العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الآفاق المستقبلية للرقابة الشرعية رؤية للتطوير

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

مقدمة:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

أعد هذا البحث بناء على استكتاب مشكور من المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، بغرض المشاركة في جلسة بالعنوان نفسه "الآفاق المستقبلية للرقابة الشرعية: رؤية للتطوير" في منتدى التمويل الإسلامي في كوالالمبور في ماليزيا.

وفي هذا الإطار تتناول هذه الورقة أبرز المظاهر التي يتسم بها واقع الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية، والتحديات التي تواجهها في سبيل الانتقال إلى وضع مهني يتسم بفاعلية أكبر من حيث الضبط والالتزام الشرعي.

وتفيد المتابعة اللصيقة لواقع التطبيقات والتشريعات والمعايير على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية أن واقع الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية يتسم بالمظاهر الآتية:

ü      الجمع بين الفتوى (التشريع) والتدقيق.

ü      تضارب الفتاوى بين المنع والجواز على صعيد المنتج الواحد.

ü      غياب القانون الملزم، ومن ثم ضعف مبادئ المسؤولية والمساءلة.

ü      عدم استكمال التنظيم المؤسسي اللازم.

ü      ممارسة المنافسة بين المؤسسات على أساس الفتوى وليس على أساس الجودة.

والتوصل إلى وضع مهني للرقابة الشرعية يتسم بمستوى أكبر من الفاعلية على صعيد الضبط الشرعي؛ يواجه تحديات أساسية نجملها فيما يأتي:

1.    الفصل بين الفتوى (التشريع) والتدقيق.

2.    توحيد المرجعية الشرعية.

3.    انحسار الفتوى الخاصة.

4.    تنظيم مهنة التدقيق الشرعي

5.    الإلزام القانوني.

وسيتم تناول هذه التحديات فيما يأتي من هذه الورقة.

1.    الفصل بين الفتوى (التشريع) والتدقيق:

1.1.   في كل مؤسسة مالية توجد هيئة شرعية خاصة من مهامها إصدار الأحكام بالجواز أو المنع فيما يعرض عليها من أعمال المؤسسة، ومن مهامها أيضاً التدقيق الشرعي اللاحق للتأكد من أن المؤسسة قد قامت بتنفيذ المعاملات طبقاً للفتاوى التي صدرت عن نفس الهيئة. ويتسم هذا التدقيق بأنه خارجي لأنه يتم من قبل الهيئة وهي جهة خارجية مستقلة عن الهيكل التنظيمي للمؤسسة، وتقدم تقريرها للجمعية العمومية للمؤسسة. ورغم أن الجمع بين المهمتين (الفتوى والتدقيق الشرعي الخارجي) نصت عليه قوانين البنوك الإسلامية، والمعايير ذات الصلة؛ إلا أن هذا الأمر قد أدى إلى حالة من عدم الفصل بين السلطات والجمع بين الوظائف المتعارضة، وهو من أبرز قضايا الحوكمة الرشيدة، والتي يجب ألا تكون المؤسسات المالية الإسلامية استثناء منها؛ كما أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

1.2.   ونؤكد من خلال الممارسة والمشاركة في الهيئات الشرعية أن الهيئة الشرعية التي تفتي (تصدر التشريعات) ثم تقوم بنفسها (أو بتوكيل غيرها) بالتدقيق الشرعي الخارجي اللاحق وإظهار الملاحظات على التطبيق؛ نجد أن هذه الهيئة - تحت ضغط عدم الفصل بين السلطات والجمع بين الوظائف المتعارضة – تذهب في بعض الأحيان لتغيير الفتوى (التشريع/المعيار) التي أصدرتها من قبل، وإصدار فتوى جديدة مختلفة في الموضوع نفسه محل الملاحظة. ومن ثم يتم تقويم التطبيق في ضوء الفتوى الجديدة، فيتم تمرير المخالفة التي حدثت في الفترة السابقة على أساس الفتوى الجديدة، في الوقت الذي كان يجب إثباتها بالنظر إلى الفتوى السابقة التي كانت سارية واجبة التنفيذ في فترة وقوع الملاحظة.

