب الذي يُبنى الحظر عليه، يقول صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار، (حديث حسن).

ولمزيد من البيان سنتطرق لتطبيقات تخص الاقتصاد الكلي والجزئي على حد سواء، تطبيقات مارسها رأس الدولة ومن دُونه من وزراء وعامة، لتوضيح ما أشكل على الناس بين ما هو موقوف لا يمكن تغييره، وبيان دوره؟ وبين ما هو متغير بحسب الحال والمآل.

إن قصة تأبير النخل تُعتبر مَدخلاً أساسياً لما سبق الاستفسار عنه، فقد أوضح صلى الله عليه وسلم فيها التوضيح الشافي أن المعاملات بين الناس هو شأن دنيوي، والعقل فيصله، فالعلم والخبرة مصدرا الاجتهاد ما لم يُحدثْ ضَرراً. روت عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعَ أصواتاً، فقالَ: ما هذا الصَّوتُ؟ قالوا: النَّخلُ يؤبِّرونَها، فقالَ: لَو لَم يفعَلوا لصلُحَ! فلم يؤبِّروا عامَئذٍ، فصارَ شَيصًا، فذَكَروا للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: إن كانَ شيئًا من أمرِ دُنْياكم فشأنُكُم بهِ وإن كانَ من أمرِ دينِكُم فإليَّ (حديث صحيح).

عُرف عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم حُبه للحم الكتف، كما عُرف عنه التعليم المستمر للناس في جميع أحوالهم، فهو لا يُغادر مناسبةً أو حدثاً إلا وجَعل فيهما دروساً وعِبراً. روت عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح: أنَّهم ذبحوا شاةً، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: ما بقيَ منْها؟ قلت: ما بقيَ منْها إلَّا كتفُها. قالَ: بقيَ كلُّها غيرَ كتفِها. إن قصد السائل (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) هو تعليم القائمين بالعمل ماهية مفهوم الإنفاق العام، فالذبيحة وزع أغلبها على الناس المحتاجين، وبقي كتفها، فالسؤال تعليمي، لأنه (صلى الله عليه وسلم) رأى ماذا يفعلون، لذلك لما أجاب القائمون على الأمر بأن الذبيحة ذهبت كلها وبقي منها الكتف علمَ محدودية نظرتهم بما يشاهدونه، فصحح لهم مفهومه الكلي بقوله: بل بقيت كلها وذهب كتفها، فغير الأجر من الله تعالى، اللحم المُوزَّع مال عيني، وُزع على الناس المحتاجين، لرفع الفقر عن الناس لأنها مهمة من مهام ولي الأمر، (وهذا يُعالج بعدة سياسات منها بذل الإنفاق العام)، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحاكم، وهو آمر صرف بيت المال. وإن ما غاب عن بال القائمين على التوزيع أن هذا الإنفاق استثماري، لأنه يُشبع حاجات الناس ويرفع سلم حاجاتهم الأساسية التي إن أُشبعت ذهب دخلهم إلى حاجات أقل ضرورة سواء أكانت كمالية أم غير ذلك، وهذا من شأنه تحقيق رافعة اقتصادية للسوق، وقد سعت الحكومة الأمريكية بعد أزمة 2008 لحث الناس على الإنفاق منعاً لوقف أو عرقلة عجلة السوق عن الدوران.

لقد تميز عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنفاق كل ما يأتيه إلى بيت المال، فالدولة كانت في مرحلة النشوء والناس في عَوزٍ شديد بعدما ألمّ بهم من قريش ومن حالفها الكثير من الأذى.

وكذلك كان الإنفاق العام في عهد أبي بكر رضي الله عنه ببذل كل إيرادات بيت المال، لكن التوزيع كان يتم للأقرب لآل البيت، وهذا لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم كان الإنفاق العام في عهد عمر رضي الله عنه يتم لمن سبق دخوله الإسلام، وهذا لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خليفته الأول، لذلك فاختلاف السياسات المالية لم تسفر عن خلاف بينها، ومرد ذلك أن اجتهاد أفضل الخلق واجتهاد صاحبيه رضي الله عنهما كان لتحقيق المصالح دون أي يخالف نصاً قطعياً.

