العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التأمين الإسلامي في عنق الزجاجة

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

 

لقد مضى ثلاثون عاماً على دعوى الهبة في تكييف التأمين، وزاد الطين بلة دعوى التكييف بهبة الثواب والعقود المختلطة بين التبرع والمعاوضة في ظل تعسف في الفهم ومصادرة للرأي الآخر بدعوى أن التكييف بالتبرع من مسلمات التأمين الإسلامي وأنه حسم أمره كما هو ظاهر في بعض الكتابات، وسأتجنب ذكر أصحابها هنا في سياق النقد وهي لا تخفى على الباحثين المتابعين.

وتطور الأمر في معيار أيوفي للنص على استقلالية الذمة المالية لحساب المشتركين أو حساب التأمين عن المشتركين، فوقعنا في المعاوضة البحتة -كما بينت في أحد أبحاثي عن التأمين - بين حساب التأمين وبين المشتركين، وزاد في شكلية التكييف التزام شركة التأمين بالإقراض من حساب المساهمين في حال العجز في حساب المشتركين.

لقد تصدت ندوة التأمين في مجمع الفقه (مايو ٢٠١٠) لهذه القضية، وسعينا وبعض الزملاء لإزالة كلمة التبرع من التعريف، ووضعنا كلمة التعاون، وكان التصويت لصالح الاقتراح، وتداخلت في دورة المجمع العشرين لتأكيد هذا المعنى، ولم أكن في لجنة الصياغة وحسن أنه لم يصدر قرار من المجمع في الموضوع.

إن الفرق بين التأمين الإسلامي والتأمين التجاري هو في الهيكلة، ولم تنجح جميع المحاولات والتجارب في الإقناع بأن الهيكلة تتضمن فرقا جوهريا عن التأمين في ظل التزام الشركة بالإقراض في حال العجز؛ علماً بأن التعهد بالإقراض من الوكيل والمضارب والشريك المدير منع منه في الصكوك في معايير أيوفي وقرارات المجمع.
إن المجامع الفقهية لم يسبق لها أن أصدرت قرارا في هياكل التأمين المطبقة وكان قرار مجمع الرابطة في إجازة التأمين التبادلي والتفصيل فيه، وقرار المجمع الدولي في إجازة الفكرة وتحريم التجاري، وكانت أول إجازة للهياكل المطبقة في عام ١٩٨٢ من البروفيسور الصديق الضرير في شركة التأمين الإسلامية في السودان، والتي قامت على الهيكل الذي يفصل حساب المساهمين عن حساب المشتركين وينظم العلاقة بين شركة التأمين (شركة الإدارة) والمشتركين على الوكالة في إدارة الحساب، والمضاربة في استثمار رصيد حساب المشتركين أو حساب التأمين.

لقد قدم القاضي العثماني التكييف على أساس الوقف، وتلقف الدكتور يوسف الشبيلي بحث العثماني، وتابعه ببحث مستقل، لكن التكييف لم يصمد ولم يسلم من الاعتراضات نفسها، وكانت الإضافة في هذا التكييف شكلية بحتة، فعزف عنه الباحثون والمهتمون.
لقد قدم بعض الباحثين في ماليزيا تكييفات أخرى على أساس مفاهيم الوديعة الفقهية والاستثمار لتنظيم العلاقة بين شركة الإعادة وشركة التأمين، لكن هذه التكييفات لم تطبق ولم تزل في مرحلة الدراسة كما أوضح الدكتور أكرم لال الدين والدكتور سعيد أبو هراوة في بحث مشترك، ولذلك لن أتوقف عندها.

وإن خرجت بعض التطبيقات من عنق الزجاجة في مسألة التكييف بحكم الممارسة إلا أن التأصيل الفقهي والمجامع الفقهية لم تزل محشورة في وسط العنق، فإما أن تتراجع عن تحريم التأمين التجاري فنعود إلى الزجاجة أو تظهر حلول فقهية إبداعية تضعنا في الفضاء الرحب الذي يسلم مما هربنا منه وهو المعاوضة، أو نعود إلى التبادلي.
يحلو لبعضهم أن يرهقنا بالفروق العشرة بين نوعي التأمين فيقول أن الاستثمار في التعاوني ملتزم بالشريعة وأن للتأمين الإسلامي هيئة شرعية وأنه لا يؤمن على المحرمات وأن هناك رقابة شرعية، و ... إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن إسقاطها على شركة التأمين التجاري لكنها لا تتحول بها كلها إلى إسلامية.إن صناعة التأمين واحدة في النوعين والفرق يا أيها الناس إنما يكمن في الهيكلة.
وقبل أن أودعكم أبدي إعجابي بالتكييف الشرعي للدكتور حسين حامد حسان وهو حق حصري له، لكن زملاءه من الفقهاء المعاصرين لم يتجابوا مع هذا التكييف، ولم يؤثر في معيار أيوفي.

الدكتور حسين يرى أن العلاقة بين المشترك والحساب استثمارية على أساس المضاربة مع الوعد بالتبرع بمقدار الضرر عند وقوعه، فالتبرع يأتي لاحقا إن حدث ضرر، ولا أخفي عليكم بأنني لم أتأمل الاعتراضات التي يمكن أن ترد على هذا التكييف ولعلها فرصة لدراسته والتعليق عليه.

والله أعلم