1.3.   ومن الأمثلة التي تذكر في هذا الشأن مسألة البيع قبل القبض، فإذا كانت فتوى الهيئة منذ بداية عملها في بداية عام 2010 –مثلاً- عدم جواز البيع قبل القبض عملاً برأي جمهور الفقهاء؛ فإن البنك يعد مخالفاً في حال تنفيذ معاملات لم يتحقق فيها القبض الشرعي للسلعة قبل بيعها على العميل، ومن ثم يجب تجنيب أرباح المعاملة في هذه الحال، للنهي عن "ربح ما لم يضمن"، وعن "البيع قبل القبض"، وعملاً بالقاعدة الفقهية "الخراج بالضمان". فإذا تم اكتشاف مخالفة من هذا النوع في العمليات التي تم تنفيذها خلال فترة الربع الثالث (الشهر السابع والثامن والتاسع) من عام 2010 وجرى التدقيق عليها؛ فإن الواجب هو اعتبار هذه المخالفة نهائية، والتوجيه بتجنيب آثارها المالية، ثم البحث عن سبب وقوعها وتقديم التوصيات والاقتراحات اللازمة لتطوير إجراءات تنفيذ العمليات وتأهيل العاملين المعنيين بغرض عدم معالجة سبب الحدوث ومن ثم عدم تكرار وقوعها. لكن لما كانت جهة التدقيق الشرعي "الخارجي" هي جهة الفتوى -وهما وظيفتان متعارضتان كما أسلفنا- فإن هذه الجهة عند تقويمها للمخالفة المذكورة في الشهر العاشر من عام 2010 تبدأ تُعمِل وظيفة الفتوى في الوقت الذي يجب أن تعمل فيه وظيفة التدقيق. ومقتضى وظيفة التدقيق إثبات المخالفة في حال عدم المطابقة مع الفتوى واجبة التنفيذ في الفترة محل التدقيق، بينما يكون مقتضى وظيفة الفتوى بذل الوسع في تصحيح المعاملة على أي رأي فقهي آخر خلاف الرأي الذي رجحت الهيئة العمل به سابقاً. وتحت ضغط التعارض يتغلب العمل بوظيفة الفتوى على حساب وظيفة التدقيق، فتصدر الهيئة الشرعية فتوى جديدة بتمرير المخالفة على أساس رأي المالكية بجواز البيع قبل القبض في غير الطعام، مخالفة لما سبق لها ترجيحه وأوجبت العمل به على المؤسسة التي تشرف عليها. وهناك أمثلة أخرى تضيق هذه الورقة المختصرة عن تناولها وشرحها.

1.4.   إن هذا النوع من الممارسة، وإن كان مقبولاً على مستوى الفتوى الفردية بقيود؛ لكنه ذو آثار سلبية كبيرة في العمل المؤسسي وخاصة على صعيد الرقابة الشرعية. فهو يؤدي إلى عدم استقرار المعيار (المستنبط من الفتوى)، وعدم الوضوح في تحمل إدارة المؤسسة لمسؤوليتها تجاه تنفيذ المعاملات طبقاً للمعيار، كما يؤدي إلى تهميش آليات المساءلة؛ خاصة إذا كانت الهيئة الشرعية الخاصة ستجد رأياً فقهياً يمكن أن تمرر على أساسه كل مخالفة تظهر في التطبيق.

1.5.   إن الفصل بين الفتوى (التشريع) والتدقيق الشرعي الخارجي؛ ضرورة لتطوير وضع الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية من حيث تحقيق الفصل بين السلطات والفصل بين الوظائف المتعارضة. ولضمان ثبات واستقرار المعايير التي يمكن على أساسها ممارسة التدقيق الشرعي، والمالي، وتتم على أساسها المساءلة. وذلك أسوة بالوضع المهني المستقل والمستقر لمهنة التدقيق المالي الخارجي (المحاسب القانوني)، والتي تمارسها جهة مستقلة عن جهة إصدار المعيار وتعديله، ومن ثم نجد أن التدقيق المالي الخارجي لا يتعرض لأي ممارسة مشابهة لما ذكرنا؛ وما تبديه جهة التدقيق المالي الخارجي من ملاحظات يُعد نهائياً بالنظر إلى المعيار المستقر، لأنها ببساطة لا تملك تغييره خلافاً لجهة التدقيق الشرعي الخارجي (هيئة الرقابة الشريعة) التي تملك تغيير وتعديل المعيار.