أيضاً، لجأ الوزير العباسي علي بن عيسى إلى إتباع سياسة الإقراض الحسن (النقدي والعيني) للمنتجين للقيام بأعمالهم وتجاوز أي عسر مالي قد يعرقلها، فأسلف الوزير المزارعين بالنقود لشراء الأبقار لحراثة الأرض وزراعتها، وأسلف البذور للمحتاجين من الفلاحين، على أن يسترجع ذلك منهم في موسم الحصاد. (الزهراني، ص 45).

أما الشاطبي فميّز بين سياستين ماليتين لبيت المال هما: الاستقراض والتوظيف، ويقصد بالتوظيف فرض الضرائب على الناس، واشترط لتطبيق السياستين أن تكون البلاد تحت نير أزمة عامة، وبيت المال فارغ، والفارق بين تطبيق أي منهما هو احتمال وجود إيرادات مستقبلية لبيت المال، فإن كان ذلك فالاستقراض، وإلا فالتوظيف حيث تنعدم المصادر المستقبلية للدخل، فقال: "الاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل يُنتظر، وأما إذا لم يُنتظر شيء وضعفت وُجوه الدخل بحيث لا يُغني، فلا بد من جريان حُكم التوظيف" (الشاطبي، الاعتصام، ج2: ص 305).

وبالعودة إلى عام الرمادة في زمن الفاروق رضي الله عنه، حيث الأمة كانت في أزمة شديدة، وبيت المال كان فارغاً، ولا ينتظر إيرادات لبيت المال، وعليه فالسياسة المرتقبة هي التوظيف على بيت المال أي فرض الضرائب. لكن الفاروق رضي الله عنه فضّل تعجيل الإيرادات المتوقعة بدل السياستين السابقتين، فاستدان من أموال الزكاة التي سيدفعها المسلمون في سنواتهم التالية لتكون بمثابة اقتراض داخلي لا تكلفة فيه، ولا مخاطر عليه، فقد لا تنقضي الأزمة سريعاً ويتأخر الدخل المتوقع.

إن الاقتراض الداخلي من أموال الزكاة عطّل فرض الضرائب لأن بيت المال لم يعد فارغاً! وبذلك لم تعد الشروط الثلاثة الداعية لفرض الضرائب متاحة.

لقد حققت تلك السياسة عدة أمور، منها:

- أنها حققت ربطاً بين الإنفاق العام ومصادر دخله التي تأتي من التمويل المستدام من أفراد المجتمع ومؤسساته لرفع الفقر الذي أصاب جميع الناس بمجاعة، فهذه مهمة يشترك فيها (بيت المال) و (مؤسسات المجتمع) معاً. وإن اللجوء إلى سياسة فرض الضرائب هو إجراء سهل تحبذه الحكومات، لكنه غير عادل، لما له من آثار سيئة تزيد فاقة الناس، فأسوأ ما في الضرائب أنها عمياء تطال الجميع فقراء وأغنياء، لكن القادرين يتهربون منها وغالبا الأغنياء هم الذين يفعلون ذلك حتى في أرقى الدول مدنية كما حصل في فرنسا إبان الحملة الانتخابية للرئيس الحالي أولاند، بينما لا يستطيع ذلك أصحاب الدخل الثابت.

- عدم التسرع بالاستقراض، فصعوبة تقدير شدة الأزمة وزمنها، وضعف موارد الدخل المتوقعة، كانا السبب لعدم تحميل بيت المال بدَيْن واجب السداد. فللحفاظ على تحقيق العدالة بين الأجيال وجب البحث عن حلول أجدى، وللأسف فإن أغلب الحكومات تتماهى بالاقتراض لتحقيق سياسات ذات مفاعيل آنية أو لأهداف انتخابية، مما يُورط الأجيال القادمة بالتزامات لا تستفيد منها. وهذا ما تنبه إليه عمر رضي الله عنه.

