العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التفكير الابتكاري وحلول لمشاكل الأمة

د. علي سعيد عبد الوهاب مكي

مدير عام خبير بالشئون المالية ـ شركة السويس للزيت

تعريف الابتكار"الإبداع":

في معجم ألفاظ القرآن الكريم بدع الشيء، بدعاً وأبدعه، أنشأه وبدأه على غير مثال سابق ومن ذلك في القرآن الكريم "بديع السماوات والأرض" ورد في كتاب لسان العرب، بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه، أنشأه أولا، وقال: "أبو عدنان" المبدع الذي يأتي أمراً، أي أول لم يسبقه أحد والبديع المحدث العجيب. والبديع الشاعر جاء بالبديع.

هذا عن الإبداع ومعناه في اللغة العربية، ومن مجمل تلك الأفكار التي وردت في النصوص السابقة يتبين لنا بجلاء أن العرب قد ميزوا بين عدة أمور نجملها فيما يلي:

1       أن هناك شخصاً مبدعاً.

2       أن هناك فعلاً أو عملية للإبداع.

3       أن هناك ناتجاً للنشاط أو هذا الفعل، هذا الناتج هو ما يطلق عليه الباحثون اسم الناتج الإبداعي.

الإبداع لغة مشتقة من الفعل "أبدع" الشيء أي اخترعه، والله بديع السموات والأرض أي مبدعها وإبداع الشعر أي جاء بالبديع، والبدعة الحديث في الدين بعد الإكمال، وأبدع الله الخلق إبداعاً خلقهم لا على مثال، وأبدعت الشيء وابتدعته أي استخرجته وأحدثته ومنه قيل للحالة المخالفة بدعة، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة، وفلان بدع في هذا الأمر كان هو أمرا من فعله فيكون اسم فاعل بمعني مبتدع والبديع فعيل من هذا، " قل ما كنت بدعاً من الرسل والإبداع يعني الإيجاد أو الخلق أو التكوين أو الابتكار

والتخيل الإبداعي نوع من التخيل المثمر، والإبداعية هي النزعة نحو الإبداع وفيما يتعلق بالفرق بين الإبداع والتخيل نقول ان التخيل أكثر تلقائية، والإبداع يؤدي بنا الي حلول مستندة إلى الواقع لما نشعر به من مشكلات، بمعني الوصول إلى حلول يمكن تحقيقها في عالم الواقع.

وتتدخل الذاكرة وما فيها من معلومات في عملية الإبداع أو التفكير الإبداعي، والإبداع وفقاً للمفهوم السيكولوجي ليس مجرد محاكاة لشيء موجود وإنما يبدو في اكتشاف علاقات ووظائف جديدة ووضع هذه العلاقات وتلك الوظائف في صيغة إبداعية جديدة، والإبداع لا يمكن أن يكون محاكاة للطبيعة أو تصوراً لحقائقها ووقائعها وأحداثها، وإنما هو إنشاء شيء جديد ولكن ليس من الضروري أن تكون جميع عناصر الشيء المبدع جديد كل الجدة، وإنما قد يكون الإبداع عبارة عن تأليف جديد أو تصوير جديد لأشكال قديمة.

فالمبدع قد يستعير أفكاراً من غيره، ولكنه يوظفها توظيفاً جديداً، ويري فيها معاني جديدة، ويضفي عليها دلالات جديدة لم يسبقه إليها أحد. فيغدو الإبداع هنا هو: القدرة على إنتاج الجديد من خلال صياغة جديدة للمادة أو المواد المألوفة مسبقاً.

ويعرف "سيمون" الابتكار بأنه "مبادرة الفرد وقدرته على الخروج من سياق العادة والمألوف وإتباع نمط للتفكير".

ويعرفه " توران" بأنه: "عملية إدراك الثغرات أو الاختلال في المعلومات والعناصر المفقودة وعدم الاتساق".

والإبداع عند علماء الجشطلت يظهر فجأة على أساس من الحدس من قدرات فرعية من أهمها:

1       الطلاقة بصرف النظر عن طبيعته.

2       المرونة وهي قدرة الفرد على إعطاء أفكار متنوعة.

3       الأصالة وهي القدرة على إعطاء أفكار نادرة وجديدة.

