العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الاقتصاد في السؤال

وعد شكوة

مدرسة لغة عربية ومدققة لغوية

ربٌ كريم بعباده رؤوف رحيم، سخر كل ما في الكون للإنسان، وقسم الأرزاق بين عباده بحكمة وإتقان تجعل الإنسان العاقل يدرك أن الكل للخالق، وأن الإنسان عبد مؤتمن على ممتلكاته، ولا يحق له التصرف بها على هواه فالله جلّ جلاله أقسم بذاته الإلهية يميناً تحقيقه أمرٌ حتميٌ لا فرار منه، بقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155].

إذاً الإرادة الإلهية قضت على الإنسان أن يكون مبتلى لتختبر قدراته أيصبر أم يتمرد؟ أيسخر ملكاته العقلية والمادية للتلاؤم مع الاختبارات التي يتعرض لها أم يعجز عن الاستفادة منها؟ أهو قادر على الخروج من محنته بسلوك أرقى وتمثل للقيم أكبر أم ينهار نفسياً وأخلاقياً؟

لنمض معاً في رحلة بعيدة إلى البادية العربية أيام الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) لنحضر اختباراً ونرى نتائج، نتعلم منها ونعلمها للأجيال.

فقد أصاب البلاد جفاف شديد وأصبح العباد في كربة وضيق كاد يهلكهم فجاء أعرابي إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وأنشده هذه الأبيات:

 

أتيناك والعذراء يدمى لبانها

وقد شغلت أم الصبي عن الطفل

ألقى بكفيه الصبي استكانة

من الجوع ضعفاً لا يمر ولا يحلى

ولا شيء مما يأكل الناس عندنا

سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل

وليس لنا إلا إليك فرارنا

وأين فرار الناس إلا إلى الرسل؟

 

 

إن المتأمل لهذه المقطوعة الشعرية يرى فيها اقتصاد السائل وعفته من خلال:

1-   تكريم المسؤول من غير تعظيم مبالغ فيه إذ بدأ مقطوعته بقوله (أتيناك) لينبهه إلى قدرته على القيام بالمطلوب منه وتنفيذه دون الحاجة إلى الاستفاضة في الشرح.

2-   إثارة المشاعر الإنسانية الرفيعة كالرأفة والرحمة بالضعيف والمثل الأخلاقية الفاضلة كإغاثة الملهوف والحرص على كرامة المرأة بالتلميح وعرض صور متنوعة لأحوال الضعفاء الذين يراهم حوله:

         أ‌-         حالة الفتاة البكر الجسدية التي يعاملها الأهل برفق وحنان وحرص على تأمين طلباتها دون الاعتماد عليها، أو إظهارها علناً أمام الرجال لتكسب قُوتَها.

       ب‌-       قلق الأم وحيرتها وانشغالها بتأمين طعام الصبية عن الطفل الرضيع الذي جف حليبه في صدرها.

       ت‌-       عجز الصبي الجائع عن رفع يده، والاستسلام الموجع لضعفه وجوعه، وعدم قدرته على تغيير الحال.

3-   الانتقال إلى التصريح بسوء الحال دون أن ينكر النعمة الموجودة عندهم، فهم لم يموتوا من الجوع بسبب وجود أردأ أنواع الأطعمة عندهم التي تساعدهم على البقاء.

4-   طلب اللجوء إليه ليكون مسؤولاً عنه، وبالتالي يحمله مسؤوليته كي يساهم في حل مشكلته فالخائف يفرّ إلى مكان آمن، والجائع إلى المطعم. ثم يقرر حقيقة يجب على الناس الاعتماد عليها: وأين فرار الناس إلا إلى الرسل؟ فهو أختار الرسل في إشارة إلى القادة القادرين على توجيه الناس، ولم يقل الأنبياء في أدب مع الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) واعتراف له بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.

5-   اقتصاده في الطلب حيث أشار إلى الطعام الأفضل حفاظاً على حياة الضعفاء وكرامتهم. فالأعرابي لجأ إلى القائد، وعرض المشكلة أمامه من كافة جوانبها والأثر السلبي للقحط على الناس دون الإلحاح في الطلب ومن غير إباحة عزته أو هدر كرامة المحتاجين. فما كان من خير البرية إلا أن قام لنجدته لا بلقمة تشبع اليوم وتتركه في الغد جائعاً، وإنما وجه الناس إلى صلاة الاستسقاء ونحن إلى طقوسها أحوج فالاستغفار من الذنب واجب والتذلل لله وحده والطلب أن يحل المشكلة وما كان الله ليخيّب دعوة محمد الصادق الأمين فقد لمع البرق، وقصف الرعد، وهطل المطر غزيراً، فجاء أهل الأودية يستغيثون بالرسول الكريم خائفين من الغرق فقال: حوالينا ولا علينا فابتعدت الغيمة عن المدينة لتمطر خيرها في البوادي التي تحتاجها. إذاً حتى الناس الذين يحبون المطر يريدونه باعتدال واقتصاد كيلا يدمر بيوتهم، وقد سُّر رسول الله بالنعيم الذي أفاضه الله عليه فقد استجيبت دعوته، وأدى واجبه كحاكم وحمى واحداً من رعيته، ولبى سؤله دون أن يهينه أو يسخر منه، أو يحوجه إلى وسيط يجعله يكره الدنيا ومن فيها.

وفي غمرة سروره تذكر أكبر داعم له عمه أبى طالب الذي كان يفخر بابن أخيه ويعتز بانتمائه إلى بني هاشم، وتذكر مدح العم لابن أخيه وتخيل سروره لو كان حاضراً موقف نجدة ابن أخيه للأعرابي، فقام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأنشد أبياتاً من قصيدة المدح التي قالها أبو طالب أيام حصار أهل قريش للرسول الكريم وأصحابه في شعاب مكة:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة وفواضل

كذبتم وبيت الله نفدي محمدا

ولما نقاتل دونه ونناضل؟

ونسلمه حتى نصرع حوله

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

 

 

وكما يلاحظ القارئ حتى أبيات المدح فيها اقتصاد، فالرسول الكريم يدافع عن الأيتام، ويعصم الأرامل من الزلل لكنه لا يرزقهم ولا يحييهم أو يميتهم، كما اعترف العم لابن أخيه بالفضل فهو الذي رفع ذكر أهله وبالتالي فهم مستعدون للدفاع عنه، والحرص على حياته وترك أهليهم وأولادهم في سبيل الحفاظ على حياته.

إنها الأخلاق العربية الإسلامية: عفة رغم الحاجة.. اقتصاد رغم خشونة العيش فما أحوج الناس إلى اقتصاد السؤال، اقتصاد الأخذ واقتصاد العطاء!!