- عدم اللجوء إلى فرض الضرائب حتى لا يُثقل كاهل الناس بتكاليف اجتماعية إضافية، فالمسلمون يدفعون زكاة أموالهم بوصفها ركناً من أركان إسلامهم، وسيدفعون الضرائب التي تزيد تكاليف إنتاجهم دون زيادة حقيقية فتُسهم في خلق التضخم وزيادته. إن فرض الضرائب هي سياسة مالية ظالمة بحق المجتمع خاصة إذا أُسيء استخدام حصيلتها، وهذا ما يقع فيه كثيرٌ من الحكومات لفسادها وضعف إداراتها.

ولتطبيق التوظيف يضاف شرطٌ آخر وهو فرض الضرائب على الأغنياء دون الفقراء، وهذا ما لا تفعله النظم الوضعية، لكن أزمة الدين العام الأمريكي الأخيرة جعلته موضوع الصراع بين البيت الأبيض والكونغرس في التوجه نحو فرض الضرائب على الأغنياء فقط في الأشهر السابقة.

- ضرورة اللجوء إلى الابتكار المالي وعدم التوقف عند المحاكاة والتقليد أسوة بفعل الفاروق رضي الله عنه، فقد لجأ إلى سياسة الاستدانة من المساهمات الاجتماعية المستقبلية.

وبناء عليه، يُمكننا فهم سلوك أبي بكر رضي الله عنه بمحاربة مانعي الزكاة بأنه توظيف للنص القطعي باعتبار أن مانعيها أخلّوا بركن من أركان النصوص القطعية. كما نفهم من سلوك عمر رضي الله عنه عدم تحميله للناس تكاليف مالية (أي ضرائب) تحاشياً لزيادة تكاليف عيشهم ووقوع الاقتصاد في التضخم مقابل التوسع بمصادر بيت المال، بأنه سلوك رشيد اعتمد على الاستنباط من النصوص القطعية والاستناد إليها، فسياسة الاقتراض الداخلي ليست لها مخاطر، والمسلم القادر مالياً سيسدد زكاة أمواله عاجلاً أو آجلاً، ومن مصلحته أن يسددها الآن أفضل من سداده لضرائب لا يرتجي منها سوى عبء إضافي لن يغنيه عن سداد زكاته مستقبلاً، وهذه علاقة (ربح – ربح) أو (WIN - WIN).

إذاً وبناء على ما سبق، فإن فائدة الثوابت أنها معيارية يجب مراعاتها عند تطبيق أي من السياسات المتغيرة، ما يضمن عدم شطط سلوك أي من الأفراد أو الحكومات عن تلك الثوابت إلا لضرورة منضبطة.

كما قام الوزير علي بن عيسى (الزهراني، ص 120)بخفض التكاليف العامة المترتبة على بيت المال بإعادة النظر في رواتب العاملين العامين، فلجأ إلى ثلاث سياسات هي:

1)    خفض مقدار الرواتب: فخفّض راتب رئيس ديوان السواد، وأجور عمال الدواوين.

2)    خفض البطالة المقنعة: بإسقاط رواتب كل من كان يقبض من الكتاب الذين يحضرون ولا يعملون.

3)    خفض أشهر الرواتب: فجعل بعض الرواتب على أساس عشرة أشهر في السنة ورواتب أصحاب البريد ثمانية أشهر في السنة محققا التعاقد الموسمي خفضاً للتكاليف العامة.

وبذلك فإن الوزير ضبط بعض مفاسد القطاع العام التي مؤداها زيادة التكاليف العامة، والتي بالضرورة تخلق التضخم.