يستخدم مفهوم الإبداع كي يشير إلى العمليات العقلية والمزاجية والدافعية والاجتماعية التي تؤدي إلى الحلول والأفكار والتصورات والأشكال الفنية والنظريات أو المنتجات التي تكون فريدة وجديدة.

وقد اختلف العلماء فيما يتعلق بنقاط التركيز التي اهتموا من خلالها بالإبداع، فبعضهم نظروا إليه باعتباره القدرة على إيجاد شيء جديد لم يكن موجودا من قبل، بينما نظر آخرون إلى الإبداع باعتباره ليس مجرد قدرة بل مجموعة من العمليات النفسية تظهر من خلالها منتجات جديدة "ذات قيمة عالية" بينما نظر فريق ثالث إلى الإبداع باعتباره ليس قدرات وليس عمليات بل منتجات متميزة.

"فرايت" مثلاً يعرف الإبداع على "أنه عملية بسيطة لحل مشكلات مع التأكيد على أصالة الحل وقيمته".

وينظر "ما كلير" إلى الإبداع "باعتباره تعبيرا عن تفاعل معقد بين التفكير الواقعي والتفكير الخيالي".

ويعرف "شتاين" الإبداع بأنه: "عملية ينتج عنها عمل جديد تقبله جماعة ما في وقت معين على أنه مشبع أو مفيد أو مقنع".

أما "فرانك بارون" فعرف الإبداع بأنه: "طاقة يتم توظيفها للعمل بطريقة بنائية".

أكد "وايتفليد" أهمية أن تكون الفكرة الإبداعية متميزة بالجدة والبساطة والمناسبة والدقة والاكتمال.

كذلك حاول "تايلور" أن يوجد تسوية أو يقوم بعمليات تكامل ما بين الأعمال المختلفة الخاصة بالإبداع فاقترح أننا نفكر في الإبداع من خلال مستويات مختلفة هي:

1   الإبداع التعبيري، ويتعلق الرأي هنا بالتعبير المستقل حيث تكون المهارات والأصالة وكفاءة المنتج غير عامة كما في رسومات الأطفال التلقائية مثلاً.

2   الإبداع الإنتاجي، ويتعلق ذلك بالنواتج الفنية أو العملية حيث يوجد ميل لتقييد وضبط اللعب الحر وتطوير أساليب لإنتاج منتجات مكتملة (كما في حالة إنتاج آلات جديدة أو تحسين منتج موجود مثلاً).

3   الإبداع الاختراعي، ويتعلق ذلك الإبداع بالمبتكرين والمستكشفين حيث تظهر البراعة في التعامل مع المواد والمناهج والأساليب (كما في حالة اختراع أجهزة جديدة كالتليفزيون مثلاً).

4   الإبداع الابتكاري، ويتعلق ذلك بعمليات التحسين المستمرة من خلال القيام بتعديلات تشتمل على مهارات تجريدية وتصورية (ابتكار نظريات جديدة في العلم والفن مثلاً) ولكن من خلال الاعتماد على أفكار ونظريات موجودة سلفاً (نظرية النسبية مثلاً).

5   إبداع الانبثاق، ويتعلق هذا الإبداع بالمبدأ أو الافتراض الجديد كلية والذي تزدهر حوله مدارس جديدة، وقد أشار تايلور إلى أن عديداً من الأفراد يكون هذا المستوى الخامس في أذهانهم عندما يتحدثون عن الإبداع، وحيث أن هذا المستوى (الخامس) من التفكير الإبداعي نادر الحدوث إلى حد كبير، فإن المستويات الأقل منه كانت هي المتضمنة عادة في معظم بحوث التفكير الإبداعي.

هذا بالإضافة إلى عناصر أو عوامل ذات متغيرات متعلقة بالتراث الأسبق والمناخ الثقافي السائد الذي يتم الاحتكام إليه للتفرقة بين المنتج الإبداعي أي الذي يتميز بخصائص الجدة والإبداع وذلك الذي لا يكون كذلك ويجيء مجرد تقليد وتكرار لما سبق أو لما هو سائد في المجتمع من منتجات.