1.6.   إن الفصل بين الفتوى والتدقيق في هذه المرحلة التي عليها واقع الرقابة الشرعية والتي تتسم فيها الفتاوى الصادرة عن الهيئات الشرعية في بعض الأحيان بعدم الوضوح الملائم أو الكافي لتغطية جميع مراحل المعاملة؛ يتطلب من جهات التدقيق الشرعي –في حال فصلها عن جهة الفتوى- العودة إلى الهيئة الشرعية الخاصة للحصول على تفسير الغموض أو استكمال التشريع اللازم عند الحاجة. ولكن هذه الحاجة تقل أو تنتفي في حال وجود مرجعية شرعية متكاملة لجميع المؤسسات المالية الإسلامية في الدولة أو الإقليم؛ بل إن الحاجة لجهة تختص بالفتوى الخاصة على مستوى كل مؤسسة مع وجود المرجعية الشرعية الموحدة ستبدو محل نظر وتقويم. هذا ما ستتناوله التحديات التالية.

2.    توحيد المرجعية الشرعية:

2.1.   إن تعدد الهيئات الشرعية على مستوى كل مؤسسة يؤدي إلى تعدد المرجعيات الشرعية على المؤسسات المالية الإسلامية، فيكون لكل مؤسسة مرجعيتها الشرعية الخاصة بها. وهذا يضع عبئاً على جهات التدقيق الخارجي (الشرعي والمالي) على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية؛ لأنها تكون مكلًّفة بإعداد برامج وخطط للتدقيق الشرعية في ضوء المرجعية الشرعية لكل مؤسسة خاضعة للتدقيق.

2.2.   وإن استمرار كل هيئة شرعية خاصة بعملها في إصدار أحكامٍ بالجواز أو المنع لما يعرض عليها من أعمال المؤسسة التي تشرف عليها؛ تسبب في نشأة ظاهرة تضارب الفتاوى بين الهيئات على مستوى المؤسسات بالنسبة للمنتج الواحد، فيكون جائزاً في مؤسسة وممنوعًا في أخرى[1].

2.3.   وإن استمرار العمل بمرجعية الهيئة الشرعية الخاصة أدى إلى خلق بيئة تنافسية استخدمت فيها صفة الفتوى من حيث كونها متحفظة أو ميسرة كعنصر أساسي في المنافسة بين المؤسسات على حساب عنصري جودة المنتج وسعره[2]. ولذا اندفعت أغلب المؤسسات لاختيار أعضاء هيئة الفتوى من النوع الذي تقدر المؤسسة بأنه أكثر تيسيراً لتضمن الحصول على موافقات على منتجات وصيغ قد لا تحصل عليها في حال كان أعضاء الهيئة التي تصدر الفتوى من النوع المتحفظ. ولا شك أن التشريعات لا ينبغي أن تكون لخدمة شريحة من الناس على حساب شريحة أخرى، وإنما يجب أن يكون التشريع للجميع.

2.4.   إن إعداد مرجعية شرعية موحدة على مستوى الدولة أو الإقليم، وتعتمد من هيئة شرعية عليا وتكون بديلاً عن الفتوى الخاصة لكل مؤسسة أصبح ضرورة لتحقيق التقارب والتطابق في تطبيقات المؤسسات المالية الإسلامية[3]. وسوف يسهم ذلك في تخفيف العبء على جهات التدقيق الخارجي المالي والشرعي التي تقدم خدمات التدقيق لمؤسسات مختلفة. ويعزز من فاعلية الفصل بين الفتوى والتدقيق كسلطتين متعارضتين، ويدعم المنافسة الصحية على أساس الجودة والسعر.

2.5.   لقد صدر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية AAIOFIكتابان (المعايير الشرعية) و(المعايير المحاسبية). ويمكن أن يمثل هذان الكتابان المرجعية الشرعية والمحاسبية المنشودة، وبالفعل اعتمدت هذه المعايير في كل من السودان وسوريا والبحرين وغيرها من الدول كمرجعية ملائمة للمؤسسات المالية الإسلامية العاملة في الدولة[4].

2.6.   وإن عدم كفاية بعض المعايير الصادرة عن AAIOFIيتطلب بذل جهود إضافية من السلطات الإشرافية في كل من السودان وسورية والبحرين لتطوير واستكمال تلك المعايير واعتمادها في ثوب جديد من الهيئة الشرعية العليا. وتميزت السودان بجعل عقود المنتجات جزءا من المعايير. ويعد مثل هذا الجهد خطوة مهمة في سبيل استكمال المرجعية الشرعية الموحدة.