إن الحكومات غالباً ما تلجأ إلى سياسات الاستقراض أو فرض الضرائب لسهولتهما وتتحاشى الأنشطة الإنتاجية لما تحتاجه من حُسن تدبير، وهذا غير متاح في القطاع العام لانتشار الفساد في جميع مرافقه وبسبب عدم كفاءته دوماً. لذلك رأى ابن خلدون ضرورة إبعاد الدولة عن مزاولة الأنشطة الاقتصادية لما يكتنف ذلك من احتمالات الفساد، ولمنافستها مواطنيها في فرص العمل والاستثمار، مما يسهم في خلق البطالة وزيادتها. فقد فضل ابن خلدون الدولة الراعية التي تسهر على تحقيق مصالح الناس فتهيئ لهم ما يلزم لذلك من رقابة للسوق وتمنع كل مفسدات توازن العرض والطلب لعمل السوق بكفاءة. وهذا ما يُفهم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يجب تطبيق مبدأ المحاسبة الاجتماعية من أعلى الهرم إلى أدناه: كُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مَسْؤُولٌ عَن رَعِيَّتِه، الإِمامُ راعٍ ومَسؤُولٌ عنْ رعِيَّتِه، والرَّجُلُ راعٍ في أهلِه وهو مَسْؤُولٌ عن رعيَّتِهِ، والمرْأةُ راعِيةٌ في بيتِ زوجِها ومَسْؤُولةٌ عن رعِيَّتِها، والخادِمُ راعٍ في مالِ سيِّدِه ومَسْؤُولٌ عن رعيَّتِه. قال: وَحَسِبْتُ أنْ قدْ قال: والرَّجُلُ راعٍ في مالِ أبِيهِ ومَسْؤُولٌ عن رعيَّتِه، وكُلُّكُم راعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِه (حديث صحيح).

إن ما ذكرناه هي عوامل تسهم في تحقيق الخلل السوقي وتؤدي إلى حدوث التضخم، لكن كيف واجه الاقتصاد الإسلامي مخاطر سعر الصرف ومخاطر التضخم بصورة أوضح؟ لذلك لعل من المفيد تقديم عرض تاريخي ثم اقتباس ما يناسب من تلك الحلول.

إن أهم آثار خطري الصرف والتضخم هو ارتفاع الأسعار، وقد حصل ذلك في التاريخ الإسلامي، فكيف تمت معالجته؟

اعترف الاقتصاد الإسلامي بنوعي النقود المثلية والنقدية، أما المثلية فكالإبل وغيرها من السلع الرائجة، وهذا ما يُسمى باقتصاد المقايضة، الذي هو تبادل سلع بأخرى دون النقود المتعارف عليها. أما النقدية فكالذهب والفضة والدراهم، وهذا ما يُسمى بالاقتصاد النقدي حيث النقود تدخل وسيطاً بين عمليات التبادل.

وقد مرّ تاريخ النقود بمراحل مختلفة، فالنقد كان من الذهب والفضة كالدنانير والدراهم، ثم غَالبه من الذهب والفضة ثم غَالبه من غير الذهب والفضة ثم الفلوس، وانعكس ذلك على تغير قيمة النقد، وتعرض الفقهاء لذلك بغية تحقيق عدالة التبادل.  

فعندما حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار دية القتل الخطأ بما تقابله من الإبل، حصل ارتفاع في الأسعار في زمن عمر رضي الله عنه ورخصت الدراهم، فكيف عالج الفاروق عمر رضي الله عنه ذلك؟

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدد الدية بالقيمة السلعية، لكن الإبل غلت ورخصت الدراهم التي يُسدد فيها الثمن أحياناً، فلم تعد النقود تمثل نفس كمية السلع والخدمات التي كانت تمثلها سابقاً، يقول نص الحديث (فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِبِلَ الْمَدِينَةِ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ حِسَابُ أُوقِيَّةٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ) ويُقصد عادة بالأواق والدراهم الفضة، أي أن عمر رضي الله عنه أعاد احتساب الدية (أي السلعة الرائجة) بالنقد الثمين (الذي جعل الله فيه الثمن خِلقَة) نسبة للإبل (أي السلعة الرائجة) الذي هو أصل مقدار الدية، فحافظ عمر رضي الله عنه على توازن المثلي والثمني، وأعاد القيمة إلى ما يمثله من معدن ثمين ثم نسبها للسلع الرائجة وهي الإبل، فكانت 6000 درهم حيث أن كل رأس إبل واحدة تعادل أوقية واحدة من الفضة. وعليه قرر زيادة الدية بمقدار الثلث.

