العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أموال الزكاة مستثمرة في دورة الاقتصاد الكلي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

 

لقد فاضت أموال الزكاة في زمن العمرين رضي الله عنهما وشهد التاريخ بذلك، ولم تكن من حاجة للبحث عن استثمار لتلك الأموال الفائضة! فكيف وقد صار الفقر والفقراء يعيشون بين ظهرانينا منذ زمن ليس بالقليل؟ فهل التوجه نحو استثمار أموال الزكاة قرار صحيح متوازن؟ أم أن التوجه نحو دراسة آليات عمل تلك الأموال في الاقتصاد هو الأكثر صواباً؟

لقد رافقت أموال الزكاة حياة المسلمين منذ أن اتبعوا دين الإسلام ولم يحتاجوا إلى إثارة كل هذا الكلام حول استثمارها، باستثناء حالات فردية حاول بعضهم القياس عليها وتحميلها أكثر مما تحتمل. وقد فنّد كثير من الفقهاء تلك الحجج سواء منها المؤيدة أو المانعة.

ضوابط استثمار أموال الزكاة:

نشر (الدكتور محمد عثمان شبير) بحثاً قيّماً حول (استثمار أموال الزكاة)، ناقش فيه آراء المؤيدين والمانعين بإسهاب. وكانت أهم نتائج بحثه وضع ضوابط لاستثمار أموال الزكاة، وتلخصت بالآتي:

(أ‌)         الأصل عدم تأخير سداد الزكاة لمستحقيها سواء أكانت بيد المزكين أنفسهم أم كانت بيد الإمام وحوزته لأن الأصل تعجيل قسمتها.

(ب‌)    يُشترط لتأخيرتقسيم الزكاة التي بيد الإمام وجود ضرورة، كما يُشترط حفظها من الضياع. فإن وجدت الضرورة المضبوطة بضوابطها، فإن ضوابط استثمار أموال الزكاة التي بيد الإمام هي كالآتي وحسب التسلسل المبين:

1.    لا يوجد حاجة ماسة لتلك الأموال كسد حاجات المستحقين الضرورية من طعام وكساء وسكن، فإن وجدت تلك الحاجات العاجلة، لم يجز تأخير صرف الزكاة بحجة الاستثمار، بل إذا كانت أموال الزكاة على شكل أصول ثابتة كالمصانع والعقارات وجب بيعها وصرف أثمانها في تلك الوجوه.

2.    وجود مصلحة لاستثمار أموال الزكاة للمستحقين أنفسهم كالسعي لتأمين مورد دائم يحقق الحياة الكريمة لهم.

3.    يجب أن تكون مجالات الاستثمار مشروعة.

4.    يجب تطبيق كافة الإجراءات الضامنة لبقاء تلك الأموال على أصل حكم الزكاة، بحيث لا يُصرف ريعها إلا لمستحقيها، فلو بيعت الأصول المستثمرة في المستقبل فستعود أثمانها إلى مصارف الزكاة.

5.    يجب أن يسبق قرار الاستثمار دراسات دقيقة من أهل الخبرة توضح جدوى المشروعات الاستثمارية. ويجب أن يُعتمد قرار الاستثمار من صاحب ولاية عامة كالإمام أو القاضي.

6.    يجب إسناد الإدارة إلى ذوي الكفاءة والخبرة والأمانة.

تكافلية الموارد المالية الإسلامية:

ذكرنا في كلمة العدد السابع أن المجتمع يتكون من قطاعين أحدهما حكومي والآخر مدني، وأن النظام المالي الإسلامي مؤلف من بيت المال كممثل للقطاع الحكومي ومن مؤسستي الوقف والزكاة الممثلتين للقطاع المدني، الشكل (1).

وأوضحنا كيف أوجد النظام المالي الإسلامي قنوات تكافلية بين تلك الأنظمة المالية. فكفالة الغارمين من مهام بيت المال أسوة بقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع (ومن ترك دينا فإليّ)، كما أن مصرف الغارمين كمصرف من مصارف الزكاة يسهم في حلّ هذه المشكلة الاجتماعية الاقتصادية. ويُضاف إلى ذلك أن من أوقف إيراد عقار للغارمين هو بمثابة دعم لما سبق.

كمثال آخر فإن الإنفاق على الحرب هي من مهام بيت المال، أي أن تمويلها يقع على كاهل القطاع الحكومي، لكن سهماً في سبيل الله وهو من مصارف الزكاة يمثل دعم القطاع المدني لهكذا تمويل، يُضاف إليه وقف السلاح، الشكلين (2و3).

