العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دور التمويل الإسلامي في تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

 

إن قضية تنمية وتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحتل أهمية كبيرة لدى صناع القرار الاقتصادي في كافة الدول المتقدمة والنامية – وخاصة الدول العربية – لما تلعبه هذه المشروعات من دور محوري في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بها. وتتجسد أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة بدرجة أساسية في قدرتها على توليد وتوطين الوظائف بمعدلات كبيرة وتكلفة رأسمالية قليلة، وبالتالي المساهمة في معالجة مشكلة البطالة التي تعاني منها غالبية الدول العربية، وتتمتع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بروابط خلفية وأمامية قوية مع المشروعات الكبيرة، وتساهم في زيادة الدخل وتنويعه وزيادة القيمة المضافة المحلية، كما أنها تمتاز بكفاءة استخدام رأس المال - على ضآلته - نظرا للارتباط المباشر لملكية المشروع بإدارته وحرص المالك على نجاح مشروعه وإدارته بالطريقة المثلى.وبرغم المحاولات الجادة لتطوير وتنمية هذا القطاع إلا أن الحصول على التمويل يعد من أهم العقبات التي تواجه أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والذين عادة لا تتوفر لديهم رؤوس الأموال الكافية التي تمكنهم من إنشاء مشاريعهم الخاصة، كما لا يوجد لديهم الضمانات الكافية التي يمكن تقديمها للبنوك للحصول بموجبها على قروض، ومن جانب آخر فإن مصادر التمويل في صورة قروض بفائدة ترهق كاهل هذه المشروعات (إذ تعدّ الفوائد بمثابة تكلفة ثابتة) وتجعلها تفقد ميزتها التنافسية مع المشاريع الأخرى، كما أن بعضهم  الآخر من الراغبين في إقامة مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة يعزف عن التعامل بالقروض الربوية.لذلك أصبح من الضروري البحث عن بدائل تمويلية أخرى تكون أكثر ملاءمة وفي متناول المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومن أبرز هذه البدائل التمويل بالصيغ الإسلامية التي لا تعتمد على الفوائد الثابتة.وتبدو أهمية صيغ التمويل الإسلامي، في قدرتها على تحقيق العدالة بين طرفي المعاملة، بحيث يحصل كل طرف على حقه، بدلا من نظام الإقراض بالفوائد الذي يضمن حق صاحب القرض عادة على حساب المقترض، كما تضمن هذه الأدوات استخدام التمويل المتاح في مشروعات تنمية حقيقية تفيد المجتمع. إضافة الى حرص التمويل الإسلامي على الربط بين الأرصدة المالية والأرصدة الحقيقة وعلى رفض اعتبار النقود أرصدة في حد ذاتها.
وصيغ التمويل الإسلامي تملك من الخصائص والسمات ما يحول دون وجود مشكلات التمويل للمشروعات الصغيرة، بما تتضمنه من مزايا لا توجد في غيرها من أنظمة التمويل التقليدي، فهي تتسم بالتنوع والتعدد، فهناك أساليب للتمويل قائمة على التبرعات والبر والإحسان، وأساليب للتمويل قائمة على المشاركات، وأساليب تمويل أخرى قائمة على الائتمان التجاري، كما أنها متعددة المجالات من زراعة وصناعة وتجارة وخدمات، وكل هذا يتيح فرصا ومجالات أكثر لتمويل المشروعات الصغيرة. كما أن أساليب التمويل الإسلامية تقوم على أساس دراسات الجدوى من الناحية الاقتصادية، وعلى أساس الحلال من الناحية الشرعية، ولا تحول تلك الأساليب بين مؤسسات التمويل وأخذ الضمانات الكافية التي تؤمن أموالها. كما أنها تنقل التمويل من أسلوب الضمان والعائد الثابت إلى أسلوب المخاطرة والمشاركة، والغنم بالغرم، وتغلب النشاط الإنتاجي على النشاط المالي، وترسخ مفهوم الرقابة والمتابعة على التمويل الممنوح، وتراعي ظروف المتعثرين. 