لكن الغلاء استمر بالصعود! فكان سلوكه بأن (َزَادَ أَلْفَيْنِ حِسَابَ أُوقِيَّتَيْنِ لِكُلِّ بَعِيرٍ) فأصبحت الدية 8000 درهماً ما يعادل 2 أوقية من الفضة مقابل كل رأس.

لكن الغلاء استمر صعوداً (فَأَتَمَّهَا عُمَرُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حِسَابَ ثَلَاثِ أَوَاقٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ) فزاد الدية 12000 درهما ما يعادل 3 أوقية من الفضة مقابل كل رأس، فكان مقدار الزيادة الثلث، واستقرت الدية 20000 درهما.

وهذا ما نفعله في الاقتصاد المعاصر عندما نقيس التضخم بالأرقام القياسية بعد اعتبار سنة أساس، ثم نقيس السنوات اللاحقة عليها اعتماداً على سلعة أو سلع أساسية يتم القياس عليها بين فترات الحساب. لقد وضع الفاروق رضي الله عنه ضوابط الصرف بين النقود المثلية (السلعية) وبين النقود الثمنية (الأثمان من ذهب وفضة وما شابه) مراعياً التضخم الحاصل في الاقتصاد للحفاظ على مصالح الناس وتحقيقاً للعدل الذي تنشده شريعة الإسلام بين الناس كلهم. إن عمر رضي الله عنه طبق سياسته الاقتصادية ببيان مقدار العدل الواجب تحقيقه، ثم راعى ما يطيقه الناس فلا يُشق على أحد منهم، ووضح ذلك بنهاية الحديث المذكور بأن: (يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ مَا لَهُمْ قِيمَةُ الْعَدْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، (نص الحديث: موجود في مسند أحمد: 21714).

كما اشتكى الناس إلى عمر رضي الله عنه ذلك الغلاء، فقال لهم: أرخصوها بالترك، فنراه سعى إلى ضبط السوق بالضغط على الطلب لا العرض، مما يعيد الأسعار إلى وضع التوازن وهذا سلوك الاقتصاد الجزئي الذي يُدعِّم ويُعزِّز سلوك الاقتصاد الكلي.

أرجع القاضي عبد الجبار أسباب رخص وارتفاع الأسعار لعوامل عديدة، منها الطبيعية ومنها المصطنعة، وكذلك فَعل ابن تيمية حيث رأى أن ارتفاع السعر لقلة الرزق (العرض) أو كثرة الخلق (الطلب) هو ارتفاع طبيعي. فإن كان طبيعياً فالسياسة الأفضل تتمثل بنصيحة الفاروق رضي الله عنه للمستهلكين (أي أرخصوها بالترك) ولو أدى ذلك إلى تغيّر عادات المستهلكين، أما إن كان مصطنعاً أي احتكاراً فيُجابه بسياسة التسعير حسب ابن تيمية، حتى يرتفع الاحتكار. وكل ذلك منشؤه القانون الحاكم في تحقيق التوازن السوقي لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية جابر: دَعُوا الناسَ يرزقُ اللهُ بعضَهم من بعضٍ(حديث صحيح).

لقد قدمت الحضارة الإسلامية وسائل دفع متطورة إضافة للمثليات (كالسلع)، والثمنيات (كالدنانير والدراهم) بغية تجاوز تغيرات الأسعار التي عرفتها مسيرة تلك الحضارة. فأوجدت عملات اسمية تداولها الفقهاء منها: الدينار الجيشي والدراهم السوداء وهي تشابه حقوق السحب الخاصة في هذه الأيام، وهذا بمثابة بديل عن طرح مزيد من النقود في السوق أو ما نسميه (عرض النقود) وما قد يؤول إليه من تضخم إن لم يقابله زيادة في القاعدة الإنتاجية.

