العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الوقف كآلية لمسؤولية الشركات الاجتماعية

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

يكتسب الدور الاجتماعي للشركات أهمية متزايدة بعد تخلي عديد من الحكومات عن كثير من أدوارها الاقتصادية، والخدمية، حيث سعى عدد كثير من الشركات إلى تبني برامج فعالة للمسؤولية الاجتماعية تأخذ في الاعتبار ظروف المجتمع، والتحديات التي تواجهه.ولاشك أن المسؤولية الاجتماعية تعد حجر الزاوية، وأداة مهمة للتخفيف من سيطرة العولمة، وجموحها، كما أصبح الاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية مطلبًا أساسيًّا للحد من الفقر من خلال التزام المؤسسات الاقتصادية )شركات محلية أو مؤسسات دولية(بتوفير البيئة المناسبة، وعدم تبديد الموارد، والقيام بعمليات التوظيف والتدريب ورفع القدرات البشرية، ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا. وفي واقع الأمر يمكن القول إنه لازال هناك غموض، وعدم دراية كافية من جانب كل من الأفراد والشركات والمجتمع العربي ككل بمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات ،وأبعادها، ومدى تطورها، وكذلك بمدى فعاليته، وكيفية بلورته، والإفادة منه. وعند التأمل في مظاهر المسؤولية الاجتماعية المختلفة نجد أنها مما ورد في التشريع الإسلامي تحت مسميات مختلفة: فبعضها من قبيل التكافل الاجتماعي، وأخرى من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من باب رفع الضرر، والالتزام بالممارسات الأخلاقية التي ورد في حقها إما نص قرآني أو حديث نبوي شريف.

وهناك عدة تعريفات لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات، وكلها تدور حول ذات المعنى، وهي تحمل الشركات لمسئوليتها تجاه أصحاب المصالح من حملة الأسهم والمستهلكين والعملاء والموردين والعاملين والبيئة والمجتمع.ويقترحبعضالباحثينوالمتخصصينتحويلمصطلحالمسؤولية الاجتماعيةإلىمصطلحالاستجابةالاجتماعيةحيثإنالمصطلحالأوليتضمننوعامنالإلزام،بينمايتضمنالثانيوجوددافعأوحافزأمامرأسالماللتحملالمسؤوليةالاجتماعية.وقدتعددتالمصطلحاتالمتعلقةبمفهومالمسؤوليةالاجتماعيةومنهامواطنة الشركات، والشركاتالأخلاقية،والحوكمةالجيدةللشركات. وعلىالرغممنتعددهذهالمصطلحاتإلاأنهافيالنهايةتنصبعلىمساهمةالشركاتفيتحملمسؤوليتهاتجاهأصحاب المصالحالمختلفين.كماتشتملالمسؤوليةالاجتماعيةعلىعدةأبعادمنهاالبعدالاقتصادي،والقانوني، والإنساني،والأخلاقي،وتتركزفيبعضالمجالات،خاصةالعملالاجتماعي،ومكافحةالفساد،والتنميةالبشرية، والتشغيل،والمحافظةعلىالبيئة.وتستندالمسؤوليةالاجتماعية للقطاع الخاصإلىنظريةأصحابالمصالح، والتيتنصعلىأنالهدفالأساسيلرأسالماليتمثلفيتوليدوتعظيمالقيمةلكلأصحابالمصالحمنحملة أسهموشركاءوموردينوموزعينوعملاءوأيضاالعاملينوأسرهموالبيئةالمحيطة،والمجتمعالمحلي والمجتمعككل. وتعدالمسؤوليةالاجتماعيةللقطاع الخاص أداةرئيسيةللوصولإلىهذاالهدفمنخلالتحقيقالاستقرارالسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي،والبيئيلمجتمعالأعمال.ويرىعددمنالباحثينأنالمسؤوليةالاجتماعيةلرأسالمالهيالوسيلة التيتستخدمهاالشركاتلإدارةوتنظيمعلاقاتهابالمتعاملينمعها،ومنثمتصبحبرامجالمسؤوليةالاجتماعية نوعامنالاستثمارالاجتماعيالذييهدفإلىبناءرأسالمالالاجتماعيالذييؤديبدورهإلىتحسينكفاءة الأداءالاقتصاديللشركات. وبالنظر إلى التعريفات السابقة يمكن القول: أنه حتى وقتنا الراهن، لم يتم تعريف مفهوم المسؤولية الاجتماعية بشكل محدد وقاطع يكتسب بموجبهقوة إلزام قانونية وطنية أو دولية، ولا تزال هذه المسؤولية في جوهرها أدبية ومعنوية، أي إنها تستمد قوتها وقبولها وانتشارها من طبيعتها الطوعية الاختيارية.ومن هنا فقد تعددت صور المبادرات والفعاليات بحسب طبيعة البيئة المحيطة، ونطاق نشاط الشركة وأشكاله وما تتمتع به كل شركة من قدرة مالية وبشرية. وهذه المسؤولية بطبيعتها ليست جامدة، بل لها الصفة الديناميكية والواقعية، وتتصف بالتطور المستمر كي تتواءم بسرعة وفق مصالحها، وبحسب المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وخلاصة القول: أن المسؤولية الاجتماعية للشركات تعنى التصرف على نحو يتسم بالمسؤولية الاجتماعية، والمساءلة. ليس فقط أمام أصحاب حقوق الملكية، ولكن أمام أصحاب المصلحة الأخرى بمن فيهم الموظفون، والعملاء، والحكومة، والشركاء، والمجتمعات المحلية، والأجيال القادمة. ويعد مفهوم المساءلة مكونا رئيسيا من المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، كما تعتبر التقارير الدورية للمسئولية الاجتماعية للشركات أداة تسعى هذه الشركات عن طريقها لطمأنة أصحاب المصلحة بأنها تعنى باستمرار بما يشغلهم على نحو استباقي، وإبداعي عبر كل ما تقوم به من عمليات. وتتضمن تلك التقارير السياسات، وإجراءات القياس، والمؤشرات الرئيسية للأداء، والأهداف في المجالات الرئيسية.

