العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الصكوك بين الأسهم والسندات

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

أطلقت في الآونة الأخيرة دعوى التقارب بين الأسهم والصكوك وأن الصكوك ما هي إلا سندات إن انحرفت عن ضوابطها الشرعية، وما هي إلا أسهم إن التزمت بضوابطها الشرعية.وقد يكون لهذه المقدمة صدى حقيقياً بالنظر لواقع الصكوك المنحرفة لكن ليس الأمر على إطلاقه في التصور النظري المنضبط بضوابط الشريعة للصكوك والذي صدرت بقرارات المجامع الفقهية، والمعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين. وسيبين هذا المقال الفرق بين الأسهم والصكوك والسندات التقليدية.

الصكوك كالأسهم قائمة على المشاركة بين حملتها أرباب الأموال، لكن لها باعتبار استثمار حصيلتها حالان:

-        الحال الأولى: إن كان استثمار حصيلة الصكوك مطلقاً في أعمال الشركة المصدرة، وتتحمل مصاريفها الإدارية والعمومية، فإن الصكوك في نظري تتساوى مع زيادة رأس مال الشركة، وتصبح كالأسهم من الناحية الفقهية دون الناحية القانونية. وبالتالي يجب أن تتساوى عوائدها مع عوائد حملة الأسهم، لكن لا يكون لحملة الصكوك حق التصويت لأنها ليست أسهماً قانونية.

-        الحال الثانية: إن كان استثمار حصيلة الصكوك مقيداً بخط إنتاجي معين على سبيل المشاركة المتناقصة في الربح والخسارة، أو في أصل معين على سبيل الإجارة، أو المرابحة، أصبحت في نظري كالمضاربة المقيدة التي تتحمل بالمصروفات المباشرة لما قيدت به، وتحصل على عوائده. وتسميتها بصكوك المرابحة أو الإجارة إنما هو باعتبار ما آل إليه استثمار حصيلتها أو قُيّد به هذا الاستثمار ولا مشاحة في الاصطلاح.

والتفرقة بين الحالين كالتفرقة بين التمول بزيادة رأس المال والتمول على قوته بالرافعة المالية عن طريق الاقتراض بالسندات التقليدية أو القروض المباشرة.

والفرق الفقهي بين المشاركة في الحالين ما يأتي: في الحال الأولى يصبح حامل الصك مساهماً أي مالكاً لحصة من الكيان القانوني أو الشخصية الاعتبارية للشركة. أما في الحال الثانية فليس لحامل الصك الحق في المشاركة في ملكية الكيان القانوني أو الشخصية الاعتبارية للشركة، وإنما له الحق فقط في أصول الوعاء المحدد لمشاركته سواء أكان مستقلاً لحملة الصكوك أم مشتركاً بينهم وبين أموال الشركة المستفيدة من الصكوك.

وتتفق الصكوك مع الأسهم في أن كلاً منهما قائم على المشاركة بين حملتها، لكن بعضها قد يكون مؤقتاً بسبب القيد الموضوع على الاستثمار، كالمضاربة، والإجارة والمرابحة والمشاركة المتناقصة. وجميع هذه القيود تنهي المشاركة عقداأو باتفاق الطرفين. وهذا يخالف الأسهم التي لا يوجد قيد يؤقت المشاركة من خلالها. ومن نافلة القول أنه لا ضمان للعائد على الصكوك إلا تبعاً للقيد المفروض على الاستثمار، فصكوك المرابحة مثلاً وهي أعلى الصكوك رتبة في الضمان تجنب حملتها التعرض لمخاطر تقلبات سعر السوق أو المخاطر التشغيلية لكنها بالتأكيد لا تجنبهم المخاطر الائتمانية المتعلقة بضمان السداد إلا بمقدار التوثيقات المصاحبة لدين المرابحة من رهن أو كفالة. وصكوك الإجارة التي تليها في الضمان فهي تتعرض لمخاطر التشغيل ومخاطر الحيازة بالإضافة للمخاطر الائتمانية. أما مخاطر المشاركة فتتعرض لمخاطر السوق إضافة لما سبق.

وتؤكد تطبيقات الصكوك أنها انحرفت عن الذي ذكرت في نقطتين:

-        النقطة الأولى: محاولات فقهية لضمان رأس المال مع العائد في صورة المشاركة والمضاربة المقيدة على أساس التعهد من الشريك المدير أو المضارب بشراء أصول الصكوك بقيمتها الاسمية. ورائد هذه الفكرة الدكتور حسين حامد حسان كما وثقها في أبحاثه، أو على أساس التعهد المستقل من المضارب أو الشريك المدير ورائد هذه الفكرة الهيئة الشرعية لبنك المؤسسة العربية المصرفية الإٍسلامية في البحرين في تشكيلها الأول وقد وثقت في فتاوى المؤسسة المنشورة. وعندما عرض علينا أحدهم في اجتماع إحدى الهيئات الشرعية هذا الرأي قلت له دون تحفظ بأن هذا تدليس وتلبيس فقهي.

-        النقطة الثانية: الدخول في طرق قانونية ضيقة لتبدو معها ملكية حملة الصكوك للأصل أو ملكية المنفعة صورية وغير حقيقية كما هو حال الأصول السيادية أو حتى الأصول التي لا حق لحملة الصكوك في التصرف فيها أو التسلط عليها في حال تعثر المستأجر في السداد، والنص في الفقرات القانونية لنشرة الاكتتاب بأن حق حملة الصكوك ينحصر في المطالبة بالدين وهو ما ظهر في صكوك شركة نخيل عندما واجهت خطر التعثر في عام 2008.وقريب من هذا التفرقة بين حق الانتفاع وحق المنفعة وما آل إليه الأمر بأن حق الانتفاع مال قابل لإصدار الصكوك عليه وتداوله وهو متكرر في التجربة الماليزية.

وأختم بالقول:

إن السعي الحثيث لابتكار منتج بديل عن السندات يرتقي إلى تحقيق أغراضها الإيجابية، (وأهمها التمويل على قوة رأس المال وليس زيادته)، هو أمر محمود إلى الحد الذي تحتفظ فيه بالفرق الجوهري عن السندات. وهو أن العائد الإسلامي يجب أن ينشأ عن تملك الأصل أو المنفعة حقيقة وليس صورة.

كما أن علينا أن نرتضي أيضاً أن الحصول على التمويل على أساس زيادة رأس المال قانوناً أو شرعاً كما ذكرنا ليس هو الطريقة المفضلة أو الممكنة دائماً للأطراف ذات العلاقة.

والله أعلم