فقد انتشرت جيوش الخلافة في شتى أصقاع الأرض، ولما كان سداد الرواتب من مهام بيت المال المركزي (دمشق أيام الأمويين وبغداد أيام العباسيين) وحيث أن الخلافة لم تلغ الهويات الوطنية للأقاليم فأبقت مظاهرها الخاصة ومنها العملات المحلية، فقد اصطلح وزير بيت المال نقداً اصطلاحياً لتُصدر الرواتب به وهو الدينار الجيشي أسوة بالدينار الذهبي وهو نقد الخلافة، ثم وضع أسعار صرفه على أساس الذهب وروعي العرف بين الناس لأن النقد أو العملة لابد لهما من القبول العام.

يقول القلقشندي عن الدينارالجيشي أنه: "مسمى لا حقيقة  يستعمله أهل ديوان الجيش في عبرة الإقطاعات بأن يجعلوا لكل إقطاع عبرة دنانير معبرة من قليل أو كثير.... وفي عرف الناس ثلاثة عشر درهما وثلث وكأنه على ما كان عليه الحال من قيمة الذهب عند ترتيب الجيش في الزمن القديم، فإن صرف الذهب في الزمن الأول كان قريبا من هذا المعنى"(القلقشندي ، مرجع سابق ، ص 439). أما الدراهم السوداء فهي أسماء على غير مسميات كالدنانير الجيشية وكل درهم منها معتبر في العرف بثلث درهم نَقرة (أي مصكوكاً).

كما صدرت ميزانية الخلافة العباسية في زمن الوزير علي بن عيسى بنقد موحد وعملة موحدة هي الدينار فقط رغم أن معاملات الخلافة كانت تتم بنظام النقد المزدوج، فالمعاملات الرسمية في الدولة العباسية كانت تجري بالدراهم والدنانير معا، حيث أن جناحها الشرقي اشتهر بتعامله بالدراهم الفضية نظرا لوجود مناجم الفضة بكثرة، بينما اشتهر جناحها الغربي بتعامله بالدنانير الذهبية لذات السبب، (الزهراني ، مرجع سابق ، ص 70).

ولا يمكن تصور هذا التوحيد المحاسبي دون سياسة سعر صرف بين النقدين، فالحضارة الإسلامية عرفت القوائم المالية الموحدة قبل شيوع الشركات متعددة الجنسيات بقرون طويلة.

كما تناول الفقهاء أسعار الصرف ودرسوها وحللوا أسبابها، فقد روى القلقشندي أن إيران "معاملاتها بالدينار الرابح (أي ذو السعر الأعلى) وهو ستة دراهم كما في معظم مملكة إيران وفي بعضها بالدينار الخراساني وهو أربعة دراهم... وهي وإن قلّ وزنها عن معاملة مصر والشام فإنها تجوز مثل جوازها. وأما أسعارها فأسعارها جميعها مُرضية حتى إذا غلت الأسعار فيها أعلى الغلو كانت مثل أرخص الأسعار بمصر والشام" (القلقشندي، مرجع سابق، ص 445). وذكر عن مملكة خوارزم "أن دينارهم رابح كما هو في غالب مملكة إيران وهو الذي عدّه ستة دراهم وأن الحبوب تباع كلها عندهم بالرطل... وأما الأسعار في جميع هذه المملكة رخية إلى الغاية إلا كركنج أم أقليم خوارزم فإنها متماسكة في أسعار الغلات قلّ أن ترخص بل إما أن تكون غالية أو متوسطة لا يعرف بها الرخص أبدا" (القلقشندي، مرجع سابق، ص 470).

كما راعى الماوردي في تحقيق الكفاية في سياسة تقدير العطاءات السنوية لأفراد الجيش الموضع الذي يحلّه الجندي في الغلاء والرخص، أي أنه راعى التضخم الذي تعانيه البلد التي هو فيها، ويتم هذا التقدير كل عام: "ثم تُعرض حاله في كل عام ، فإن زادت رواتبه الماسة (الضرورية) زيد وإن نقصت نقص" (الماوردي، ص 344).

بينما رأى ابن قدامة ضرورة الانتقال إلى القياس السلعي عندما لا يؤمن تنقل الأسعار في الرخص والغلاء (ابن قدامة، ص 222).