وتظهر عظمة الإسلام في موقفه الثابت والواضح من قضية المسؤولية الاجتماعية حيث أن ملكية المال في المنظور الإسلامي لله عز وجل، استخلف الإنسان فيه، وبالتالي فإن لله - سبحانه حقاً - في المال، وحق الله في التصور الإسلامي هو حق المجتمع. وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَآتُوهُم من مالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، كما يقول عز من قائل: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7]. هذا في الوجوب، وأما في الاستحباب، والتطوع، فإن الأداء الاجتماعي يستند إلى قيم الأخوة الإنسانية، والرحمة، والتعاون التي أمر الله بها عباده إذ قال: {وَتَعَاوَنُواْ على الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ على الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

فالزكاة والحقوق الواجبة للأقارب والجيران والكفارات ملزمة شرعاً. والوقف، والصدقات التطوعية الأخرى تدخل في مجال الالتزام الذاتي من المسلم يقوم بها لنيل الثواب من الله عز وجل الذي هو جزاء محقق بمثابة بدل القرض الواجب الأداء. ولم يتوقف التشريع الإسلامي عند حد الأمر، والحث على أداء المسؤولية الاجتماعية، وإنما نظم كيفية هذا الأداء في أساليب، وأدوات، وآليات محددة بدقة. يتضح هذا في فقه الزكاة، وفقه الوقف، والحقوق الواجبة للعمال والإحسان والسماحة مع العملاء، والموردين، ونحو ذلك من الأحكام الرشيدة، والتوجيهات السديدة للمعاملات المالية سواءاً كانت معاملات تتعلق بعقود المعاوضات أم بالتبرعات.

وهكذا يتضح أن أداء المسؤولية الاجتماعية في الإسلام واجب ديني، وفضيلة إسلامية سبق الإسلام بها الأفكار، والنظم المعاصرة، وواجب المسلمين أداء هذه المسؤولية استجابة لأمر الله عز وجل ولأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يكون تقليداً أو تنفيذاً لاتفاق عالمي أو دعوات من نظم مستوردة.

والوقف في النظام الإسلامي عبارة عن مؤسسة خاصة (غير حكومية) يقدم سلعاً وخدمات نافعة يحتاج إليها الناس، ولكنها لا تفعل ذلك لغرض الاسترباح (كالقطاع الخاص) فتنحرف عن المصلحة العامة إلى الخاصة، وهو مع ترجيحه المصلحة العامة ليس جزءاً من جهاز بيروقراطي مترهل كجهاز الحكومة فيفشل في الوصول إلى أهدافه بكفاءة منافسة للقطاع الخاص.  ولا يخفى ما لنظام الوقف في الإسلام من منافع علمية وخيرية ما يجلُّ عن التقدير. كما أن هناك مصالح عامة أخرى غير مادية، لها شأن كبير في الوزن التشريعي. فالوقف في الإسلام لم يبق مقصوراً على أماكن العبادة ووسائلها، بل ابتغى به منذ عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مقاصد الخير في المجتمع، وبذلك توسع النطاق في المال الموقوف بتوسع الغرض في الوقف.