يقرر الباحث الأمريكي "جوخاتينا"أن تعريفات الإبداع أصبحت من الكثرة والتداخل بحيث يصعب علينا اختيار واحد منها للعمل بمقتضاه، ويورد الباحث العديد من التعريفات التي من بينها التعريف الذي ورد في قاموس ويبستر والذي يذهب إلى "أن الإبداع يرجع إلى المصطلح اللاتيني KEREبمعني النمو أو سبب النمو والفعل الإنجليزي يبدع Createأي أنه يسبب المجيء إلى الوجود أو الدفع به إلى التحقق في الوجود"، وهو يعني أيضاً فيما يذهب "خاتينا" يصنع ويؤصل، والصفة مبدع تركز الانتباه على القدرة الإبداعية أي أن من يتصف بهذا الوصف يكون مستحوذاً على القدرات التي جعلته كفؤاً لإنتاج عمل إبداعي كما أنه يكون مالكاً للقوة والدافع والخيال.

وبصرف النظر عن التنوع الشديد في تعريفات الإبداع التي وصلت إلى المئات وربما أكثر إلا أن الأمر المحقق حالياً أن الظاهرة الإبداعية هي واقع موجود في الحياة وبين الناس، بل إنه يمكن القول أن مفهوم الإبداع من وجهة نظر البعض مساوٍ لمفهوم الحياة من حيث أن الحياة متجددة ومتدفقة.

والإبداع فيما يرى جمهرة الباحثين هو السلوك الذي يحدث أمراً لم يكن موجوداً من قبل بحيث يأتي على غير مثال، ويضيف آخرون على ذلك وبحيث يكون ملائماً لمقتضى الحال، أي وبإيجاز هو السلوك الذي ينشئ أمراً ليس له نظير يتمتع بخصائص الجدة والملائمة والاقتصاد.

ويستخدم بعضهم لفظ ابتكار في اللغة العربية مكان لفظ إبداع ولكن يبدو أن لفظ إبداع أكثر دلالة على النشاط والسلوك المتعلق بالتفوق والحذق في الصنعة من لفظ ابتكار الذي يقتصر معناه على السبق وإتيان الأمر أولاً على خلاف لفظ إيداع الذي يكاد يقترب من مفهوم لفظ الخلق على نحو ما نقرأ في القرآن الكريم "بديع السموات والأرض".

فالإبداع إذن هو "القدرة على إنتاج الجديد من خلال صياغة جديدة للمادة أو المواد المألوفة مسبقاً".

أما التجديد فهو تطبيق للإبداع أي وضع الأفكار الابتكارية موضع التنفيذ وهو التحسينات التي تدخل على العملية الصناعية والمنتجات والخدمات كي توائم احتياجات ورغبات العميل والمستهلك كي تكون الأفضل في سوق المنافسين.

مع تعدد التعريفات والمفاهيم التي توضح معنى الابتكار إلا أنها تدور جميعاً حول التوصل إلى فكرة وممارسة جديدة أو مزج بين عناصر موحدة بطرق عصرية لمواكبة الاحتياجات الحديثة.

الدكتور سيد خير الله يعرف التفكير الابتكاري على أنه: "يتمثل التفكير الابتكاري في قدرة الفرد على الإنتاج إنتاجا يتميز بأكبر قدر من الطلاقة الفكرية والمرونة والأصالة وبالتداعيات البعيدة كاستجابة لمشكلة أو موقف مثير".

ويلاحظ من هذا التعريف أنه قد اشتمل على مكونات أربعة أساسية لعملية الابتكار هي:

1 - لموقف معين خلال فترة قصيرة نسبياً وذلك إذا ما قورنت عملية الاستدعاء هذه بالأنواع الأخرى للتفكير غير الابتكاري.

2- المرونة التلقائية: وتشير إلى القدرة على إنتاج استجابات تتسم بالتنوع فى الاتجاهات وإمكانية التحول من اتجاه إلى آخر، مع استخدام مجموعة متعددة من الإستراتيجيات، ومراعاة الحلول غير التقليدية النادرة الحدوث.

3الأصالة: وتمثل القدرة على إنتاج أفكار جديدة عما هو معتاد ومألوف من الأفكار والطرق والأساليب. فالأفكار الأصيلة هي الأفكار النادرة إحصائياً، كذلك تمثل سرعة إنتاج أفكار تتوفر فيها شروطاً معينة في موقف معين.