إن هذا البناء المتوازن فيه استثمار غير مباشر للأموال التي تتحرك وتدور في فلكه. ولعل توضيح الاقتصاد الكلي للزكاة كفيل بتوضيح ذلك.

الاقتصاد الكلي للزكاة

يتوجه المصرف الأكبر للزكاة نحو الفئات الأشد فقراً والتي ميلها للاستهلاك يساوي الواحد، وبالتالي فإن هذه الفئات ستقوم بإنفاق كامل دخلها بما فيه الزكاة المقبوضة، مما سيؤدي إلى زيادة الطلب الكلي.

إن زيادة الطلب في الفترة القصيرة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار لعدم تحقق حالة التوظيف الكامل (حسب رأي الاقتصاديين الكلاسيكيين) مما يحفز المنتجين على زيادة الإنتاج من السلع الاستهلاكية لتلبية الطلب المتنامي سعياً لزيادة أرباحهم (شرط تحقق المرونة)، فيزيد الطلب على استخدام عناصر الإنتاج (رأس المال والعمل) ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على العمل مما يؤدي إلى خفض معدلات البطالة وزيادة الأجور وخفض معدلات الفقر.

 

وبازدياد أرباح المنتجين وزيادة الطلب على العمالة تنخفض البطالة ويحصل انتعاش في الاقتصاد الكلي، وبما أن المنتجين هم فئة الأغنياء (عادة) فإنه بزيادة أرباحهم تزداد ثرواتهم وتزداد أموال الزكاة المدفوعة ونكون أمام الحلقة الاقتصادية التالية، الشكل (4):

إن توزيع أموال الزكاة يزيد القدرة الشرائية للمستهلكين فيزداد الإنتاج لتلبية الحاجات، ويزيد الطلب على العمل أيضاً فتنخفض البطالة.

عندئذ تزداد دخول الطبقات الفقيرة، ويزداد بنفس الوقت استهلاكها لنقص الحاجات لديها عادة.

كما تتراكم ثروات الفئات المنتجة (الغنية)، ويزداد توظيفها لرؤوس الأموال في القطاع الإنتاجي، فينعكس ذلك إيجابياً بازدياد حصيلة الزكاة بسبب توسع شرائح دافعيها أفقيا وعامودياً.

والنتيجة على مستوى رأس المال العامل، هي ازدياد حجمه الخاضع للزكاة في الفترات القصيرة بمعدل أكبر من زيادة رأس المال الثابت.

أما على مستوى رأس المال الثابت، فإن إعفاء رأس المال الثابت من الزكاة فيعتبر حافزاً لتوجيه القسم الأكبر من رأس المال العامل (إن أمكن) نحو تكوين أصول استثمارية، وهذا يحتاج إلى فترات، وسيؤدي هذا التكوين الرأسمالي حتماً إلى توسع القاعدة الإنتاجية).

والنتيجة النهائية هي انتعاش الاقتصاد الكلي.

الخلاصة والنتائج:

إن اجتهاد بعضهم نحو إيجاد طرق لاستثمار أموال الزكاة أمرٌ محمودٌ، ولعل سبب ذلك هو ضخامة حجم أموال الزكاة. لكن بالنظر إلى أخطاء الاستثمار، والأزمات المالية الكبيرة التي تعصف بالاقتصاد العالمي عموماً، ولانتشار الفساد بأنواعه، فإن تحفظ الفقهاء أو منعهم في الغالب على هذا التوجه مشروع.

وبناء على ما سبق، وبما أن دوران أموال الزكاة ضمن الدورة الاقتصادية الكلية يحقق تنمية وانتعاشاً للاقتصاد الكلي، فإننا نرى أن الاستثمار حاصل حكماً ضمن الدورة الاقتصادية دون الحاجة للتدخل البشري، الذي يغالبه شوائب ذكرنا بعضاً منها، هذا إذا افترضنا حسن النية وأكثر من ذلك فيما لو افترضنا الحالة الأسوأ من نصب واحتيال وما شابه، فمزالق المال مزالق برّاقة يضعف الكثير أمام لمعانها.

وبما أن قضية التمليك بإقباض مستحقي الزكاة ما يستحقونه من مال الزكاة أمر لم يتجاوزه أحد من الفقهاء، فإني أضيف لما سبق، بأن يد مستثمر مال الزكاة يد ضمان لا يد أمان، لذلك هو ضامن لأصل المال سواء تعدى أو قصّر أو غير ذلك وبهذا الشرط الذي أراه شرط (كفاءة استثمار) سنجد ابتعاد كثير ممن يتغنون بضرورة استثمار أموال الزكاة.