وجدير بالذكر أن الظهور الحديث للتمويل الإسلامي بدأ منذ السبعينيات وزاد حجم سوقه بصورة ملحوظة، وهو يتراوح ما بين 800 بليون دولار الى 1 ترليون دولار أميركي في الآونة الحالية،كما أنه ينمو حاليا بمعدلات سريعة تتراوح ما بين 10-15% سنوياً . كما يقدر حجم السوق الدولي للصكوك الإسلامية حاليا بحوالي 80 بليون دولارـ وأنها نمت بمعدل يفوق خمس مرات في الفترة من 2004 الى 2007، ولكن إصدار هذه الصكوك تراجع لأقل معدلاته في السنوات الثلاثة الأخيرة خلال عام 2008 ليبلغ 15.8 بليون دولار فقط مقارنة مع 46.7 بليون دولار في عام 2007. 
وصيغ التمويل الإسلامي التي تناسب معظم المشروعات الصغيرة عديدة وتتكامل مع بعضها البعض في نفس الوقت، حيث يختار صاحب مشروع الصيغة التي تناسبه وتتفق مع ظروفه وإمكاناته وهذا أفضل وأجدى من نظام التمويل القائم على الفائدة والذي ثبت فشله في تمويل معظم المشروعات الصغيرة. فعقد المرابحة يكون قائما علي أساس شراء سلع ومواد للمشروع الصغير لكنها لا تلبي الحاجة إلي دفع الأجور والسيولة اللازمة للإنفاق علي الإنتاج، بينما يتيح الاستصناع توفير التمويل للتكاليف المتغيرة مثل الاجور والنفقات الإدارية الاخرى. كما ان السلم يشترط لصحته تعجيل دفع الثمن أما في الاستصناع فلا يشترط ذلك اذ يصح الاستصناع مع تأجيل دفع الثمن كله او بعضه.ويمكن ايضا ان تتكامل صيغ التمويل الاسلامي لتحقيق ارباحاً اضافيه لا تتحقق عند تطبيق كل عقد منفردا، فيمكن الجمع بين عقد الاستصناع وعقد المرابحة حيث يمكن القيام باستصناع بضائع معينه يحتاجها السوق، ثم عند تسليمها يمكن أن تباع مرابحة كما يمكن الجمع بين عقد الاستصناع وعقد المشاركة وذلك بمشاركه صناع مختصين وعند ذلك يتم عقد استصناع للشركات التي هو طرف فيها. أيضا يمكن الجمع بين عقد الاستصناع وعقد السلم وذلك عندما يشترط في البيع الأول دفع الثمن في مجلس العقد أما البيع الثاني فلا يشترط فيه دفع الثمن في المجلس. وقد قامت مجموعة بنك النيلين في السودان بالجمع بين عقدي الاستصناع والمرابحة حيث قامت بتمويل الصناعات الصغيرة مثل معاصر الزيوت ومعامل صناعة الصابون، وتقوم المجموعة بالاتفاق مع أصحاب الورش على الأسعار والكميات المطلوبة وتواريخ تسليم المعاصر أو المعامل مثلا وهنا تكون مجموعة بنك النيلين مستصنعا والطرف الآخر صانعا وبدورها تقوم المجموعة ببيع هذه المعاصر والمعامل إلى صغار المنتجين والمهنيين وبعض الجهات الرسمية مثل صناديق التكافل الاجتماعي الحكومية والأهلية وبذلك تكون المجموعة مستصنعا من جهة وبائعة وفق صيغة المرابحة من جهة أخرى.هذا وقد كوّنت المجموعة شركة لهذا الغرض تقوم بالتعاقد مع الجهات المصنعة على تجهيز ما هو مطلوب من أدوات ومعدات صناعية وفق عقد الاستصناع وبعد ذلك تقوم أقسام الاستثمار بالمجموعة بالترويج لهذه المنتجات وبيعها بصيغة المرابحة، ومن خلال المضاربة يمكن توظيف الموارد المالية لدى أصحاب الكفاءات والخبرات المختلفة ممن لا تتوافر لديهم الموارد المالية اللازمة لتمويل مختلف أنشطتهم الاقتصادية والاستثمارية وليس الاقتصار على تمويل غرض محدد كما هو الحال في المرابحة أو السلم أو التأجير. فالمرابحة تصلح مثلاً لتمويل شراء أو توفير سلع ومعدات أو خامات للإتجار فيها، وبالتأجير يتم توفير معدات للمشروع دون توفير المواد الخام ورأس المال العامل. أما المضاربة فمن خلالها يتم توفير كافة الموارد التمويلية المطلوبة للمشروع سواء في شكل رأس مال ثابت أو عامل. وإن تكامل هذه الصيغ والمزاوجة بينها يعظم الأرباح ويوسع من فرص العمل.