4القدرة على التداعي البعيد: وتتمثل في مدى القدرة على إنتاج استجابات عميقة الأثر بعيدة كل البعد عما تألفه المجموعة التي ينتمي إليها المفكر فيصبح قادراً على تجاوز الفجوات المتسعة بين الأمور المرنة وبين القدرة على الابتكار والإبداع.

إن من أهم خصائص مديري الأعمال ذوي السمات الابتكارية والإبداعية ما يلي:

1   الاستعداد لتقليل وامتصاص مخاطر مرؤوسيهم. فالمديرون الذين يشجعون الابتكار يسمحون لمرؤسيهم بقدر من الحرية تمكنهم من متابعة أفكارهم وتعد الأخطاء هي تكلفة هذه الحرية والتي تمثل أحياناً تكلفة عالية.

2   الاستعداد لتبني الأفكار غير المدروسة جيداً: يجب أن يستمع المدير إلى المقترحات الابتكارية ودعمها حتى ولو كانت غير مدروسة جيداً، وذلك لتشجيع المرؤوس على المضي قدماً ودراسة نواحي النقص فيها.

3   الاستعداد لتجاهل سياسات المنظمة: يسعى المديرون الابتكاريون استعداداً لتجاهل تلك القواعد أو السياسات إذا أدركوا السلوك الابتكاري سوف يصل بهم إلى نتائج وعوائد أفضل.

4   القدرة على إصدار قرارات سريعة: يتسم القادة الذين يحتضنون الابتكار باحتفاظهم بالسجلات والمستندات الدقيقة والكافية مما يجعلهم يدركون جيداً أن الأفكار المطروحة عليهم تستحق أن يتبنوها، هذا بجانب ارتفاع معدل الشجاعة لديهم مما يدفعهم لاتخاذ القرارات بسرعة ودقة.

5   ارتفاع مهارة الانصات الفعال: يتسم القادة بارتفاع درجة الانصات لديهم وذلك لحاجتهم إلى البيانات والمعلومات والآراء والمقترحات مما يحفزهم على إتاحة الفرصة لمرؤوسيهم بالتحدث التفصيلي عن وجهات نظرهم.

6   عدم تصيد أخطاء المرؤوس أو التشهير به:يعمل المدير في هذا الصدد على الوصول إلى مستقبل أفضل والسعي الجاد لتحقيق الأهداف المخطط لها، ولهذا يتسم سلوكه بعدم التمسك بالأخطاء التي يرتكبها مرؤوسيهم خلال عملهم وتجنب التشهير بهم تجنباً للأثر السلبي المترتب على ذلك، بل ينطلق ذهنه مباشرة لكيفية معالجة المواقف الخاطئة واستمرار العمل بنجاح وعدم التأثير السيئ على نفوس مرؤوسيه.

7   الإبتعاد عن الحقد وتفضيل المصلحة العامة:عادة ما يتجاهل القائد الذى يشجع الابتكار إلى نبذ الحقد وتجاهل الكراهية في التعامل مع المرؤوسين، مما يبعد عنهم شبح انخفاض الروح المعنوية، وسوء المناخ التنظيمي، ويدعو إلى التسامح والتعامل بسعة الصدر، وتناسي الخلافات الشخصية في سبيل الوصول إلى المصلحة العامة.

يتميز التفكير الابتكاري عند تناوله لتشخيص وحل المشكلات واتخاذ القرارات أنه يمر بعدة مراحل على النحو التالي:

·        التهيؤ والاستعداد النفسي لإعمال الفكر.

·        ملاحظة وجود صعوبات أو سلبيات معينة.

·        وجود الحاجة إلى حل المشكلة.

·        تركيز الجهود المتاحة وتنظيم عملية الاستفادة منها.

·        تحليل المشكلة إلى عواملها المختلفة والتفكير المتعمق فيها.

·        جمع البيانات والمعلومات المتاحة المساعدة في إجراء عمليات التفكير.

·        وضع حلول كثيرة ومتنوعة وأصيلة وملائمة.

·        تحليل نقدي موضوعي للحلول المقترحة.

·        اختيار أحد الحلول والتركيز عليه.

·        التحقق من الحل.

·        تنفيذ الحل وإيضاح النتائج المترتبة عليه.

·        إظهار قيمة العمل للآخرين.

·        المتابعة والتقويم المستمر.