يعتبر تناول الفقهاء لقضيتي فساد وكساد النقود بمثابة تناول لانخفاض سعر صرفها الذي يميل به إلى الكساد وعدم اعتباره بذات القيمة التي كان عليها، أما فساده فلانخفاض سعره بشكل كبير مما يجعله فاقداً لوظيفته كمقياس للقيم وكمخزن لها، ويفقده دوره باعتراف الناس به وميلهم إليه. ويحصل هذا الفساد أو الكساد باجتماع تغير سعر الصرف وارتفاع التضخم، فكلاهما يؤدي إلى الآخر.

لقد ساعد فساد بعض الحكام في إصدار وصك النقود المزيفة لحاجات في أنفسهم، وسبّب تزايد حاجات الناس أيضاً تغيراً في تاريخ النقود لتتحول من معادن ثمينة إلى نقود غالبها من الذهب والفضة، إلى نقود غالبها من غير الذهب والفضة، مروراً بالفلوس وما بعدها من عملات ورقية ومصرفية، وهكذا. فتصدى الفقهاء إلى هذا التغير كل حسب زمانه ومكانه، فمنهم من ارتأى بقاءها عند المثليات وآخرون عند الثمنيات، وصولا للصلح، وقول بعضهم بحجم التغير قياساً على الجائحة وقاسها آخرون على أساس التغير بثلث القيمة. وكل ذلك أساسه إقامة العدل بين المتبادلين.

يمكننا القول إن مخاطر سعر الصرف ومخاطر التضخم ليسا حديثي النشأة، بل عانى الاقتصاد تاريخياً منهما، لذلك لا حاجة لإعادة تفسير المفاهيم الشرعية على أساس حداثة الخطرين بل لابد من فهم السلوك الاقتصادي الذي عُولج ذلك الأمر به سابقا، مع الاستفادة من الأدوات المتطورة فالحكمة ضالة المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام.

وبناء على ما سبق، يمكننا إيراد عدد من السياسات التي يمكن تطبيقها تجاوزاً لمخاطر تغير سعر الصرف ومخاطر التضخم:

- إن الحكومات هي طرف غني وحلولها وفيرة باستمرار ولا يمكن القول بأن الأصول التي لديها محدودة، وأنها تخشى انتهاء تلك الأصول، فالتصكيك برأي بعضهم مؤداه انتهاء الأصول والوصول إلى نهاية محتومة لهذه الملكية. لكن الأمور ليست هكذا، فالصكوك عديدة الأنواع منها ما هو منتهٍ بالتمليك ومنها غير ذلك، وكذلك تتعدد صيغ التمويل الإسلامي بحيث يمكن اللجوء إلى صيغ تحفظ تلك الملكية. فقد عرف بيت المال منذ نشأته سياسة إحياء الأرض الموات قبل أن تتنبه دول العالم لمحاربة التصحر عام 1992 في مؤتمر الأرض، وفيه تُمنح الأرض مقابل إصلاحها ولقاء خَراج يُسدد سنوياً لبيت المال، ثم تعود تلك الأرض له بعد تركها ممن لا يرغب بالاستمرار، وتشابه هذه السياسة في أيامنا سياسة BOT. لذلك فإن بيع بعض الحكومات أراضي للمستثمرين منذ أسابيع قليلة، وقيام أصحاب تلك المناطق بالاحتجاج، كان يُمكن الاستعاضة عنه بهذه التقنية التي تجعل الدولة لا تخسر ما لديها من أصول بل تجعلها مستثمرة لأصولها مدى الحياة، فتحقق العدل بين الناس ويشيع الرضا بينهم. ويساعد تطبيق الشريعة على التزام الناس بأحكامها وطاعة سياسات ولي الأمر مادام ملتزماً بالأحكام الشرعية.

- الاعتماد على القياس السلعي بتنفيذ تبادلات البيع والشراء مقايضة، وكذلك الإقراض السلعي، أسوة بفعله صلى الله عليه وسلم في تحديد الدية، وأسوة بفعل الوزير العباسي علي بن عيسى، وكما تفعل الأسواق الدولية ببيوع SWAP، وبذلك يتم تحييد تغيرات سعر العملات صعوداً وهبوطاً.

