العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اقتصاد القوارير وتدبيرهن

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يقول المولى عزّ وجلّ في وصف نبيه الرحيم (صلى الله عليه وسلم): وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107]، الذي أوصانا في النساء خيراً بقوله: رفقاً بالقوارير (البخاري:٣٣)، فلماذا وصفهن بهذه الرقة؟ ولماذا طلب الرفق بهن؟

كنت قد لملمت أفكاري لكتابة كلمة هذا العدد، وعندما شرعت بذلك فجر هذا اليوم، إذ بزوجتي قد بدأت غزل صوفها. سرحت محدقاً بغزلها، فتتالت الأفكار في مخيلتي تسرد فعل نسائنا المدبرات وأثرهن في الاقتصاد، وجال ببالي الحسابات القومية الاقتصادية وطرق تقدير الإنتاج الضمني الذي يستهلك مباشرة من قبل المنتج نفسه، ولا يدخل السوق. بيد أن الحسابات القومية الاقتصادية تناولت استهلاك الإنتاج الزراعي وليس هذا الإنتاج المنزلي!

ثم خطر ببالي أيضاً ذكر الله تعالى لصناعة الغزل والحياكة في قرآنه الكريم منبهاً ومحذرا عباده من إتباع سلوك التي تنقض غزلها بقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) (النحل: 92). وأنكاثا: يعني أنقاضاً جَمْعُ نِكْثٍ، وَهُوَ الْغَزْلُ المَنْقُوضُ.

إذاً الكلام لن يشمل أعمال السيدات الذي يجري تبادله في الأسواق لأن ذلك مما يُقاس، بل إن الكلام يُقصد منه العمل المنزلي وما ينتج عنه، فالتدبير والاقتصاد سمة من سمات أغلبهن، بل إن كثيراً من البيوت يسترها حسن تدبير نسائها، عملاً بهدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما عالَ من اقتصد (السيوطي: ٧٩٣٩).

تحيك زوجتي العديد من الثياب في كل شتاء، وهي ما نسميها (الكنزة)، وكانت القطعة التي تحيكها ملونة بألوان زاهية، سألتها عن سعرها في السوق؟ فقالت حوالي ١٥٠٠ ليرة سورية (ما يعادل ٢٠ دولاراً)، ثم أردفت: هل تعلم من أين صوفها؟ وتابعت قائلة: هي بقايا كنزات حكتها هذه السنة والسنة الماضية.

تابعت مخيلتي حساباتها حول منافع هذا الاقتصاد غير الرسمي! فزوجتي لم تترك خيطاً قصيراً إلا واحتفظت به، ثم جمعت ذلك كله في حياكة كنزة جعلتها ملونة لتخفي ما جمعته من خيوط. وهذا فيه شيء من إدارة المخازن، وفيه فن إنتاجي صناعي، وكذلك محاسبة تكاليف تجاوزت الهدر والنفاية. وهذا فعل يتكرر سنوياً، وتمارسه أغلب الشاميات في بلادنا.

إن أولئك النسوة لم يحتجن دورات وكتباً تشرح، وتبين أصول الاقتصاد وعلومه بل مارسنه من تلقاء أنفسهن دون فلسفات معقدة، أو نظريات قابلة للبرهان والنقض، وتجارب مكلفة أسوة بما يحصل حولنا في عالم يدعي التطور والتقدم، وهو مازال يتعلم اقتصاده بالممارسة مسدداً أثمانا باهظة لتجاربه، وللأسف فإن تكاليف تلك التجارب هي تكاليف غارقة لا يمكن استردادها، بينما تستنفذ محاسبة التكاليف تكاليف تجارب التشغيل في عامها الأول أسوة بمعايير المحاسبة الدولية، وقد تهتلكها على سنوات ثلاث كما كان سارياً لدى المحاسبين.

ولا يخفى على بعض الاقتصاديين أن تقدير الخبرات والكفاءات يعتبر من إشكاليات إعداد الميزانيات القومية، ويجدر بالقائمين على إعداد تلك الحسابات تقدير هذه الخبرات والكفاءات، سواء قيّمت بالتكلفة المنفقة، أو أضيف لها قيمة الإنتاج الذي يقوم به العامل الماهر، فالحياكة اليدوية أرفع شأناً وثمناً من الحياكة الصناعية وكذلك باقي المنتجات المنزلية اليدوية. 

إن ما تنتجه ربات البيوت يشكل طاقة من الطاقات المعتبرة، ولو جمع إنتاجهن لتجاوز إنتاج أكبر المعامل، فهو موردٌ يحقق قيمة مضافة لا يستهان بها. فالطبخ في البيوت صناعة هامة تحقق وفراً عما يمكن شراؤه من الأسواق، وغذاءٌ مفيدٌ لبناء الطاقات والموارد البشرية، ويقاس عليه غسيل الملابس وترتيبها الذي يحقق المنافع للأسر، ويضاف إلى كل ذلك ما تحضره الأسر من تموين من موسم لآخر، تموين يكفي الناس أشهراً متتالية.

ويشكل كل ذلك جزءاً من الناتج القومي الذي يُقدر بالوحدات النقدية خلال مدة زمنية معينة هي السنة عادة، ويشمل ذلك الناتج السلع والخدمات في شكلها النهائي التي بيعت به للمستهلكين أو للمشترين النهائيين، بينما لا يشمل المواد الأولية والسلع غير التامة الصنع، أو نصف المصنوعة التي لم تبلغ بعد طورها النهائي من حيث الصناعة، كما لا يشمل الإنتاج الضمني مما يُنتج في البيوت.

إن احتساب الناتج القومي GrossNationalProductGNPهو بمثابة مقياس للأداء الاقتصادي لكامل المجتمع، ويتم بطريقة من ثلاثة طرق وصولا لقياس الدخل القومي.

وعلى كل حال، فإن مشكلة الاستهلاك الذاتي مشكلة لم تعرها النظرية الاقتصادية اهتماماً كبيراً، رغم دوره في الأداء الاقتصادي، فقد ركزت الأدبيات الاقتصادية على الاستهلاك الذاتي الحاصل في القطاع الزراعي الذي لم يدخل السوق، ولم يشمل مخرجات ما تنتجه ربات البيوت من حياكة وطبخ وتحضير أطعمة وخدمات منزلية شخصية. وإن ترك تقدير قيمة هذه الخدمات الشخصية غير المتبادلة في السوق يسبب قياسات خاطئة ومقارنات مضللة، خاصة إذا علمنا أن ثقافة الشعوب وعاداتها تختلف كثيراً تجاه العمل والإنتاج المنزلي.

إنه اقتصاد تقوم به الرقيقات الأنيسات بهدوء وصمت، هذا بفرض أننا أغفلنا القيمة المعنوية والمادية لإنشائهن وتربيتهن لأطفالهن وأبنائهن ورعاية عائلاتهن، وهذا عمل لا يقدر بثمن، فليس من بشر قد جزى أمَّه طلقة من طلقاتها به أو زفرة من زفراته عليه.

فإن كان اليوم هو تجسيد ليوم المرأة العالمي، فإن الرفق بالقوارير ليس شعاراً بل حياة نعيشها كل لحظة وساعة حتى قيام الساعة.

 

حماة (حماها الله) ٩ مارس/آذار ٢٠١٣