العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التورق في الأسهم في مصرف الراجحي \"نشأته، وتطوره\"، وحكمه الشرعي

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

التورق بيع بثمن آجل، يقصد منه المشتري إعادة بيع السلعة بثمن عاجل لطرف غير الذي اشترى منه للحصول على النقد، وما ذكره الأخ الدكتور يوسف الشبيلي عن بيع الأسهم بالأجل في مصرف الراجحي، ومثله يتم في مصرف الإنماء مؤخراً- صحيح عملياً أي من حيث الإجراءات، وهو في حقيقته بيع أسهم بالأجل من البنك إلى العميل يَملك فيه البنك الأسهمَ، ويقبضها قبضاً حكمياً حيث تقيد في محفظة البنك الاستثمارية، ثم يبيعُها، ويُقبِضَها له بنقلها إلى محفظة العميل لدى شركة الاستثمار التابعة للبنك أو لدى البنك قبل، وجود شركة الاستثمار، ثم يكون للعميل أن يحتفظ بالأسهم لأي مدة شاء أو يبيعها فوراً بواسطة البنك (مدير المحفظة) كأي عميل يتعامل بالأسهم عن طريق البنك.

ولا ريب أن الطرفين (البنك، والعميل) قد دخلا عن علم في معاملة تؤول إلى التورق في إجراءاتها لكن دون إلزام على العميل، ودون استحداث أي إجراء جديد لغرض التورق، ولا يختلف، وضع العميل كمتورق في هذه المعاملة عن أي متعامل آخر في سوق الأسهم من حيث الإجراءات. لكن البنك، والعميل يتوافقان على نوع من الأسهم لا تتقلب أسعاره تجنباً لمخاطر الخسارة بسبب تغير السعر.

إن من يجيز أن يشتري شخص سيارة بالأجل، ثم يبيعها نقداً لغير من اشتراها منه (التورق العادي) قد لا يرى شبهة في التورق بالأسهم بالصورة المذكورة، ولا يشكل على ذلك أن البيع يتم بواسطة البنك أو شركة الاستثمار التابعة للبنك، لأن ذلك من قبيل الإجراءات التنظيمية للسوق المقبولة شرعاً، ولم يترتب عليها أي قيود على حرية التصرف بالمبيع تختلف عن الحالات الأخرى. أما من يرى عدم جواز التورق العادي فلا شك أنه يلزمه أن يقول بحرمة التورق بالأسهم، وفق الصورة المذكورة، والذي أعرفه من خلال عملي في مصرف الراجحي في الفترة 1994-2003م أن الراجحي لا يصنف أياً من منتجاته للعملاء تحت مسمى التورق أو أي مسمى آخر يقصد منه التورق، رغم أن كثيراً ممن يشترون سيارات منه قد يبيعونها بعد توقيع عقد الشراء مباشرة بغرض التورق.، ولا يخفى هذا على البنك، بل إنه في بعض الحالات لوحظ في تلك الفترة أن البنك يعيد شراء السلعة نفسها التي باعها عدة مرات (دون ترتيب) لعدم وجود ضوابط في النظام الإلكتروني تسهل كشف مثل هذه الحالات، وقد عرض على الهيئة الشرعية الأولى (من التأسيس حتى عام 1999م) في مصرف الراجحي - والتي كان فيها الشيخ صالح الحصين نائباً لرئيس الهيئة الشيخ عبدالله بن عقيل رحمه الله- بيعَ الأسهم بالأجل فرأت عدم جواز ذلك لئلا يستغل كوسيلة للتورق (القرار 109، ونصه في نهاية هذا الرأي)، وفي ظني أن المؤثر في القرار هو الشيخ الحصين، ومشهور عنه رأي المنع، وهذا مؤشر على أن الهيئة الشرعية الأولى لا تجيز التورق العادي، ثم عرض الأمر بعد عام 1999، وبعد إعادة تشكيل الهيئة الشرعية في مصرف الراجحي حيث خرج الشيخ صالح الحصين، ودخل مشايخ آخرون مثل القاضي عبدالله الخنين، والدكتور أحمد بن حميد، والقاضي صالح الجربوع، وأمين الهيئة الدكتور عبد الرحمن الأطرم، وهو عضو فيها أيضاً، وكان رأي الهيئة الجديدة جواز بيع الأسهم بالأجل، ومن ثم طرح مصرف الراجحي منتجاً وطنياً في تلك الفترة، وأول ما طرح في الأسهم.، واستغل في التورق على نطاق واسع، وأثر على منتج بيع السيارات لأن كثيراً من عمليات شراء السيارات كانت تتم بغرض التورق فلما فتح بيع الأسهم بالأجل كان التورق بالأسهم أيسر.

وبالتالي يمكن القول إن بيع الأسهم بالأجل لم ينشأ لتمويل بيع الأسهم بالأجل كغرض من العملية، وإنما بغرض التورق أو الحصول على النقد، وهكذا في كل منتجات بيع الأسهم بالأجل في البنوك الإسلامية. فالبنوك لجات للأسهم لأنها أخف شبهة من التورق المنظم في السلع الدولية الذي يشوبه شبهتان طبقاً لقرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي أولهما صورية المعاملة التي تعززها الإجراءات المحكمة، وضرورة تسوية المعاملة خلال يومي عمل، وثانيهما:الوكالة الملزمة للبنك البائع ببيع السلعة نيابة عن المشتري.

ولكن ينشأ سؤال آخر: هل التورق بالأسهم -وفق ما ذكر- من قبيل التورق الفقهي الجائز لدى جمهور الفقهاء، والممنوع لدى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم أم هو من التورق المنظم الممنوع لدى المجامع الفقهية؟
رأيي:
التورق في الأسهم في مصرف الراجحي - وكذلك في مصرف الإنماء- فيه شبه بالتورق الفقهي من حيث حرية المشتري بالتصرف بالسلعة؛ بل إنه قد يعدل عن بيعها، وفيه شبه بالتورق المنظم من حيث التواطؤ بين الأطراف على ذلك، ولكنه ليس على سبيل الإلزام، وأميل إلى أنه أقرب في الحكم إلى التورق الفقهي محل الخلاف بين الفقهاء القدامي، ويأخذ حكمه.
ولمزيد من التفصيل في تحرير محل النزاع في مسائل التورق الفقهي، والمنظم أرفق بحثي في الموضوع "التورق كما تجريه المصارف الإسلامية" الذي سأقدمه في مؤتمر التورق، والحيل المصرفية في جامعة عجلون في 18-19 أبريل الجاري.