وحينما تتحول مؤسسات تمويل المشروعات الصغيرة من أساليب التمويل التقليدية إلى أساليب التمويل الإسلامية فإنها تقيم تنظيما جديدا فنياً وإدارياً، حيث يتحول اهتمامها من إدارة الإقراض إلى إدارة الاستثمار، ومن التركيز على الضمان إلى التركيز على الجدوى الاقتصادية، ومن اشتقاق الائتمان للحصول على فائدة إلى تحفيز الادخار والاستثمار، ومن دور المرابي إلى دور المستثمر والمستشار الاقتصادي، الذي يلتحم مع المشروع ويقدم له المشورة، بما يكون لها من مراكز أبحاث اقتصادية، ومعرفة بأحوال السوق، وبتوفر كم كاف من المعلومات عن حركة الاستثمار، وعلى ذلك فإنه يمكن القول بأن استخدام صيغ التمويل الإسلامي لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة يلعب دوراً اقتصادياً هاماً فهي تعمل على توسيع أنشطة هذه المشروعات من خلال القنوات التالية:
1. تحفيز الطلب على منتجات هذه المشروعات: فلا يشترط في عدد من هذه الصيغ توافر الثمن في الحال كما لا يتوافر في عدد آخر توافر المنتج في الحال فاذا افترضنا وجود رغبة لدى المستهلكين أو المنتجين على منتجات معينة نهائية أو وسيطة فان عدم توافر قيمة تلك المنتجات لا يمنع عقد الصفقات على شراء تلك المنتجات على أساس دفع الثمن في المستقبل دفعة واحدة أو على أقساط، أيضا يمكن إتمام الصفقات بدفع قيمة هذه المنتجات مقدما على أن يتم تسليمها في المستقبل وفقا للشروط المتفق عليها. وينتج عن ذلك تشجيع الطلب على منتجات هذه المشروعات ولا يقف عدم توافر الثمن أو المنتج عائقا يحول دون اتمام عقد الصفقات مع هذه المشروعات. ولا شك أن تشجيع الطلب يؤدي إلى استغلال الموارد ورفع مستوى النشاط الاقتصادي وتوفير المزيد من فرص العمل وبالتالي تنشيط الطلب على منتجات هذه المشروعات واحداث الرواج الاقتصادي.
2. توفير التمويل اللازم لهذه المشروعات: توفر هذه الصيغ تمويل التكاليف للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ففي المرابحة مثلا تصلح لتمويل شراء أو توفير سلع ومعدات أو خامات للإتجار فيها. وفي التأجير يتم توفير معدات للمشروع دون توفير المواد الخام ورأس المال العامل.أما المضاربة فمن خلالها يتم توفير كافة الموارد التمويلية المطلوبة للمشروع سواء في شكل رأس مال ثابت أو عامل. لذا فان تكامل هذه الصيغ والمزاوجة بينها يعظم الأرباح ويوسع من فرص العمل. كما أن لعقد الاستصناع دورا هاما في تشجيع هذه المشروعات من خلال توفير التمويل نتيجة دفع قيمة منتجاتها مقدما. ومع توافر التمويل تتاح الفرصة أمام هذه المشروعات للنمو والازدهار واستغلال الطاقات الانتاجية المتوفرة لها وضبط التكاليف واستقرار ظروف الانتاج.
3. استغلال الموارد الاقتصادية للمشروعات:تتميز صيغ التمويل الإسلامي بالمشاركة في الأرباح فهي توفر المجال واسعاً أمام أصحاب المهارات للإبداع والتميز وتسخير مواهبهم في الانتاج والابتكار دونما عوائق من أصحاب الأموال. وتشجع أصحاب المشروعات الصغيرة على بذل أقصى جهد مع حرصهم على نجاح مشروعاتهم والارتقاء بها لأنهم شركاء في الربح الناتج وبذلك نضمن آلية ماهرة لتخصيص الموارد. كما أنها توفر بدائل متعددة أمام أصحاب رؤوس الأموال لاختيار مجال استثمار مدخراتهم الى جانب اختيار نظام توزيع الأرباح الذي يتلاءم مع ظروف كل منهم.

[1]Shayerah Ilias, Islamic Finance: Overview and Policy Concerns, Congressional Research Service, February 9, 2009, p2.

[1]ibid, p 3.