- تطبيق سياسة التسعير عند وقوع الاحتكار لمنع إحداث أية تشوهات في ظروف العرض والطلب، أما توقيف هذه السياسة فمرهون بانتهاء الاحتكار.

- منع ومحاربة الفساد بكل أشكاله لما للفساد من دور في رفع الأسعار من دون وجه حق، ومن ذلك أيضاً فساد الإدارة وتوظيف من لا يستحق منصبه، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظرِ الساعةَ، ففي ذلك هدر للمال العام وزيادة لتكاليف التوظيف ولتكاليف تصحيح الأخطاء الناجمة عن ذلك. ولابد من مراعاة الكفاءة تجنباً للوقوع في تلك التكاليف.

- إلغاء الضرائب لآثارها السيئة في رفع الأسعار دون مقابل حقيقي.

- إلغاء الربا لأنه يرفع التكاليف ويزيد الأسعار، ووجوده اعتراف بالانخفاض الدوري لقيمة النقود، وهذا يؤجج أسعار الصرف، ويخلق تخبطاً اسمه التضخم.

- إن اعتبار الكفاءة في الاقتصاد الإسلامي شرط لازم، فبيت المال يقوم على الكفاءة لأن له موارده الخاصة من دون الضرائب إلا استثناء، وعلى بيت المال تدبر مصاريفه من تلك الإيرادات لا أن يكون طفيلياً على الناس، وهذا يعاكس ما تقوم عليه أسس المالية العامة والتشريع المالي التقليدي لاعتمادها على نظرية النفقات، حيث التوسع في الإنفاق العام، وخلق التضخم المستمر، وتوسع القطاع الحكومي دون طائل. لذلك لابد من تفعيل نظرية الإيرادات الخاصة ببيت المال لتفعيل الكفاءة.

خلاصة القول:

إنه ينبغي على السياسة الاقتصادية الكلية أن تركز على تحقيق توازن السوق، وعلى السياستين النقدية والمالية خدمة هذا الهدف، فالأصل رعاية مصالح الناس، فبيت المال ومن فيه والحكومة جميعاً هم موظفون عند الناس يخدمونهم بإدارة شؤونهم في رفع الفقر عنهم وتحقيق العدالة بينهم والدفاع عنهم.

ورغم قصر البحث، ومحدودية التوسع، يمكننا استنتاج مما سبق قواعد هامة تؤسس لإدارة الاقتصاد الكلي:

1.    الثوابت تعزز الابتكار.

2.    تطبيق المسؤولية الاجتماعية يُسهم بتحقيق الكفاءة.

3.    تحقيق التوازن السوقي هو هدف إستراتيجي.

4.    إن كسب الولاء ضروري لإنجاح السياسات.

5.    إن مرونة السياسات سبيل للبقاء والاستمرار.

المراجع:

1.       ابن قدامة، قدامة بن جعفر، الخراج وصنعة الكتابة، دار المعرفة بيروت، جزأين.

2.       الزهراني، د. ضيف الله، الوزير العباسي علي بن عيسى بن داوود بن الجراح إصلاحاته الاقتصادية والإدارية، 1994.

3.       الشاطبي ، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الاعتصام، دار المعرفة ببيروت، 1986، ج 2.

4.       القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، 16جزء، مطبعة الأميرية بالقاهرة، 1913.

5.       قنطقجي، د. سامر، دور الحضارة الإسلامية في تطوير الفكر المحاسبي. رسالة دكتوراه، جامعة حلب، 2003.

6.       قنطقجي، د. سامر، سياستا تحصيل الزكاة وإلغاء الضرائب الماليتين، دار شعاع، 2008.

7.       قنطقجي، د. سامر، فقه المعاملات الرياضي: نموذج الاقتصاد الإسلامي الرياضي، دار أبي الفداء ، 2013.

8.       الماوردي، أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، الأحكام السلطانية، مطبعة الحلبي بمصر 1987 الطبعة 3.