2.7.   إن المطالبة بالعمل بمعايير أيوفي واعتمادها من قبل السلطات الإشرافية في جميع الدول التي فيها مؤسسات مالية إسلامية مسألة متفق عليها بين جميع الجهات ذات العلاقة على مستوى الصناعة المالية الإسلامية سواء أكانوا أشخاصاً أم مؤسسات داعمة. ومحل الاختلاف –إن وجد- سيكون في الأثر المترتب على ذلك، وهو أثر جوهري على صعيد الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية.

2.8.   إن أي جهد لإقرار مرجعية شرعية موحدة للمؤسسات المالية الإسلامية (بشكل جزئي على مستوى بعض المنتجات أو كلي على مستوى كل المنتجات) يترتب عليه واقع جديد على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية. ويبدو السؤال المشروع في حال حال اعتماد هذه المرجعية هو: هل ستكون المؤسسات المالية الإسلامية بحاجة إلى جهات للفتوى الخاصة؟ هذا ما سنبينه في التحدي التالي.

3.    انحسار الفتوى الخاصة:

3.1.   عند نشأة المؤسسات المالية الإسلامية (في عام 1975م أنشئ أول بنك إسلامي "تجاري" في العالم وهو بنك دبي الإسلامي) كان من الضروري وجود هيئات الفتوى الخاصة على مستوى كل بنك لتوفير الغطاء الشرعي للأعمال التي تقوم بها المؤسسة. وقد بذلت هذه الهيئات جهوداً مضنية في دعم أعمال المؤسسات التي تشرف عليها. أما الآن وبعد مضي أكثر من خمس وثلاثين سنة من عمر المؤسسات المالية الإسلامية وفي ظل وجود كتابي المعايير اللذين أصدرتهما AAIOFIأصبحت الحاجة للفتوى الخاصة نفسها أقل إلحاحاً.

3.2.   ومن هذا المنطلق فإن وجود مرجعية شرعية يمكن أن يستند إليها في صياغة معايير متكاملة لجميع المنتجات في المؤسسات العاملة في الدولة أو الإقليم؛ يجعل الحاجة إلى الفتوى على مستوى كل مؤسسة أمراً غير قائم؛ بل ويمكن الاستغناء عنه والعمل مباشرة بالمرجعية الشرعية الموحدة التي تعتمدها الهيئة الشرعية العليا في جهة الاعتماد (المصرف المركزي مثلاً). ويمكن تصور التدرج في الاستغناء عن الفتوى الخاصة، بالنظر إلى اكتمال المرجعية الشرعية تدريجياً؛ بحيث يتم الاستغناء عن الفتوى الخاصة في كل منتج تستكمل جهة الاعتماد مرجعيته.

3.3.   إن الاستغناء عن الفتوى الخاصة أصبح مرحلة ضرورية لدعم المنافسة الصحية بين المؤسسات، ولتحقيق مهنية التدقيق الشرعي بصفة عامة. ويبدو أن المهنيين العاملين في البنوك المركزية وكذلك المتخصصين في مكاتب التدقيق المحاسبي يتفهمون أهمية هذه المرحلة وينظرون إلى الاستغناء عن الفتوى الخاصة كمتطلب مهني لدعم المرجعية الشرعية الموحدة. وقد كان حاكم مصرف سورية المركزي قد أعلن في مارس الماضي من هذا العام 2010 عن عزم سورية على إقرار مرجعية شرعية موحدة ودعم المدقق الشرعي المستقل. والمرجح أن سورية حالياً منشغلة بالتحضير الجدي للانتقال من مرحلة الفتوى الخاصة إلى مرحلة المرجعية الشرعية الموحدة، ودعم التدقيق الشرعي الخارجي المستقل.

3.4.   إن الاستغناء عن الفتوى الخاصة في ظل المرجعية الشرعية الموحدة أمر طبيعي، أسوة بالمرجعيات الموحدة في العالم لجميع الأعمال. ومن هذه المرجعيات: الأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية، والتحصيل المستندي، وقواعد التغطية والتسوية بين البنوك، والأعراف الموحدة لخطابات الضمان، والأعراف الموحدة لاعتمادات الضمان (Stand By letter of Credit) واتفاقية الأمم المتحدة (فيينا 1980 لعقد البيع الدولي) وعقود النقل الدولية (المصطلحات التجارية INCOTEARMS) مثل (FOB, CFR, CIF….). وغير ذلك من المرجعيات التي تعمل جميع المؤسسات المالية في العالم على أساسها.