ويمكن تطوير مختلف تطبيقات المسؤولية الاجتماعية للشركات عن طريق نظام الوقف من خلال تمكين المنظمات لتنفيذ برامج تنموية دائمة، وذلك من خلال دمج منظمات الأعمال والتنمية، وتطوير مجموعة متنوعة من النماذج المبتكرة من خلال إعداد ورش عمل، وجلسات عصف ذهني، وكذلك من خلال تبادل الأفكار وبلورتها، وتشمل هذه الأفكار:

1.     برنامج وقف الشركات من أجل التنمية.

2.     دور البنوك في عمل الأوقاف من أجل تحقيق الاستفادة القصوى من المنظمات التنموية.

3.     دور الشركات في تخصيص نسبة من أرباحها كوقف تنموي.

4.     دور الشركات في تحديد إحدى استثماراتها للمؤسسات التنموية.

5.    تأسيس صناديق للوقف لعمل مشاريع تنموية.

 وفي حالةتبنىالوقفكأحدأدواتعملمسئوليةالشركات سينعكسذلكبشكلإيجابيعلىقطاعالأعمال، وكذلكعلى المجتمعبشكلعام، ويتمثلذلكفي:

1.    تحقيقالتنميةالمستدامةعنطريقالاستدامةالتيتحققها الأوقاف.

2.     إمكانيةعملمشروعاتقومية، واستراتيجيةلحلالمشكلات المزمنةمثلالبطالة، ومحوالأمية،وغيرها.

3.     تقليلالاعتمادعلىالمنحالأجنبية، والربط بين القوىالثلاثوهىقطاعالأعمالوالحكومةوالمجتمعالمدني تحقيقمصالحمختلفةللأطرافالثلاثة.

4.    إمكانيةمساهمةالعديدمنالشركاتفي عملوقفية واحدة، وفتحالمجالللمشاركةفي الوقفيةلتنميةمواردها، وتحقيقالتنسيقبينالشركاتالمختلفةفي مجالالمسؤولية الاجتماعية.

ولتفعيل دور الوقف في المسؤولية الاجتماعية للشركات نوصى بما يلي:

1.    قيام الجهات المعنية بتوفير البنية التحتية اللازمة لتضمين الوقف في المسؤولية الاجتماعية الشركات وعلى وجه الخصوص الأنظمة، وتوفير الدراسات، والمعلومات على ضوء الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

2.    ضرورة اهتمام وسائل الإعلام بالتوعية بنشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية، ومبادئها الصحيحة، والمجالات المرتبطة بها، والعائد على كل من المنشآت المؤدية لها وعلى المجتمع.

3.    قيام الدولة بتيسير الإجراءات المرتبطة بأداء الشركات للمسؤولية الاجتماعية من خلال الوقف، وتوفير محفزات نظامية للشركات على ضوء تميزها في ذلك.

4.    سن التشريعات التي تكفل توفير عنصري الشفافية، والإفصاح من قبل الشركات المنفذة في مجال الوقف، والمسؤولية الاجتماعية.

5.    تنظيم ورشة عمل على مستوى تمثيل إقليمي عالي المستوى تضم صناع القرار في الجهات المعنية لتحديد معايير أداء المسؤولية الاجتماعية، ومشروعية مساهمة الوقف في تحقيق ذلك، وتعميم منح جوائز للتميز في أداء المسؤولية الاجتماعية لإذكاء التنافسية بين الشركات في تحقيق وتوسعة نطاقات المسؤولية الاجتماعية.

6.     ضرورة وجود إدارات متخصصة للمسؤولية الاجتماعية من خلال الوقف داخل الشركات تتولى تخطيط وتنفيذ البرامج، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، على أن تتبع الإدارة العليا مباشرة، وتبادل الخبرة والتجارب العملية فيما بينها، والتعرف على نقاط القوة والضعف لتطبيق أفضل الأساليب جدوى في مجالات المسؤولية الاجتماعية.