3.5.   إن العمل وفق المرجعيات آنفة الذكر وغيرها يتم في جميع المؤسسات المالية في العالم بما فيها الإسلامية، ولم يتطلب هذا الأمر الاحتفاظ بجهة خاصة للفتوى على مستوى كل مؤسسة تعمل بكل مرجعية من تلك المرجعيات، لأن هذا ببساطة يتعارض مع وجود المرجعية وفيه ازدواجية، ولكن اقتضى ذلك تعيين مستشار في كل مؤسسة يكون من مهمته تفسير الأحكام الواردة في المرجعية، كوجود المستشار القانوني الذي يقوم بتفسير القانون في كل مؤسسة أو الرجوع إلى الخبراء والمستشارين في الجهات ذات العلاقة للحصول على تفسير ملائم لنص المعيار. وهناك فرق كبير بين وجود وظيفة الفتوى التي تنشئ الحكم (التشريع) وبين وجود مستشار يفسر الحكم الوارد في المرجعية ولا ينشئه.

3.6.   ولا شك بأن هناك إشكالات واستفسارات ومستجدات تواجه المؤسسات في التطبيقات فهذه يجب التعامل معها بنفس الطريقة التي يتم التعامل معها في حال المرجعيات الأخرى المطبقة في العالم؛ فهناك آلية معتمدة للاستفسار من الخبراء والمستشارين لدى جهة الإصدار، وهناك إصدار جديد من كل مرجعية كل عدد من السنوات يتضمن تعديلات تستوعب الملاحظات التطبيقية خلال الفترة ما بين تاريخ الإصدار الأول والإصدار الثاني[5]. وأنبه بأن صحة قولنا تستند إلى افتراض استكمال المرجعية الشرعية الموحدة للمنتج الذي نقول بانتفاء الحاجة للفتوى الخاصة بشأنه، وإن كثرة الأسئلة والاستفسارات والمستجدات على صعيد المنتج تعد دليلاً كافياً على عدم استكمال المرجعية الخاصة وعدم صلاحية اعتماد العمل بها.

3.7.   تفيد الممارسة أن إثارة هذا الموضوع في أوساط الهيئات الشرعية، يواجه باستدراكات تنطلق بالدرجة الأولى من عدم وضوح التصور الذي سبق ذكره، وقد حاولنا التوسع قليلاً في شرحه درءاً لأي ملاحظات من هذا النوع. ولكن يجب علينا أن نتلمس هذه الاستدراكات وندرسها بقدر كبير من الاهتمام، من منظور مهني موضوعي يستند إلى المصلحة العامة والأبعاد الاستراتيجية على مستوى الصناعة عامة والرقابة الشرعية بصفة خاصة، وليس على أساس المدى القصير والمصالح الشخصية الضيقة. إن إحداث تطوير مهني كلي على مستوى التنظيم المؤسسي للمؤسسات المالية الإسلامية يعود بالنفع على دعم جميع الأطراف ذوي العلاقة. و إذا كان من شأن هذه الجهود تفعيل الضبط الشرعي بشكل أكبر في تطبيقات المؤسسات المالية الإسلامية فإن أعضاء الهيئات الشرعية بخبرتهم الطويلة يجب أن يكونوا من الداعمين لهذه الجهود، ومن الفاعلين في تسريع إقرارها من السلطات الإشرافية في كل دولة، بنفس القدر الذي يسعون فيه لإقرار معايير أيوفي من السلطات الإشرافية، لأن هذا من لوازم العمل بالمرجعية الموحدة وإلا لا فائدة من بذل الجهود لإقرار المرجعية الموحدة ويكفي أن تكون مرجعاً يستأنس به من جهات الفتوى الخاصة؛ بل إن الدافع الأساسي لإصدار المعايير الشرعية والمحاسبية يضعف ويزول إذا كانت النتيجة عدم الإلزام بالعمل بها. لأن الهدف من وجود المعيار كما أسلفنا إحداث تناغم وتقارب وتطابق في التطبيقات، وهذا لا يحدث في ظل عدم جعل المعيار مرجعية موحدة يكون العمل بها واجباً.

3.8.  ومن أبرز الاعتراضات على واقعية هذه النتيجة المتمثلة في انحسار الفتوى الخاصة، الاستفسارات اليومية وما يحدث من مستجدات في التطبيق – وقد أجبنا عن ذلك في البند ما قبل السابق- وتطوير المنتجات، والسرية الخاصة بكل بنك، والمنافسة بين البنوك. ولا يخفى أن تطوير المنتجات لا يدخل في نطاق أعمال هيئة الفتوى الخاصة. ولم ينص أي قانون أو معيار من جهة ذات علاقة -بشأن هيئات الرقابة الشرعية- على أن تطوير المنتجات يعد من مهام جهة الفتوى الخاصة. وبالمثل فإن إلغاء الفتوى الخاصة لا يستلزم إلغاء وظيفة تطوير المنتجات التي تتطلب خبراء ومتخصصين من نوع خاص، وهي وظيفة داخلية تابعة للرئيس التنفيذي للمؤسسة، وليست من أعمال جهة الفتوى على مستوى المؤسسة والتي تعد جهة خارجية تابعة للجمعية العمومية للمؤسسة طبقاً لجميع المعايير الصادرة في هذا الشأن من الجهات الداعمة. أما السرية فليست في خطر في حال رفع المنتج الجديد للسلطة الإشرافية للموافقة عليه؛ لأن السلطة الإشرافية معنية بالمحافظة على السرية، والممارسة الحالية لجميع البنوك تقتضي أخذ موافقة السلطة الإشرافية عند طرح أي منتج جديد في السوق، ولم تتم إثارة مسألة السرية من قبل، ولكن بدل أن كانت موافقة السلطة الإشرافية مقتصرة على الجانب المصرفي والتشريعي فإن ماستتناول الجانب الشرعي الذي تخدمه الهيئة الشرعية العليا التي تعتمد المرجعية الشرعية الموحدة. وأما ما يقال بشأن المنافسة بين البنوك فأمر حادث الآن رغم عدم وجود حماية فكرية للمنتجات المصرفية قاطبة إسلامية وغير إسلامية، وسيكون من حظ المبتكر المبادر الاستحواذ على حصة من السوق قبل أن يدخل المقلدون كما هي حال جميع حالات الريادة، ثم يكون التنافس على أساس الجودة والسعر، وهذا من أهداف توحيد المرجعية.

4.    تنظيم مهنة التدقيق الشرعي

4.1.   إن التدقيق الشرعي الخارجي المحسوب كوظيفة للهيئات الشرعية الخاصة في وضعها الحالي، ينتابه كثير من الضعف في الممارسة ولا يتسم بالاستقلالية. وذلك لأن الهيئات بصفة غالبة لا تقوم بالتدقيق بنفسها، وإنما تعتمد على نتائج التدقيق الشرعي الداخلي. وهذا لا يحقق الوضع المهني المستقل للمدقق الشرعي الخارجي.

4.2.   وإن فصل مهمة التدقيق عن مهمة الفتوى الخاصة كمرحلة أولى، ثم انحسار الفتوى الخاصة بسبب اعتماد المرجعية الشرعية الموحدة كمرحلة ثانية يجعل التدقيق الشرعي الخارجي في وضع أفضل من الناحية المهنية، ولدعم استقلالية التدقيق الشرعي الخارجي يجب استحداث نظم متكاملة لتأسيس مكاتب للتدقيق الشرعي الخارجي على غرار مكاتب التدقيق المالي، وإقرار نظم وتشريعات ومؤسسات تتعلق بمزاولة مهنة التدقيق الشرعي على مستوى الدولة، مثل: معايير المراجعة الشرعية، وجمعية المدققين الشرعيين، وسجل المدققين الشرعيين، وزمالة المدققين الشرعيين.

4.3.   إن التشريعات والنظم والمؤسسات اللازمة لتعزيز المهنية في التدقيق الشرعي تعد من أبرز التحديات التي تواجهها البنوك المركزية. ونعتقد أن البنوك المركزية مدعوة لأن تكون أكثر مبادرة في هذا الاتجاه ما دام أنها ارتضت بوجود المؤسسات المالية الإسلامية تحت إشرافها وفي ظل القوانين التي يجب عليها تفسيرها وتطبيقها على تلك المؤسسات[6].

4.4.   وإن التنظيم المهني للتدقيق يقتضي أن يقوم المصرف المركزي بإحداث جهة فاعلة للتفيش الشرعي على المؤسسات المالية الإسلامية أسوة بجهة التفتيش البنكي، وتكون مهمتها التأكد من التزام تلك البنوك بقوانين البنوك الإسلامية وأنظمتها الأساسية وتفعيل جهة التدقيق الشرعي الخارجي، ونظام الرقابة الشرعية الداخلية ككل على صعيد إجراءات العمل والأنظمة الآلية والعاملين، وإدارة التدقيق الشرعي الداخلي التابعة للجنة المراجعة الداخلية على مستوى المؤسسة.

5.    الإلزام القانوني

5.1.   إن الوضع الأمثل للمضي قدماً في معالجة تلك التحديات هو العمل الجاد من البنوك المركزية لإقرار جميع المقترحات السابق الإشارة إليها بشكل ملزم للمؤسسات المالية الإسلامية بدءا من الفصل بين الفتوى، والتدقيق ثم اعتماد المرجعية الشرعية الموحدة ثم إلغاء وظيفة الفتوى الخاصة. ومن دون الإلزام القانوني فإن هذه المقترحات لن تجد طريقها للتطبيق المنظم.

5.2.   إن سيادة القانون تفرض أن تبادر البنوك المركزية لتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه فرض القانون على جميع المؤسسات المالية الإسلامية. وإن من أبرز النتائج المترتبة على ذلك وجود نمط موحد للعمل في المؤسسات المالية الإسلامية أسوة بالمؤسسات المالية التقليدية التي تعمل وفق نمط واحد يخضع لمرجعيات موحدة ومفروضة بقوة القانون وهو الهدف المعلن والسابق ذكره لهيئة المحاسبة AAIOFI. إن المساواة بين المؤسسات العاملة في نفس المجال من حيث فرص المنافسة يجب أن يكون محل عناية السلطة الإشرافية.

5.3.   إن سيادة القانون يمنح المؤسسات المالية الإسلامية فرصة لبناء نموذج موحد للبنك الإسلامي يتمتع بالعالمية، ويمكن تسويقه وبيعه خلافاً لما عليه التطبيقات الحالية التي تتسم باختلافات عميقة في بعض الأحيان بين مؤسسة وأخرى وبين بلد وآخر في أحيان أخرى[7].



[1]لمزيد من التفصيل ينظر للباحث: "العقود النمطية للأدوات المالية الإسلامية: أما آن الأوان"، المؤتمر السادس للهيئات الشرعية، تنظيم هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، مملكة البحرين، 14-15 يناير 2007.

[2]ينظر للباحث "دور المعايير الشرعية والمحاسبية في توجيه الصيرفة الإسلامية"، مؤتمر المصارف الإسلامية الثالث ف دمشق : الصيرفة الإسلامية : الواقع والطموح في دمشق في الفترة 9-10 مارس 2008 م.

[3]تنظر مقدمة كتاب المعايير الشرعية، 2007م، ص:ل، م، ع.

[4]ينظر للباحث "دور المعايير الشرعية والمحاسبية في توجيه الصيرفة الإسلامية"، ورقة مقدمة لمؤتمر المصارف الإسلامية الثالث ف دمشق : الصيرفة الإسلامية : الواقع والطموح في دمشق في الفترة 9-10 مارس 2008 م.

[5]لمزيد من التفصيل ينظر للباحث: "الرقابة الشرعية للمصرف المركزي على المؤسسات المالية الإسلامية"، جامعة الإمارات العربية المتحدة، كلية الشريعة والقانون، مؤتمر المؤسسات المالية الإسلامية : معالم الواقع وآفاق المستقبل، 8-10 مايو 2005م.

[6]لمزيد من التفصيل يراجع للباحث: "إستراتيجية التدقيق الشرعي الخارجي: المفاهيم وآلية العمل"، المؤتمر الرابع للهيئات الشرعية، تنظيم هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، مملكة البحرين، 2-4 أكتوبر 2004. وللباحث أيضاً: "الاحتراف في التدقيق الشرعي"، من المواد المعتمدة في الدبلوم المهني في الرقابة الشرعية، تنظيم بيت المشورة للاستشارات الشرعية، دولة الكويت، يونيو 2004.

[7]ينظر للباحث: "العقود النمطية للأدوات المالية الإسلامية: أما آن الأوان"، المؤتمر السادس للهيئات الشرعية، تنظيم هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، مملكة البحرين، 14-15 يناير 2007.